كيف يتم التعامل مع الأمراض الوراثية في السعودية اليوم؟ ولماذا تُرهق أدويتها القطاع الصحي بشدة؟ نشرة التشريعات في أسبوع البريدية - العدد #114

5 يناير 2026 بواسطة عبدالعزيز ال رفده #العدد 114 عرض في المتصفح
كيف تحوّلت الأدوية النادرة من عبء مالي إلى اختبار حقيقي للعدالة والاستدامة الصحية؟ 

***

«تمكين الصناعة المحلية للمستحضرات الصيدلانية» مؤتمر الأدوية الجنيسة يختتم أعماله في الرياض

اختتمت الهيئة العامة للغذاء والدواء في مقرها الرئيس بمدينة الرياض أعمال مؤتمر الأدوية الجنيسة، الذي عُقد تحت شعار «تمكين الصناعة المحلية للمستحضرات الصيدلانية»، بحضور الرئيس التنفيذي للهيئة الدكتور هشام بن سعد الجضعي، ومشاركة واسعة من الجهات التنظيمية، وشركات الأدوية، ومقدمي الرعاية الصحية، ونخبة من المستثمرين والخبراء الأكاديميين.

وتناول المؤتمر، عبر جلسات علمية وحوارية متخصصة، مستقبل قطاع الأدوية في ظل التطورات التقنية المتسارعة، وأبرز الممارسات الداعمة لتطوير صناعة الأدوية الجنيسة، بما ينسجم مع مستهدفات رؤية المملكة 2030. كما ناقش الفرص الاستثمارية المتاحة في السوق السعودي، والحوافز الحكومية المقدمة لدعم التصنيع المحلي وجذب الاستثمارات النوعية.

واستعرض المشاركون سياسات قوائم الأدوية والمشتريات في المستشفيات ودورها في تعزيز استخدام الأدوية الجنيسة وفق المعايير المعتمدة، مؤكدين في الجلسة الختامية أهمية تعزيز الشراكة بين الجهات التنظيمية والقطاع الصناعي ومقدمي الرعاية الصحية، لتسريع وصول الأدوية إلى المرضى، وتطوير الأطر التنظيمية الداعمة للجودة والسلامة والاستدامة في المنظومة الدوائية.

***

أبحاث علمية منشورة 💡

  1. الدراسة متعددة المراكز الواقعية في السعودية: استخدام سيماغلوتيد Semaglutide الفموي مرة يوميًا لدى البالغين المصابين بداء السكري من النوع الثاني.
  2. العبء الخفي لارتفاع ضغط الدم لدى المراهقين العرب المرتبط بالسمنة واضطراب شحميات الدم وحالة فيتامين د. 
  3. اتجاهات استخدام العلاج البيولوجي في مرض التهاب الأمعاء: مراجعة سردية من المملكة العربية السعودية.
  4. العلاج الجيني في الاضطرابات الوراثية النادرة: التقدم الحالي والمنظورات المستقبلية
***

بالعودة إلى مقاعد الدراسة الجامعية، أتذكر بأننا تعمقنا كثيرًا في الأمراض التي تتعلق بسكري الدم، وأمراض القلب، والاضطرابات التنفسية المختلفة، وعرّجنا بشكل مقتضب وغير متعمق على دراسة الأمراض الوراثية. وأتذكر بالخصوص المرض المعروف لدينا وهو فقر الدم المنجلي (Sickle cell disease)، ومن خلاله تعرفنا على ما يُسمّى بالأمراض الوراثية التي تُصيب عددًا قليلًا من السكان.

لكن حينما مارست عملي كصيدلي، كانت أولى الملاحظات التي لا تُخطئها العين هي وجود أمراض وراثية أخرى غير تلك التي ألفناها مع فقر الدم المنجلي؛ فقد رأيت وقرأت عن مرضى يراجعون المدينة الطبية التي أعمل فيها وهم مصابون بأمراض نادرة مثل النزيف الوراثي المسمّى الهيموفيليا (Hemophilia)، وضمور العضلات الشوكي (Spinal Muscular Atrophy)، إضافة إلى عدد من الأمراض المناعية النادرة الأخرى.

حينها أدركت أن هناك طيفًا واسعًا من الأمراض لم نُحسن فهمه في مقاعد الدراسة، وأن المملكة العربية السعودية توفّر اليوم أدوية حيوية وجينية متقدمة لعلاج هذه الحالات. وتعاطفت مع المرضى الذين يصلون إلى تشخيص متأخر للغاية بعد رحلة طويلة من زيارة عشرات العيادات، رحلة تُرهق المريض وأسرته نفسيًا وماديًا، إلى أن يصلوا أخيرًا إلى معرفة المرض الحقيقي.

