|
|
|
2-3 كيف طبّقنا نواة رومليت على مشروع الحد من هدر الأدوية الوريدية؟
|
|
|
|
|
|
|
|
«لايفيرا» تستعرض رؤيتها لتوطين الصناعات الدوائية الحيوية وتعزيز الشراكات الخليجية الفرنسية
|
|
|
شاركت مجموعة «لايفيرا»، إحدى شركات صندوق الاستثمارات العامة والمتخصصة في الأدوية الحيوية، في منتدى Vision Golfe 2026 الذي استضافته باريس بمشاركة مسؤولين وقادة أعمال وصناع قرار من فرنسا ودول الخليج.
|
|
|
ومثّل المجموعة الدكتور فادي بن صالح البحيران، الرئيس التنفيذي لـ«لايفيرا»، خلال جلسة حوارية ناقشت بناء الثقة وتعزيز القيمة في الرعاية الصحية بين فرنسا والمنطقة الخليجية، بمشاركة قيادات من شركات ومؤسسات صحية عالمية.
|
|
|
واستعرض البحيران رؤية المجموعة لتطوير قطاع الصناعات الدوائية الحيوية في المملكة، من خلال نقل التقنيات المتقدمة، وتوسيع القدرات التصنيعية المحلية، وتنمية الكفاءات الوطنية، ودعم البحث والتطوير، وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد الدوائية.
|
|
|
وأكد أن توطين الصناعات الحيوية لا يُعد هدفًا منفصلًا، بل يمثل ركيزة لتحقيق استدامة القطاع الصحي على المدى الطويل، ودعم الابتكار الدوائي، وتمكين المملكة من تطوير منتجات وتقنيات قابلة للوصول إلى الأسواق العالمية، كما ركزت المناقشات على فرص التعاون بين فرنسا ودول الخليج في التصنيع الحيوي، وتبادل الخبرات، وبناء شراكات استراتيجية تسهم في رفع كفاءة الأنظمة الصحية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات المستقبلية.
|
|
|
وتأتي مشاركة «لايفيرا» في سياق دورها في دعم الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية ومستهدفات رؤية السعودية 2030، وأكدت المجموعة أهمية الحوار مع الشركاء الدوليين لتحويل فرص التعاون إلى مشاريع تصنيع واستثمار ذات أثر مستدام.
|
|
|
|
|
|
في النشرة السابقة من نشرة التشريعات في أسبوع البريدية والتي كانت بعنوان (هل تبدأ الاستراتيجية من الخطة أم من فهم الميدان أولا؟) بدأنا من جرعة دوائية مرتفعة التكلفة جرى تحضيرها ثم لم تُستخدم، وانتقلنا من ذلك المشهد إلى سؤال أكبر عن كيفية استمرار الأنظمة في استهلاك مواردها، ففيها تعلمنا أن التخطيط الاستراتيجي يزودنا بأدوات مهمة مثل الرؤية والرسالة والأهداف والمؤشرات، لكنه لا يجيب وحده عن كيفية انتقال الاستراتيجية من أعلى الهرم إلى قرارات الممارسين اليومية.
|
|
|
كما رأينا أن التفكير التصميمي لا يمثل الجواب الكامل لصياغة أفضل استراتيجية ممكنة، لكنه يشكل جسرًا مهمًا بين الإدارة والميدان؛ ويعود السبب في ذلك في أنه يساعد على فهم احتياجات الممارسين، وإعادة تعريف المشكلة من وجهة نظرهم، وتصميم الحلول معهم، وانتهينا إلى أن عبارة «لدينا هدر دوائي مرتفع» لا تمثل تشخيصًا دقيقًا، إنما هي في حقيقة الأمر وصفًا لنتيجة، بينما المشكلة الأعمق فارتبطت بتوقيت اتخاذ القرار السريري، وتوقيت تحضير الجرعة، وتعدد الفرق، ووضوح قناة التواصل والمسؤولية.
|
|
|
لكن بقي سؤال أساسي: ماذا نفعل بعد أن نصل إلى التشخيص؟
|
|
|
في هذه الأيام، ما زلت أقرأ، على مهل، كتاب Good Strategy/Bad Strategy لمؤلفه ريتشارد رومليت، وهو أحد أبرز الخبراء العالميين في مجال الإدارة الاستراتيجية، ويُعد مرجعًا في كيفية صياغة الاستراتيجيات الفعالة وتحويلها إلى واقع عملي.
