لماذا تتجه السعودية إلى بناء أمنها الدوائي؟ نشرة التشريعات في أسبوع البريدية - العدد #116 |
| 2 فبراير 2026 • بواسطة عبدالعزيز ال رفده • #العدد 116 • عرض في المتصفح |
|
قراءة تحليلية لوضع سلاسل الإمداد الدوائية عالميا ومحليا
|
|
|
|
|
تدشين مصنع «بي فارما»: خطوة نوعية لتعزيز الأمن الدوائي وتوطين الصناعات المتقدمة |
|
دشّن معالي بندر بن إبراهيم الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية، مصنع الأدوية المتقدمة المحدودة Bpharma، بحضور الرئيس التنفيذي لهيئة المدن الصناعية ومناطق التقنية مدن، في خطوة تعكس تسارع جهود المملكة لتوطين صناعة الدواء وتعزيز مرونة سلاسل الإمداد. |
|
ويُعد المشروع من المبادرات الاستراتيجية، باستثمارات تجاوزت 450 مليون ريال في مرحلته الأولى، على أن تصل إلى أكثر من 650 مليون ريال مع اكتمال المرحلة الثانية. ويقع المصنع على مساحة تقارب 38 ألف متر مربع، ويعتمد أنظمة أتمتة كاملة وتقنيات صناعية حديثة. |
|
تبلغ الطاقة الإنتاجية نحو 250 مليون وحدة سنويًا في المرحلة الأولى، وترتفع إلى أكثر من 450 مليون وحدة لاحقًا، وتشمل منتجاته المحاليل الوريدية، وأدوية الطوارئ والعناية المركزة، وقطرات العين، ومنتجات الاستنشاق، وأدوية القلب والجهاز الهضمي. |
|
ويوفر المشروع وظائف نوعية تصل إلى 600 وظيفة مستقبلًا، مع تخصيص نحو 30% من الإنتاج للتصدير، بما يدعم مستهدفات رؤية 2030 في الأمن الدوائي والتنمية الصناعية المستدامة. |
افتتاح المرحلة الثانية من مصنع «تمر مولنليكي»: دفعة جديدة لتوطين الصناعات الطبية في جدة |
|
دشن معالي بندر بن إبراهيم الخريف، وزير الصناعة والثروة المعدنية، المرحلة الثانية من مصنع تمر مولنليكي للرعاية الصحية في المدينة الصناعية الثالثة بجدة، التابعة للهيئة السعودية للمدن الصناعية ومناطق التقنية مدن، في خطوة تعزز نمو الصناعات الطبية وترسّخ مكانة المملكة كمركز صناعي متقدم في هذا القطاع الحيوي. |
|
ويبلغ حجم الاستثمار نحو 220 مليون ريال، ويختص المصنع بإنتاج المستلزمات الطبية، بدءًا من المستلزمات الجراحية المتخصصة، ضمن شراكة سعودية–سويدية مع Mölnlycke Health Care. وتبلغ الطاقة الحالية قرابة 200 ألف منتج سنويًا، مع خطة لرفعها إلى 500 ألف منتج، بما يدعم الطلب المحلي ويرفع المحتوى المحلي. |
|
وقد اطّلع الوزير على حلول متقدمة لغرف العمليات والعناية بالجروح والقفازات الطبية، مع تركيز واضح على الابتكار وكفاءة سلاسل الإمداد وتطوير الكفاءات الوطنية. ويستهدف المصنع التوسع في التصدير للأسواق الإقليمية، إسهامًا في مستهدفات رؤية 2030 والتنمية الصناعية المستدامة. |
|
أبحاث علمية منشورة 💡 |
|
|
كيف تعلّمنا الأزمات معنى الأمن الدوائي؟ |
|
في أحد الأيام، وبعد أربع جلسات من الأدوية الكيماوية التي قُررت على المريض وتم أخذها بالفعل، تتم التهيئة النفسية للمريض، سواء من قبل أهله القريبين أو الكادر الصحي، كل ذلك استعدادًا من أجل جلسته الخامسة من العلاج الكيماوي. |
|