هنا تبادر إلى ذهني سؤال جوهري: هل الدولة بمؤسساتها الصحية مسؤولة عن علاج هؤلاء المرضى ذوي العدد القليل من مجموع السكان؟ خصوصًا أن تكاليف علاجهم مرتفعة جدًا، وقد تُشكّل عبئًا حقيقيًا على استدامة النظام الصحي على المدى البعيد.

ومع التحول النوعي الذي يشهده القطاع الصحي اليوم، والذي يضع تجربة المريض ونتائج علاجه في صميم الرعاية الصحية، تصبح الحاجة ملحّة لرفع وعي صناع القرار والممارسين الصحيين بتكاليف هذه الأدوية، وبكيفية إدارتها بطريقة نموذجية لا تُرهق النظام الصحي، وفي الوقت ذاته تُحقق للمريض نتائج علاجية حقيقية.

لكن قبل الإجابة عن هذه الأسئلة المفصلية، لا بد أن نبدأ من الأساس:ماذا نعني بالمرض النادر؟

كيف يمكن أن نُعرّف الأمراض النادرة؟

وفقًا لتعريف المفوضية الأوروبية، تُعرّف الأمراض النادرة بأنها:

“الأمراض ذات الانتشار المنخفض، والتي تؤثر على عدد قليل من السكان، بمعدل أقل من 5 حالات لكل 10,000 شخص.”

وبعبارة أبسط، يُعد المرض نادرًا إذا أصاب شخصًا واحدًا من كل 2000 شخص، هذا التعريف ليس توصيفًا طبيًا مجردا، بل الأساس الذي تُبنى عليه سياسات التمويل، والتسجيل، والتسعير للأدوية عالميًا. 

ليكون السؤال أين نحن من هذا الواقع؟ وهل لدينا في المملكة العربية السعودية قاعدة مرضى موثّقة ومدعومة بالأرقام؟

ماذا لو بدأنا بالتشخيص قبل فوات الأوان؟

في دراسة تُعد الأكبر من نوعها في مجال الجينوم، أُقيمت في المملكة العربية السعودية بعنوان: «التحليل الجينومي السريري لأكثر من 2700 مريض بالغ في السعودية»، والمنشورة في مجلة Genome Medicine عام 2023م، توصلت فيها نتائج الدراسة إلى أن 38% من المرضى المشاركين تم الوصول لديهم إلى تشخيص جيني دقيق ومبكر، وهو رقم يعكس حجم الفجوة التشخيصية التي كانت قائمة سابقًا.

كما أظهرت أن 61% من الأمراض الوراثية المشخّصة كانت ذات نمط وراثي متنحٍ، ويُعزى ذلك إلى عوامل اجتماعية وجينية، من أبرزها زواج الأقارب والتركيبة الجينية الخاصة بالمجتمع السعودي المرتبطة بجغرافية المكان.

وخلصت الدراسة إلى أن التشخيص الجيني المبكر لا يُغيّر فقط الخطة العلاجية للمريض، بل يُسهم في إيقاف العلاجات غير اللازمة، وتحسين الوقاية والمتابعة طويلة الأمد، مما ينعكس مباشرة على خفض التكاليف الصحية المباشرة وغير المباشرة المرتبطة بالأمراض النادرة.

ويمكن تخيّل الأثر الإيجابي لو توسّعت برامج التشخيص الجيني لتشمل شريحة أكبر من السكان؛ حيث يُقلّل ذلك من الزيارات غير الضرورية للمستشفيات، ويُحسّن تجربة المريض، ويُخفّف العبء عن النظام الصحي.

لكن إذا كان التشخيص اليوم أسرع وأكثر دقة، فإن السؤال التالي يصبح حتميًا: ماذا يحدث عندما ينتقل المريض إلى المرحلة التالية في رحلته العلاجية، ممثلة بمرحلة الدواء والتمويل؟

هل كل دواء مرتفع السعر عبء على النظام الصحي؟

في دراسة أخرى نُشرت في المملكة العربية السعودية في مجلة Value in Health عام 2018 م بعنوان: «تحليل الأثر الميزاني (BIA) لدواء Emicizumab لدى الأطفال المصابين بالهيموفيليا A مع المثبطات في وزارة الصحة السعودية».

اعتمدت الدراسة منظور المشتري (وزارة الصحة)، واستخدمت نموذج تحليل الأثر على الميزانية (Budget Impact Analysis) لمقارنة الإنفاق الصحي عند استخدام دواء Emicizumab مقابل العلاجات التقليدية الأخرى.