|
|
|
فمنذ الصفحات الأولى، وجدت الكتاب يشبع جزءًا من فضولي تجاه تساؤلي الدائم عن الكيفية التي تفشل بها الاستراتيجيات من الأساس، ولماذا تصل بعض المؤسسات إلى نتائج كبيرة، بينما تتعثر مؤسسات أخرى رغم امتلاكها كل الخطط والأهداف بطرق مفصلة مليئة بالشعارات الحماسية والإيجابية تجاه وجهة المنشأة.
|
|
|
فعبر صفحات الكتبار يستشهد رومليت بتجارب متعددة لشركات ومؤسسات عالمية، مثل Apple و Walmart ووزارة الدفاع الأمريكية، ليوضح أن الاستراتيجية الجيدة لا تبدأ بالأهداف الطموحة، ولكن يكمن سر الإستراتيجية الجيدة في فهم التحدي الذي يستحق تركيز الجهد عليه بالفعل، وعدم الميل للشعارات الفضفاضة الإيجابية، إنما الحل هو في السعي لاكتشاف المشكلات التي تؤرق الادارات التنفيذية بالفعل، وخلق حلول منطقية وقابلة للتطبيق حولها، فعبرها تتم اللبنات الأولى في بناء الخطة الاستراتيجية الجيدة لا السيئة!
|
|
|
ويقدم ريتشارد رومليت ما يسميه «نواة الاستراتيجية» The Kernel، وتتكون من ثلاثة عناصر:
|
|
- التشخيص Diagnosis: تحديد طبيعة التحدي أو المشكلة الحقيقية.
- السياسة الموجهة Guiding Policy: وضع نهج عام للتعامل مع العقبات التي جرى تشخيصها.
- الأفعال المترابطة Coherent Actions: تنفيذ مجموعة من الخطوات العملية والمنسقة التي تخدم السياسة الموجهة.
|
|
|
قد تبدو هذه العناصر سهلة عند قراءتها، لكنها مضنية عند التطبيق، فالوصول إلى تشخيص دقيق قد يستغرق شهورًا أو سنوات، لأن المؤسسات كثيرًا ما تتعامل مع الأعراض الظاهرة، أو تتجنب الأسئلة التي قد تكشف خللًا في طريقة العمل أو توزيع المسؤوليات أو تخصيص الموارد.
|
|
|
والتنفيذي الذي يتجنب الإجابة عن الأسئلة الصعبة، ويكتفي ببناء أهداف طموحة دون تشخيص العقبة الرئيسية، قد ينتهي به المطاف إلى استراتيجية مليئة بالشعارات، لكنها ضعيفة عند التنفيذ، ومن خلال عدسة رومليت، أعدت قراءة مشروع الهدر الدوائي وفقا لعدسته الخاصة، ولكن هذه المرة لإجابة أسئلة واعتراضات صعبة.
|
|
|
ففي مشروعنا الذي نقوم عليه في الحد من الهدر الدوائي لم يكن التشخيص:
|
|
|
«لدينا أدوية مرتفعة التكلفة تُهدر».
|
|
|
بل كان أقرب إلى:
|
|
|
«ينشأ جزء من الهدر القابل للتجنب Avoidable cost بسبب عدم تزامن قرار الاستمرار في العلاج أو تعديله مع توقيت تحضير الجرعة، إلى جانب الحاجة إلى قناة تواصل أوضح بين الصيدلة والفريق السريري».
|
|
|
هذا التشخيص لا يلوم الصيدلي أو الطبيب أو الفني، ولكنه يحدد نقطة محددة في النظام لا تتزامن فيها القرارات السريرية مع التنفيذ الميداني التشغيلي حيث هو في الصيدلية.
|
|
|
أما السياسة الموجهة فكانت:
|
|
|
«منح الفريق السريري فترة آمنة لتأكيد الاحتياج إلى الجرعات المستهدفة قبل تحضيرها، مع ضمان عدم تأخير العلاج أو التأثير في سلامة المريض».
|
|
|
كانت هذه السياسة مهمة لأنها وضعت حدودًا واضحة للتدخل.
|
|
|
فالهدف لم يكن تأخير تحضير الأدوية بحثًا عن الوفرة المالية فحسب، ولكن كان هناك سعي واضح في إيجاد نافذة آمنة لاتخاذ القرار، مع بقاء أولوية العلاج وسلامة المريض فوق أي اعتبار آخر.
|
|
|
ثم جاءت الأفعال المترابطة، ومن أبرزها:
|
|
- التركيز على مجموعة محددة من الأدوية الوريدية مرتفعة التكلفة بدل محاولة معالجة جميع الأصناف في وقت واحد.
- البدء بالأدوية التي تُعطى مرة واحدة يوميًا لتقليل تعقيد التدخل.
- إرسال تذكير يومي إلى الفريق السريري المعني في وقت محدد.
