هل تحتاج -أيها الكاتب- إصدار نسخة جديدة منك؟

16 يوليو 2025 بواسطة عبدالله بن عمر #العدد 5 عرض في المتصفح
كلّي خجلٌ لأني لم أتمكن من إصدار عدد الأربعاء الفائت، لهذا الأمر أسبابه التي أسعى لتخطيها، دعواتك الطيبة أيها القارئ الصبور. 

هل آن الأوان لتصدر من نفسك نسخة جديدة؟

هذا السؤال يصلح أن توجهه لنفسك أيها الكاتب، إن كنت تخشى أن تقع في فخ الجمود الذي قد يقودك إلى التراجع والانحدار.. وإذا كنت تحبّ أن تبلغ أقصى ما يمكنك بلوغه من مراقي الكتابة والتأثير.

الكتابةُ -كالهواتف والسيارات والحواسيب وأسلاك الكهرباء- تخضع لقوانين النمو والتطور والتجديد.. والكاتب الذي يظن أنه قد بلغ إلى قمة الإتقان وأنه لا يحتاج إلى مزيد من التطوير، إنما يخدع نفسه ويوقعها في فخ الجمود والتقهقر

ولكن السؤال الأهم: متى يستحسن أن تصدر نسخة جديدة من نفسك؟هذا تساؤل لن تستطيع التعامل معه إلا إذا كنت قادراً على تشخيص نفسك، معتاداً على فحص حالتك الكتابية، قادراً على النظر إلى المرآة دون أن تلومها أو تكسرها! لأنك من دون ذلك لا تستطيع أن تدرك العلامات التي تشير إلى ضرورة اتخاذ خطوة التجديد.

متى تحتاج لإصدار نسخة جديدة؟

أولا: حين يجف ينبوعك فلا تعود قادراً على إنتاج مزيد من الأفكار، ولا يعود قلمك على حالته المعهودة من السلاسة وسهولة الانقياد لك. هذا الجفاف يشبه انقطاع الماء عن التدفق إلى صنبور المنزل، ويشبه انقطاع الإرسال عن هاتفك، هو أمر متوقع إذا حصل بين الحين والحين، لكنه حين يطول يصبح أزمةً حقيقية تستدعي التفكير في المعالجة.

ثانيا: حين تكرر نفسك فإذا أنت تكتب الأفكار نفسها، وتعيد استخدام التراكيب اللغوية ذاتها، وتلجأ إلى الحيل البلاغية القليلة عينها، وتتناول الموضوعات عينها بالطريقة عينها، فتدور في دائرة مغلقة، وروتين ممجوج لفرط التكرار الذي يؤذي القارئ وينفّره، لأنك لا تحسن إلا طهي وجبة واحدة، في الإفطار والغداء والعشاء! وهذا ممل.

ثالثا: حين تفقد الكتابة معناها اللذيذ وتغدو واجباً ثقيلاً، ومهمةً صعبةً، وتتأمل أيها الكاتب في حالك مع الكتابة فلا تراها صادرة عن رغبة صادقة في التعبير.. يدلك هذا على أن الكتابة قد تغيّر مكانها في نفسك، إما لتغيّر الرؤى والتطلعات، أو البواعث، أو نوع القارئ، أو غير ذلك.

رابعاً: حين يسأم قارئك ويقلّ تفاعله، ويخبرك أنك صرت تكرر نفسك، ويطالبك قارئك المستهدف بالجديد، أو يطرح عليك تساؤلات لا تجيب عنها نصوصك.. فيدلك هذا على أن قارئك أخذ يتجاوزك، وإن كان هذا التجاوز بفضلك!

كيف تصدر نسختك الجديدة؟

إذن.. إن شعرت أيها الكاتب بأهمية أن تصدر من نفسك نسخة جديدة؛ فإنك بحاجة إلى خطة تنفيذية، وهذه الخطة مقسومة إلى مرحلتين: 

المرحلة الأولى: تشخيص واقعك الكتابي

يجب أن تشخّص واقعك الكتابي، أن تعرف: ما نوع العدّة التي تسلّح بها نفسك في حربك مع الكتابة؟ هل استعداداتك المهارية كافية أم منقوصة؟ هل خزائن معرفتك ملأى أم خاوية؟ هل تعرف قارئك المستهدف جيداً؟ أم أنت تمشي كما يوق المثل النجدي "أذِّنْ قِم صلّ"، دون أن تمنح نفسك فرصة للتساؤل عن القارئ المفترض لنصك.. وإن كان يتلقاه تلقياً حسناً أم لا؟ وإن كان الجواب "لا" فهل العلة فيك أم في نصوصك أم في القارئ؟

وبعد أن تفرغ من هذا التشخيص، سيكون عليك أن تقرر شكل النسخة الجديدة منك.. وهذا هو ما ستفعله في المرحلة الثانية.