يصل المريض إلى المشفى الذي يتعالج فيه، وبعد مباحثات من أقسام المواعيد والتمريض والصيدلة والطبيب المشرف على العلاج، يشك المريض بوجود خلل ما، وما هي إلا لحظات حتى يتم إخبار المريض بأن دواءه لهذه الجلسة غير متوفر، ومن أجل ذلك سيتم تأجيل الخطة العلاجية إلى أجل مسمى. |
|
بعد تمحيص لأساس المشكلة وجذرها الحقيقي، تبيّن أن الشحنة العلاجية ما زالت حيث هي في مينائها الجوي، والسبب أن هناك تفتيشًا يخضع له الدواء، ولم يتم الفسح عنه ما لم يتم التحقق من مدى جودته وسلامته وفعاليته من قبل الجهة التنظيمية للأدوية. |
|
بهذا الخبر يستاء المريض من وقعه، ويقع الطبيب وفريقه المعالج في حيرة من أمرهم حول الرد المناسب من جهة، وبين مطالباتهم الاحتجاجية من جهة أخرى بضرورة التحقق من الدواء وتوفّره محليًا، لا أن يُستورد عالميًا في كل مرة يتم طلبه. |
|
هذه المعضلة قد يشعر بها مريض منوم في العناية المركزة هو بأشد الحاجة إلى مسكن يخفف آلامه المبرحة والتي ربما لا يمكنه التعبير عنها بسبب غيابه عن الوعي، أو مريض بالفشل القلبي في العيادات الخارجية مستمر على أدوية سوف يأخذها مدى الحياة؛ فكلاهما قد يُقال له في يوم ما: نأسف على الخبر، ولكن دواءك غير متوفر لدينا، فابحث عنه بطريقتك سواء كان داخل البلد التي تعيش فيها أو خارجها. |
|
هذه ليست حالات فردية، بل انعكاس مباشر لهشاشة منظومة دوائية عالمية بُنيت لعقود على الكفاءة الاقتصادية أكثر من بنائها على المرونة والاستدامة. |
|
قد يحكي الكثير ممن هم منخرطون في النظام الصحي عن مثل هذه المشكلات المتكررة، التي تتمثل في انقطاعات الأدوية المتقطعة على مدار السنة، غير أن الأزمة التي شهدها العالم خلال جائحة كورونا كانت نقطة التحول الكبرى التي دفعت الدول إلى إعادة التفكير جذريًا في مفهوم الأمن الدوائي والصناعة المحلية للأدوية الأساسية التي لا يمكن للأنظمة الصحية الاستمرار دونها. |
هل تعاني سلاسل الإمداد الدوائية من هشاشة مفرطة عالميًا؟ |
|
في تقرير نُشر عبر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD في عام 2024م حول تأمين سلاسل الإمداد الطبية لما بعد الجائحة، خلص التقرير إلى مجموعة من الحقائق التي تؤكد هشاشة منظومة سلاسل الإمداد العالمية، ودرجة ترابطها التي باتت تهدد استقلالية الدول وديمومة أنظمتها الصحية. |
|
فخلال الثلاثين عامًا الماضية تضاعفت تجارة الأدوية أكثر من عشر مرات، لتصل إلى نحو 900 مليار دولار في عام 2022م، ومع توسع العولمة وتزايد الاعتماد على التصنيع العابر للحدود والمواد الخام المستوردة، أصبح أي خلل في نقطة واحدة من السلسلة كافيًا لإحداث انقطاع واسع النطاق. |
|
ويشير التقرير إلى أن نقص الأدوية لم يكن ظاهرة مرتبطة بجائحة كورونا دون غيرها من الأحداث المتقلبة، بل كان شيئا قائمًا وملاحظا قبلها بسنوات، وشمل أدوية حساسة مثل أدوية القلب والأعصاب والمضادات الحيوية. |
|