- اعتماد نقطة زمنية واضحة لاتخاذ القرار قبل تحضير الجرعة.
- تحضير الجرعة إذا لم يرد قرار قبل الموعد المتفق عليه، حفاظًا على استمرارية العلاج.
- إنشاء وسيلة موحدة لتسجيل قرار الصرف أو الإيقاف أو تعديل الجرعة.
- تحديد الأدوار بين الصيدلة التشغيلية والصيدلة السريرية.
- متابعة البيانات وأسباب الهدر بصورة يومية.
- التوسع التدريجي بناءً على ما نتعلمه في كل مرحلة.
|
|
|
بهذه الأفعال المترابطة والمنسقة معا تحركت جميعًا في اتجاه تشخيص واحد وسياسة موجهة واحدة، وبهذا المعنى، لم يعد المشروع مجرد حملة للتوعية بالهدر، ولكنه حقق المراد في أن يصبح تدخلًا يعيد تنظيم نقطة محددة في مسار القرار السريري والتحضير الدوائي.
|
|
|
بعد وعيي بهذا المفهوم، حظيت بموافقة إدارة الرعاية الصيدلية في مدينة الملك سعود الطبية على قيادة مبادرة نوعية في وحدة المحاليل الوريدية، تُعنى بتتبع الهدر والحد منه، وسبقت المبادرة محاضرة تعليمية استعرضت فيها الأرقام العالمية والمحلية، تحت عنوان:
|
|
|
«لماذا يُعد هدر الأدوية مشكلة عالمية لا محلية؟ وهل ثمة حلول لها؟».
|
|
|
ومن خلال المحاضرة، كانت الدعوة إلى المشاركة في المبادرة، التي آمن وانتسب فيها عدد من الصيادلة والفنيين والصيادلة الإكلينيكيين مشكورين وخلال أول 15 يومًا، انخفضت القيمة المالية للهدر المرصود ضمن نطاق الأدوية المستهدفة بنسبة 66% مقارنة بخط الأساس المعتمد في المشروع.
|
|
|
ثم وصلت نسبة الانخفاض في القيمة المالية للهدر المرصود خلال الشهر الأول إلى 84%، وفق بيانات المشروع، وبعد نجاح المبادرة الأولية، أصبحت أحد مشاريع إدارة الرعاية الصيدلية لعام 2026م، مع استمرار التوسع في نطاقها.
|
|
|
لكن الأرقام وحدها لا تفسر النجاح، فنجاح المشروع اعتمد كذلك على تعاون الصيادلة والفنيين والصيادلة السريريين، ووضوح الهدف، وعدم تقديم خفض التكلفة على سلامة المريض، والاستعداد لتعديل آلية العمل كلما ظهرت عقبة جديدة.
|
|
|
ولأن الصحة في المملكة العربية السعودية تمر بتحول مستمر تجاه الصحة المبنية على القيمة، وكفاءة الإنفاق وترشيده، والتحول في نموذج تقديم الرعاية، كان لا بد من أن تنطلق المبادرات والمشاريع من أرض الميدان، وأن ترتبط بالاستراتيجيات الكبرى في الصحة المتوافقة مع رؤية المملكة 2030، فالصحة المبنية على القيمة يجب أن تظهر في أسئلة عملية مثل:
|
|
- متى نُحضّر الدواء؟
- كيف نتجنب تحضير جرعة لم تعد مطلوبة؟
- كيف نحافظ في الوقت نفسه على سلامة المريض؟
- من يملك قرار الاستمرار أو الإيقاف؟
- متى يجب أن يصل القرار إلى الفريق الذي سيحضّر الجرعة؟
- كيف نقيس أثر التغيير؟
|
|
|
ومن هنا بدأت أفهم بصورة أعمق أن الخطط الخمسية والعشرية لا تصبح واقعًا لمجرد اعتمادها.
|
|
|
لأن كل إدارة داخلية هي تحتاج بشكل حتمي ترجمة الاتجاه المؤسسي إلى سؤال محلي:
|
|
|
ما العقبة الواقعة ضمن نطاق عملنا التي تمنع المؤسسة من تحقيق القيمة التي تستهدفها؟
|
|
|
فالاستراتيجية العليا قد تحدد الاتجاه، لكن الإدارات هي التي تحول الاتجاه إلى اختيارات وأفعال وممارسات، وبهذه الصورة، تتحول الاستراتيجية من مفهوم واسع إلى سلوك يومي قابل للملاحظة والقياس.
