الـغرور - العدد #49

7 أغسطس 2025 بواسطة عهد #العدد 49 عرض في المتصفح
نشرة تحتاجها

«المستريح اللي من العقل خالي.. ما هوب بـ لجّات الهواجيس غطّاس» -محمد السديري

أي نوع ٍمن الهواجيس كان يعوم فيها الشاعر؟ الحب؟ الحزن؟.. أو ما بينهما؟

كــذبــة بيــضــاء

أن تكذب الأم على صغيرها بأن عيناه ستتحول سوداء تمامًا لو ظل أمام شاشة الأيباد لوقتٍ طويل -> كذبة بيضاء. أن يقول الطالب المتأخر للمعلم «علقت في الزحام» بينما كان غارقًا في النوم-> كذبة بيضاء. أن تبرر لقريبٍ قلة حضورك تحت «والله مشغول بالدوام» -> كذبة بيضاء. كلها كذبات صغيرة نلفقها لنحفظ الود ونلملم الموضوع، لا تضر وبالكاد تصنع الفارق ولكن نجدنا مجبرين لقولها... لكن ماذا عن تلك الكذبات التي نقنع أنفسنا فيها باستمرار؟ 

شئنا أم أبينا نحن نكذب على ذواتنا قبل الآخرين، ونعذّر لسلوكنا باستمرار بذرائع غير منطقية نطبطب فيها على انفسنا. تكذب على نفسك وتقول «لا والله ما أكلت كثير اليوم» وتعذّر لكسلك بـ «بس أنا مشيت ساعة ونص قبل أمس» وتقترف ذنبًا بحقك وحق غيرك في علاقتك التي تفتقر الصدق بـ «بس لو هو اهتم فيني ما اضطريت أنا اسوي كذا وكذا». 

الكذب على انفسنا حول مشاعرنا ودوافعنا وحتى ظروفنا هو وسيلة لحماية ذواتنا، يقول فرويد سيغموند «الكذب هو استراتيجية لحماية الأنا، وشعورنا الأساسي حيال ذواتنا من المعلومات التي قد تؤذينا والمثير في خداع ذواتنا هو مقدار احترافيتنا للكذب لدرجة التي قد تعمينا عن هذا السلوك المستمر بوعي أو بدونه. فـ كيف ترصد كذبك والحديد حامي؟ 

-الوعي الذاتي-

-الوعي الذاتي-

الـخداع الذاتي

Self-deception أو الخداع الذاتي هي وسيلة -وإن كانت تبرر الغاية- لحماية ذاتنا، فالحقائق مُــــرّة وخداع نفسك أسهل بكثير من التحلي بالشجاعة والاعتراف بالخطأ. ما يجعل الخداع الذاتي خطيئة بحق أنفسنا هو عمله كحاجز بيننا وبين الصدق والتطور، فلطالما كان من السهل أن نلقي اللوم على كل شيء عدا نفسنا. 

في قرائتي لكتاب «عشت سعيدًا» والذي أثار نشرة سابقة بعنوان التلاقي، آمن اللواء عبدالله السعدون أن الصدق مع الذات أولى خطوات التطور، وذكر قصصًا من حياته لما أعاز الفشل لأسبابٍ ثانوية تطمر حقيقة الاعتراف بالتقصير. فلم تكمن المسألة بالبحث عن المذنبين والإشارة لهم بالسبابة؛ ولكن النقد الذاتي البناء هو وسيلة تسمح للنفس أن تتحرر من مخاوفها المعيقة، والتجلي بصدقٍ أمام التقصيرات والأخطاء. 

في مقالة مثيرة على greggvanourek رصدت عدة إشارات تدل على خداعنا لأنفسنا، كان على رأسها الاستمرار في خلق الأعذار، ولوم الآخرين المستمر، وتجنب المسؤوليات. كلها إشارات تأتي مثقلة بخليطٍ من القلق والإنزعاج. وأعاز المقال عدة أسباب هامة تجيب السؤال الأهم: لماذا نضطر لخداع أنفسنا؟ 

من الأسباب العديدة، الرغبة في تجنب الأفكار والتجارب المؤلمة، الثقة المهزوزة، الخوف من نقد الآخرين-وبنظري هذا أحد أقوى الأسباب-، الرغبة الملحة لإرضاء الآخرين أو إعجابهم، تفضيل الوهم وعيشه عن مواجهة الواقع، وآخرها -وأكثرها إثارة- هو البرمجة المجتمعية التي نراها من الآخرين في خداع أنفسهم. 