وأظهرت النتائج أنه خلال الفترة من 2018م إلى 2022م، بلغت تكلفة عدم استخدام Emicizumab نحو 186 مليون ريال سعودي، بينما انخفضت التكلفة إلى 146 مليون ريال سعودي عند التحول التدريجي لاستخدامه، أي توفير يقارب 40 مليون ريال سعودي بنسبة انخفاض بلغت 21% خلال خمس سنوات.

هذه النتائج تُثبت أن ارتفاع سعر الدواء على الورق لا يعني بالضرورة ارتفاع التكلفة على النظام الصحي، إذا ما أُخذت النتائج السريرية والاقتصادية بعين الاعتبار، فإذا كان دواء وقائي غير جيني استطاع قلب معادلة التكلفة بهذه الطريقة، فكيف نتعامل مع علاجات تُغيّر الجين نفسه؟ 

ماذا عن العلاجات الجينية الأعلى تكلفة؟

في دراسة حديثة أُجريت في المملكة العربية السعودية ونُشرت عام 2025 م بعنوان: «العلاجات الرائدة لعلاج ضمور العضلات الشوكي بجميع أنواعه: معدلات النجاة، ديناميكيات التكلفة، واتفاقيات الدفع القائمة على الأداء».

اعتمدت الدراسة على بيانات وزارة الصحة، وشركة الشراء الموحد للأدوية (NUPCO)، واللجان الطبية المتخصصة، واستخدمت نموذج تحليل الأثر الميزاني لمقارنة ثلاثة خيارات علاجية لمرض ضمور العضلات الشوكي.

وأظهرت النتائج أن عدد المرضى المؤهلين للعلاج الجيني ارتفع تدريجيًا ليصل إلى 190 مريضًا خلال الفترة من 2021م إلى 2025م، ونظرًا لارتفاع تكلفة هذه العلاجات، والتي تتراوح بين 45 ألف ريال للعلاجات الفموية، وتصل إلى 8 ملايين ريال للعلاجات الجينية، برزت الحاجة إلى عقود ذكية مثل:

• Managed Entry Agreements

• Performance-Based Agreements

وقد أوضحت الدراسة أن عدم ربط الدفع بنتائج العلاج أدى إلى ارتفاع التكاليف بنسبة وصلت إلى 225% مقارنة بالرعاية التقليدية، بينما انخفض هذا العبء إلى 84% عند تطبيق العقود القائمة على الأداء، مع ضمان حصول المرضى المؤهلين على علاج فعّال يُحسّن جودة حياتهم ويطيل أعمارهم.

ما الذي تُجبرنا هذه التجارب على إعادة التفكير فيه؟ 

يمكن أن نخلص إلى 3 دروس محورية ومهمة حول الامراض الوراثية وهي: 

1. التشخيص الجيني المبكر يحوّل المرض النادر من حالة فردية إلى تدفّق علاجي مستمر، ما يتطلب استعدادًا تمويليًا وهيكليًا.

2. القيمة الصحية لا تُقاس بسعر الدواء، بل بالنتائج التي يحققها والتكاليف التي يمنعها على المدى البعيد.

3. العقود الذكية ليست ترفًا تنظيميًا، بل أداة حوكمة أساسية لتحقيق العدالة والاستدامة معًا.

السؤال الآن لصانع القرار والممارس الصحي، وبعد استعراض هذه الأرقام والتجارب الواقعية في القطاع الصحي السعودي، يبقى السؤال الأهم: هل سنواصل شراء الدواء كمنتج؟ أم سننتقل إلى شراء النتيجة كقيمة قابلة للقياس؟

وهل ما ينقصنا اليوم بيانات وطنية أدق؟ أم خبرات أعمق في التحليل والاقتصاديات الصحية؟ لأنه وببساطة ما سنقوم بدفعه هذه اللحظة سيشكل وضع النظام الصحي بعد 10 سنوات من اليوم. 

يسعدني مشاركة هذه التجربة وهذه النشرة مع كل من يعنيه مستقبل علاج الأمراض الوراثية والنادرة في المملكة.