|
|
|
لكن نجاح الأرقام يفتح سؤالًا أكثر صعوبة:
|
|
|
هل يكفي خفض الهدر بنسبة 66% أو 84% حتى نقول إن النظام تحسن فعلًا؟
|
|
|
أم أن التحسن كان نتيجة المتابعة المكثفة والحماس الأولي، وقد يتراجع بعد انتهاء المشروع أو غياب قائده؟ هذا السؤال هو موضوع النشرة الثالثة والأخيرة من نشرة التشريعات في أسبوع البريدية في عددها القادم بإذن الله تعالى.
|
|
ما هي الخلاصـــــــــــــــــــــــــــــــــة؟
|
|
|
تأخذنا هذه النشرة من فهم المشكلة إلى تصميم الاستراتيجية. فمن خلال كتاب Good Strategy/Bad Strategy لريتشارد رومليت، تعرّفت بصورة أعمق إلى «نواة الاستراتيجية»، المكونة من التشخيص، والسياسة الموجهة، والأفعال المترابطة.
|
|
|
وعند تطبيق هذه النواة على مشروع الهدر الدوائي، لم يعد التشخيص هو وجود أدوية مرتفعة التكلفة تُهدر، ولكنه وعند الغوص عميقا يكمن في عدم تزامن القرار السريري مع توقيت التحضير. وأصبحت السياسة الموجهة منح الفريق السريري فترة آمنة لتأكيد الاحتياج، دون تأخير العلاج. ثم جاءت الأفعال المترابطة: استهداف الأدوية الأعلى أثرًا، والبدء بالأدوية التي تعطى مرة يوميًا، وتحديد وقت للقرار، وإرسال تذكير، وتوحيد التسجيل، وتوزيع الأدوار، ومتابعة البيانات، والتوسع تدريجيًا.
|
|
|
فخلال المشروع الحد من الهدر الدوائي فقد أسهم التدخل في خفض القيمة المالية للهدر المرصود ضمن نطاق الأدوية المستهدفة بنسبة 66% خلال أول 15 يومًا، ثم 84% خلال الشهر الأول، لكن الدرس الأهم لم يكن في الرقم وحده. فقد كشف المشروع أن الخطط الخمسية والعشرية لا تتحول إلى واقع لمجرد اعتمادها، ولكن يبدأ معناها الحقيقي يتشكل عندما تترجمها الإدارات إلى عقبات محلية واضحة، وسياسات قابلة للتنفيذ، وقرارات يومية يمكن ملاحظتها وقياسها.
|
|
|
وهكذا تصبح الاستراتيجية فعلًا متسقا، لا قائمة من الأمنيات والشعارات الفضفاضة!
|
|
|
|
|
|
هل تعرف إدارتك أهدافها فقط، أم تعرف أيضًا العقبة المحددة التي تمنعها من تحقيق تلك الأهداف؟
|
|
|
|
|
|
|
|
ممتن لوصولك إلى هذا السطر من النشرة، وآمل أن تكون قد عادت عليك بالنفع، أشارك هنا تجربتي في دراسة الماجستير التنفيذي في التشريعات الدوائية بجامعة الملك سعود منذ عام 2023م، إلى جانب ما أمرّ به من خبرات ومقالات ومقابلات خلال هذه الرحلة، في محاولة لتوثيق التعلم ومشاركته مع الآخرين.
|
|
|
أنا عبدالعزيز آل رفده، صيدلي بمدينة الملك سعود الطبية، وكاتب لمقالات ونشرات بريدية منذ 2018م، تجدني على LinkedIn و X.
|
|
|
بدأت هذه الرحلة إيمانًا بأهمية إثراء المحتوى العربي، خصوصًا في المجال الصيدلاني، وقد أسعدني ما وصلني من تشجيع من أساتذتي وزملائي والمهتمين بالمجال، وبإذن الله القادم منها أجمل وأكثر أثرًا
|
|
|
|
|
|
|
|
استعد لرحلة مثيرة مع هذين الكتابين اللذين سيغيّران نظرتك حول عالم التشريعات الدوائية
|
|
|
احصل على نسختك الإلكترونية من كتابّي التشريعات الدوائية عبر الرابط الآن
|
|
|
|
|
|
عبدالعزيز آل رفده، هاجر العنزي
|
|
|
|
📌 نشرات مرجعية مهمة من أرشيف نشرة التشريعات في أسبوع البريدية
|
|
|
|
|
|
|
📌 نشرات تحليلية مميزة من أرشيف نشرة التشريعات في أسبوع البريدية
|
|
|
|
|
|
|
|
إن كانت هناك أي أسئلة تتعلق بكل ما ورد أعلاه أو اقتراحات للتطوير من النشرة بإضافة أفكار لها لا تتردد في مراسلتي عبر البريد الإلكتروني للنشرة من خلال هذا العنوان [email protected]
|
|
التعليقات