الأهم من ذلك أن التقرير يوضح أن السبب الأكبر لنقص الأدوية يعود إلى مشكلات التصنيع والجودة، وهي نقطة انهيار مركزية في السلسلة؛ إذ إن أي خلل تنظيمي أو فشل في الجودة يؤدي مباشرة إلى توقف الإنتاج، لا مجرد تأخير في التوريد، ومن هنا يتضح أن تحري جودة المصانع وكفاءتها يمثل حجر الزاوية في الوصول إلى أمن دوائي مستدام. |
ما هي أكبر نقاط الضعف الاستراتيجية في سلاسل الإمداد الدوائية؟ |
|
يبرز التقرير كذلك غياب الرؤية Visibility في المراحل القبلية للتصنيع الدوائي، أو ما يُعرف بمنبع السلسلة upstream، حيث تعتمد المصانع على مورّدين للمواد الخام API، والمواد المضافة Excipients، والتغليف Packaging. وفي ظل محدودية التتبع والشفافية، تصبح قدرة الدول على التنبؤ بالانقطاعات ضعيفة، خاصة مع تحفظ الشركات ومورديها على مشاركة تفاصيل سلاسل التوريد. |
|
وتتفاقم هذه الهشاشة مع المنافسة الشرسة في سوق الأدوية الجنيسة، حيث يؤدي ضغط الأسعار والسعي للحصص السوقية إلى تقليص هوامش الربح، ما يدفع بعض الشركات إلى خفض استثمارات الجودة، أو تقليص عدد الموردين، أو حتى التخارج من منتجات لا تحقق عائدًا مجزيًا، لتصبح وفرة الدواء رهينة اعتبارات تجارية بحتة. |
ما هي الحلول المطروحة إذن؟ |
|
يقترح التقرير إلى جانب تجارب دولية متعددة، الانتقال من منطق الاستهلاك إلى بناء منظومة دوائية متكاملة تقوم على أربعة محاور مترابطة: |
|
|
ويشمل ذلك تحفيز الدول – لا سيما تلك التي تمتلك البنية التحتية والتمويل – على تصنيع الأدوية الحيوية محليًا، مثل مسكنات الألم، وأدوية السرطان، والسكري، وضغط الدم، وأمراض القلب، والمضادات الحيوية. |
|
ومع وجود عقود حكومية طويلة الأمد، وتمويل ميسر، وحوافز تنظيمية، تتحول الصناعة من نشاط عالي المخاطر إلى قطاع مستقر قادر على الاستثمار في الجودة والاستدامة. |
|
كما يدعو التقرير إلى تجاوز مبدأ الشراء على أساس السعر الأقل بشكل مفرط، واعتماد منهجية “العرض الأنسب اقتصاديًا” Most Economically Advantageous Tender، بحيث تُراعى الجودة، وسرعة الوصول، واستمرارية الإمداد، ودعم الصناعة المحلية ضمن قرارات الترسية للعقود. |
|
ضمن هذا السياق العالمي، تأتي تجربة المملكة العربية السعودية بوصفها نموذجًا عمليًا لبناء الأمن الدوائي كمنظومة دولة لا كمبادرة قطاعية، فقد انتقلت المملكة إلى نمط استباقي قائم على البيانات عبر بنيتها الرقمية الصحية المتقدمة، وكان من أبرز أدوات ذلك نظام “رصد” Trace and Track والذي تقوم عليه هيئة الدواء والغذاء السعودية، فهو يتيح تتبع الأدوية عبر سلسلة الإمداد، ومعرفة كميات المخزون، وتحديد المواقع بدقة، والحد من التزييف، وتسريع إجراءات السحب عند الحاجة بفضل الرقم التسلسلي لكل عبوة. |
|
كما يشكّل التكامل بين هيئة المحتوى المحلي وشركة نوبكو NUPCO ركيزة أساسية في تشكيل السوق الدوائي؛ إذ تتولى الهيئة تمكين الصناعة المحلية ونقل المعرفة ومنح الأفضلية في المنافسات، بينما تقوم نوبكو NUPCO بدور المشتري المركزي ذي القدرة التفاوضية العالية لضمان الأسعار والاستمرارية، بما يخدم هدف الأمن الدوائي. |
|