المرحلة الثانية: إصدار نسختك الجديدة

ها هنا أكثر من خيار لإصدار نسخة جديدة منك أيها الكاتب، يسعك أن تأخذ بها كلها، أو أن تأخذ ببعضها:

1. نسخة جديدة من قدراتك

وذلك بأن ترقّي قدراتك الذهنية، بأن تصقل إمكاناتك في التفكير والابتكار وصحة المحاكمة العقلية ودقتها.. والسبيل إلى ذلك يقتضي تكوين عادات جديدة، وقراءة في حقول معرفية مختلفة، وممارسة لألعاب ذهنية...

2. نسخة جديدة من مخزونك

والمخزون هو ما تنفق منه على نصوصك، وما تموّن به مقالاتك.. ولأن فاقد الشيء لا يعطيه، فإن الجاهل لن يكتب علماً، والكاتب الفارغ لن يثمر امتلاءً في ذهن القارئ إلا بالكراكيب واللغو.  وهنا تقرر أن تملأ مخك بمعرفة ثمينة، فتقرأ، وتدرس، وتشاهد، وتسافر، وتستمع.. 

3. نسخة جديدة من قارئك

هنا حيث تقرر إعادة تحديد قارئك المثالي، تضييقاً للشريحة المستهدفة (بدلاً من مخاطبة الآباء والأمهات سأخاطب الأمهات فقط)، أو توسيعاً لها (بدلاً من مخاطبة الأمهات فقط سأخاطب الآباء والأمهات معاً)، أو تغييراً بالكامل (بدل مخاطبة الآباء والأمهات سأخاطب المقبلين على الزواج).

4. نسخة جديدة من مضمونك

هنا حيث تقرر أن تكتب محتوى مختلفاً بالكلية عما كنت تكتبه، (كنت تكتب مثلاً مقالات عن الفيزياء، وفي نسختك الجديدة ستكتب عن الجريمة). وهذا يقتضي تأهيلاً معرفياً وقراءات متعمقة ومتخصصة.

5. نسخة جديدة من قوالبك الكتابية

هنا تقرر أن تغيّر شكل ما تكتبه ولو لم يختلف مضمونه.. كنت تكتب للإعلام الاجتماعي، وستكتب الآن كتباً ومقالات طويلة. أو كنت تكتب مقالات وستكتب الآن قصصاً وروايات.

رحلة منهجية نحو التجديد

الحقيقة أني استلهمت فكرة موضوع الغلاف من تجربتي الشخصية التي أخوضها اليوم، لأني أعيد صياغة برنامج "رحلة الكتابة" في منصة جديدة، وفق قالب جديد، مستهدفاً إحداث أثر تعليمي ضخم في المتعلم المثالي الذي أصمم البرنامج من أجله..، ولطالما أثمرت "رحلة الكتابة" حالات من الانطلاق والائتلاق الرائع لكتّاب وكاتبات من أجمل وأنبل وأرقى وأنقى من يتعرف المرء إليهم ويعمل معهم..

ولا أريد أن أتمادى في الدعاية، وإن كانت -يعلم الله- قد خطرت لي أثناء كتابتي لهذا المقال ولم تكن شيئاً أصيلاً..  لكني أخبرك هنا أن الكاتب الذي يريد أن يجدد نفسه يحتاج أولاً إلى تهيئة كتابية صحيحة، تشمل تأسيس الوعي وتجهيز البيئة وتكوين العادة الكتابية اليومية. ثم يحتاج إلى ممارسة عملية تمكنه من كتابة نصوص متنوعة بوعي وظيفي وإبداعي. وبعدها يأتي دور الصياغة والتأثير لكتابة نص متماسك ومؤثر من حيث اللغة والبنية والأسلوب. 

ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يحتاج الكاتب إلى تعلم التحرير والتحسين لمعالجة النص المكتوب وصيانته وإبرازه بصياغة ناضجة. وأخيراً، يحتاج إلى تطوير الوعي بمساره الكتابي وتثبيت هويته الكتابية وتحديد خطواته التالية.هذه المهمات الخمس تشكل رحلة متكاملة نحو التجديد الحقيقي.. فافعل هذا بمفردك، وإن شئت أن تفعله معي فالسبيل متاح إلى ذلك في برنامج رحلة الكتابة، الذي لن أضع لك رابطاً مباشراً يقود إليه في هذا العدد.. 