«بعض الناس يمضون حياتهم كلها في خداع الذات أو إنكار الواقع، لكن ما نُصرّ على تجاهله من ظروف أو مواقف، غالبًا ما يتفاقم بمرور الوقت.»

تيري كول، أخصائية اجتماعية معتمدة

كيف يغبش ناظريك خداعك المستمر؟ 

«الصدق منجاة المسلم» قولٌ نردده مركزين على أهمية صدقنا مع الآخرين ومتناسين أهمية الصدق مع ذواتنا. الكذب المستمر على نفسنا قبل الآخرين لاسيما تلك الكذبات التي تعيق من تقدمنا وتؤثر على العلاقات من حولنا لن تؤدي سوى إلى نهاياتٍ لا يحمد عقباها، بل وقد يسير بنا في دربٍ نظل نتسائل عن العرقلات التي لا نفهم أسبابها! ونظل نطرح ذات الاسئلة التي تمس أفكار الآخرين ولكنها بعيدة كل البعد عن لمس ذواتنا. المسألة ليست «لماذا تصرّف الآخر كذا؟!» ولكنها «لماذا أنا تصرفت هكذا؟». نحن لسنا أوصياء على الآخرين، ولكننا أوصياء على ذواتنا، ومتابعة ردات أفعالنا، ورصد مدى تقدمنا في الحياة، ومقدار أصالتنا بأن نكون ذواتنا المجرّدة بلا كذبات صغيرة ملفقة تتراكم حتى تغبش ناظرينا وتخفي هُويتنا، ،ليس ذلك في الماديات فقط بل حتى على مستوى الشعور والمنطق والوجود.

«الجميع يخدع نفسه، لكن ذلك لا يعني أنه بلا ضرر؛ فعند مستوياته العالية، يرتبط خداع النفس بسوء الحالة النفسية، وعند مستوياته المتوسطة، فقد يمنح الشخص حماية مؤقتة من المشاعر السلبية، لكنه يظل عائقًا أمام تحقيق رفاه عميق ينبع من العيش بصدق. ولكي نبلغ السعادة الحقيقية، علينا أن نتعلّم كيف نكون صادقين تمامًا مع أنفسنا.» 

آرثر بروكس، «"كفّ عن خداع نفسك»، مجلة ذا أتلانتيك

ويتجلى السؤال الأهم «كيف أُقر وأتخطى حيل الخداع الذاتي؟»

أولًا بالتذكير الذاتي أنه سلوك موجود ومستمر ويحتاج دومًا للملاحظة، بجانب عدة ممارسات مهمة منها:

- ابحث عن الكذبات الصغيرة في حياتك لتبدأ منها أولًا.

- امتثل أمام الحقائق المرّة بشجاعة وكن صارمًا معها.

- طوّر وعيّك الذاتي بالوقوف والتأمل في تصرفاتك لتفهم دومًا مشاعرك ودوافعك. 

- تقبّل ذاتك بعيوبها قبل محاسنها وتذكر أن «الكامل الله سبحانه».

- قف وحول البوصلة عند لومك للآخرين للمساعدة بدل اللوم.

- طوّر ثقتك وتعلّم أن تكون كافيًا كما أنت، فالثقة مرساة تساعدك على الانفتاح والتعلم والتطور. 

ختامًا، أتذكر نصيحة قرأتها لأخصائية توصي أن تكون علاقتنا مع أنفسنا علاقة صداقة، والصداقة ترادف الصدق والاحترام والمحبة. لا بأس في أن نحاول أن نلملم شتاتنا في صورٍ كذباتٍ صغيرة لكن الحذر وكل الحذر أن تكبر تلك الكذبات وتغبش البصر والبصيرة. 

- Honest Liars

مرجع رائع جدًا، لازم تشوفه!
youtu.be

كاتبتكم المعهودة التي لازالت تبحث في جوانب الأصالة: عهد🌷

*إذا أعجبتك هذه النشرة أطّلع على أخواتها السابقات(:

صِقَاره- العدد #31 - نشرة نَجوى عهد | هدهد

خميس سعيد تثيره هواجيسي(:
gohodhod.com

الــنُــظم - العدد #48 - نشرة نَجوى عهد | هدهد

فـاصل شــعري
gohodhod.com
مشاركة
نشرة نَجوى عهد

نشرة نَجوى عهد

نشرة خميسية تضم تأملاتي الذاتية والكونية وحتى التهكمية!

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة نَجوى عهد