ويعزز هذا التوجه امتلاك صندوق الاستثمارات العامة لكل من NUPCO وشركة ليفرا Lifera، المتخصصة في الأدوية الحيوية واللقاحات والأنسولين والعلاجات الجينية، بما يعكس انتقال المملكة إلى مراحل أكثر تقدمًا في توطين الصناعات الدوائية عالية التعقيد. |
|
اليوم، تعيش المملكة تحولات صحية متسارعة، بدأت تتبلور ملامحها بوضوح منذ جائحة كورونا، وسيظهر أثرها خلال الأعوام القادمة، لتصبح المملكة نموذجًا إقليميًا في الاكتفاء الذاتي وبناء صناعة دوائية محلية قادرة على حماية قرار العلاج من تقلبات العالم. |
ما هي الخلاصـــــــــــــــــــــــــــــــــة؟ |
|
يبدأ الأمن الدوائي من الصناعة المحلية للأدوية لتعزيز مفهوم المرونة في سلاسل الإمداد الدوائية، فقصة جلسة كيماوي مؤجَّلة، أو مريضٍ مزمن يبحث عن دوائه، تكشف هشاشة منظومة عالمية بُنيت طويلًا على الكفاءة الاقتصادية أكثر من مفهوم المرونة. تقرير OECD (2024) يوضح أن نقص الأدوية ليس طارئًا؛ بل نتيجة ترابط سلاسل الإمداد، وضغط الأسعار في الجنيس، وغياب الرؤية في المنبع، ومشكلات التصنيع والجودة التي توقف الإنتاج من جذوره. |
|
الحل ليس شعار الاكتفاء، بل بناء منظومة متكاملة: من تنظيم ناضج، وبيانات تتبّع، ومشتريات استراتيجية ذكية، وتوطين موجّه للأدوية الحيوية، فضمن هذا السياق، تقدّم تجربة المملكة كنموذج عملي: مثل نظام التتبع والرصد، وتشكيل السوق عبر نوبكو وهيئة المحتوى المحلي، واستثمار سيادي في التقنيات الحيوية عبر ليفرا، هكذا يتحول الدواء من سلعة إلى قضية سيادية، ويصبح قرار العلاج محميًا من تقلبات العالم، عبر صناعة محلية قادرة على الاستدامة والاستجابة الدائمة في الحالات الطارئة والحرجة. |
|
|
ممتن لوصولك إلى هذا السطر من النشرة، وآمل أن تكون قد عادت عليك بالنفع، أشارك هنا تجربتي في دراسة الماجستير التنفيذي في التشريعات الدوائية بجامعة الملك سعود منذ عام 2023م، إلى جانب ما أمرّ به من خبرات ومقالات ومقابلات خلال هذه الرحلة، في محاولة لتوثيق التعلم ومشاركته مع الآخرين. |
|
أنا عبدالعزيز آل رفده، صيدلي بمدينة الملك سعود الطبية، وكاتب لمقالات ونشرات بريدية منذ 2018م، تجدني على LinkedIn و X. |
|
بدأت هذه الرحلة إيمانًا بأهمية إثراء المحتوى العربي، خصوصًا في المجال الصيدلاني، وقد أسعدني ما وصلني من تشجيع من أساتذتي وزملائي والمهتمين بالمجال، وبإذن الله القادم منها أجمل وأكثر أثرًا. |
|
|
استعد لرحلة مثيرة مع هذين الكتابين اللذين سيغيّران نظرتك حول عالم التشريعات الدوائية |
| احصل على نسختك الإلكترونية من كتابّي التشريعات الدوائية عبر الرابط الآن |
|
| *** |
📌 نشرات مرجعية مهمة من أرشيف نشرة التشريعات في أسبوع البريدية |
|
| *** |
📌 نشرات تحليلية مميزة من أرشيف نشرة التشريعات في أسبوع البريدية |
|
| *** |
|
إن كانت هناك أي أسئلة تتعلق بكل ما ورد أعلاه أو اقتراحات للتطوير من النشرة بإضافة أفكار لها لا تتردد في مراسلتي عبر البريد الإلكتروني للنشرة من خلال هذا العنوان [email protected] |



التعليقات