ما هي الخلاصـــــــــــــــــــــــــــــــــة؟ 

بالعودة إلى مقاعد الدراسة، كنت أظن أن الأمراض الوراثية هامشية، تُدرّس على استحياء عبر مثال واحد مثل فقر الدم المنجلي، لكن الممارسة الصيدلانية كشفت لي واقعًا مختلفًا؛ مرضى بأمراض نادرة، رحلات تشخيص طويلة، وأدوية حيوية وجينية متقدمة متاحة اليوم في السعودية، لكنها مكلفة ومعقّدة في إدارتها، هنا بدأ السؤال الحقيقي: هل ارتفاع تكلفة هذه العلاجات يعني بالضرورة عبئًا على النظام الصحي؟

تعريف المرض النادر ليس توصيفًا طبيًا دون غيره، بل قاعدة تُبنى عليها سياسات التمويل، وعندما ننظر إلى البيانات المحلية نرى أن التشخيص الجيني المبكر غيّر المعادلة: تشخيص أدق، علاجات أنسب، وتكاليف أقل على المدى البعيد، حتى الأدوية مرتفعة السعر، مثل Emicizumab، أثبتت أن القيمة تُقاس بالنتائج لا بالسعر، ومع العلاجات الجينية، أصبح ربط الدفع بالأداء ضرورة لا خيارًا. الخلاصة واضحة: ما ندفعه اليوم ليس تكلفة فقط، بل قرار سيحدّد شكل النظام الصحي لعقد قادم.

***

ممتن لوصولك لهذا السطر من النشرة والتي أتمنى أنها عادت إليك بالنفع، ففيها أنقل للقارئ تجربتي في دراسة الماجستير التنفيذي في التشريعات الدوائية بجامعة الملك سعود منذ العام 2023 م ( ‏Executive Master of Drug Regulatory Affairs in KSU) بشكل نصف أسبوعي في صباح يوم الإثنين ☀️ بالإضافة لنقل الخبرات والمقالات والمقابلات التي قد أعمل عليها خلال هذه الرحلة، وهي لا تُعبرّ إلا عن وجهة نظر ناقلها، راغبا بذلك توثيق الرحلة مع الآخرين ومشاركتهم طريق التعلم في أحد أعرق جامعات المملكة العربية السعودية.

ناقل هذه التجربة هو أنا عبدالعزيز آل رفده تجدني في منصة linkedin،أو منصة Twitter (X)  صيدلي بمدينة الملك سعود الطبية وكاتب ابداعي لعديد من المقالات والنشرات البريدية منذ العام 2018م وحتى هذا اليوم.

إن كنت مهتما عن السبب وراء رغبتي في توثيق ونقل هذه التجربة فأود إخبارك بأني قد أفردت لها نشرة سابقة من أعداد التشريعات في أسبوع البريدية والتي كانت بعنوان ( ما هو السبب الذي يجعلني أكتب نشرة التشريعات في أسبوع البريدية؟) وفي نشرة أخرى كذلك كتبت عددا لاقى رواجا كبيرا بين القراء بعنوان (لماذا أنصحك بدراسة الماجستير التنفيذي في التشريعات الدوائية، واستكمال رحلتك المهنية عن طريقها؟)

لإيماني بإثراء المحتوى العربي بشكل عام والصيدلاني بشخص خاص بدأت هذه الرحلة، وقد وصلتني عن نشرة التشريعات في أسبوع الكثير من كلمات المديح والتشجيع سواء من أعضاء هيئة التدريس، أو زملاء الدفعة الدراسية، أو ممن ينتسبون في السلك الصيدلاني بكافة قطاعاته، سعيد بأن سلسلة النشرات البريدية قد نالت استحسانهم، وبإذن الله بأن القادم منها أجمل بهاءْ وحُلّة. 🙏🏼

***

استعد لرحلة مثيرة مع هذين الكتابين اللذين سيغيّران نظرتك حول عالم التشريعات الدوائية

احصل على نسختك الإلكترونية من كتابّي التشريعات الدوائية عبر الرابط الآن
***

 عبدالعزيز آل رفده، هاجر العنزي

***

 📌 نشرات مرجعية مهمة من أرشيف نشرة التشريعات في أسبوع البريدية  

***

 📌 نشرات تحليلية مميزة من أرشيف نشرة التشريعات في أسبوع البريدية  

***

إن كانj هناك أي أسئلة تتعلق بكل ما ورد أعلاه  أو اقتراحات للتطوير من النشرة بإضافة أفكار لها لا تتردد في مراسلتي عبر البريد الإلكتروني للنشرة من خلال هذا العنوان  [email protected] 

مشاركة
نشرة التشريعات في أسبوع البريدية

نشرة التشريعات في أسبوع البريدية

هنا أنقل لك تجربتي في دراسة الماجستير التنفيذي في التشريعات الدوائية بجامعة الملك سعود 2023 م، وهي لا تعبر إلا عن وجهة نظر ناقلها، أرغب فيها بتوثيق الرحلة مع الآخرين ومشاركتهم طريق التعلم في أحد أعرق جامعات المملكة العربية السعودية، اشترك الآن لمتابعة الأعداد فور صدورها صباح كل يوم اثنين 📤

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة التشريعات في أسبوع البريدية