الخيار بيدك

يقول ابن القيم رحمه الله: 

"إن لم يكن العبد في تقدم فهو في تأخر ولا بد، فالعبد سائر ولا واقف، فإما إلى فوق، وإما إلى أسفل، وإما إلى أمام، وإما إلى وراء وليس في الطبيعة ولا في الشريعة وقوف البتة، ما هو إلا مراحل تطوى أسرع طي إما إلى الجنة أو إلى النار، فمسرع ومبطئ، ومتقدم ومتأخر، وليس في الطريق واقف البتة، وإنما يتخالفون في جهة المسير وفي السرعة والبطء: { إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ * نَذِيرًا لِلْبَشَرِ * لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَوْ يَتَأَخَّرَ }. ولم يذكر واقفاً، إذ لا منزل بين الجنة والنار ولا طريق لسالك غير الدارين البتة، فمن لم يتقدم إلى هذه بالأعمال الصالحة، فهو متأخر إلى تلك بالأعمال السيئة.

وحديث ابن القيم رحمه الله حديثٌ وعظي يتناول عمل الآخرة، لكنه كذلك يؤكد حقيقةً كونية، هي أن من لم يتقدّم فهو في تقهقر وتراجع.. وهذا يشمل الكتابة..
فأي نوع من الكتاب تريد أن تكون؟ الخيار بيدك، والوقت الآن، والسؤال ما زال مطروحاً: هل آن الأوان لتصدر من نفسك نسخة جديدة؟

تمرين هذا الأسبوع يساعدك على استدعاء ذاكرتك وتنشيطها قليلاً أو كثيراً.. هات ورقة وقماً، واستعد..

أولا: استحضر أحداث الأسبوع الماضي.. ماذا جرى لك فيه؟ من لقيت من الناس؟ ماذا قرأت من الكتب والأخبار؟ ماذا سمعت من أحاديث الناس؟ ماذا زرت من الأماكن؟ إلى غير ذلك..

ثانيا: استحضر 10 ألوان مختلفة من المشاعر التي مرّت بك خلال هذا الأسبوع.. لا يهم إن كانت مشاعر حادة أو طفيفة.. المهم أن تكون ألواناً مختلفة، وأن يبلغ عدها عشراً. (سرور، كدر، دهشة، خجل.....)

ثالثاً: اختر من هذه المشاعر العشرة واحداً.. واكتب عنه الآتي:

  • صف الموقف الذي أثار هذا الشعور.
  • كيف شعرت جسديًا ونفسيًا؟
  • ماذا فعلت بعدها؟ هل تغير الشعور؟ كيف؟
  • هل كنت تتمنى لو تصرّفت بطريقة مختلفة؟
  • هل تقول لنفسك شيئًا اليوم عن ذلك الشعور؟

وأرجو أن يجعلك هذا التمرين أقرب إلى نفسك.

توصية هذا الأسبوع مهمة جداً لكل كاتب، وهي معجم الكشّاف، الذي نهض بأعبائه الأخ العزيز والصديق الجميل إياد السيد، وبذل في سبيل تدشينه كثيراً من الوقت والجهد والفكر والمال.. وهو يقدّم به خدمة جميلة جليلة لمحبي العربية، ولكل من يكتب بها..
لا تنس زيارة هذا المعجم، وأن تصنع لنفسك فيه حساباً، وأن تفيد من الميزات التي يوفرها:
تقرأ في صفحة الكشّاف هذه العبارة:
لا يحوجك الكشاف إلى معرفة علم التصريف، فهو يتكفّل برد الكلمة إلى جذرها ثم يستخرجها في ثوانٍ معدودة من جميع المعاجم. هذا مع مجموعة من الأدوات التقنية المساعدة، ومنها:

  • القراءة في الإضاءة الليلية.
  • إنشاء مشاريع بحثيّة، وحفظ المفردات عليها، ثم تصديرها مبدّفة أو مفتوحة.
  • القدرة على نسخ رابط المادّة لمشاركتها، أو نسخها كاملة بحركة واحدة سهلة.
  • تسجيل الدخول والعودة إلى جميع المحفوظات.

كتب الله التوفيق لك يا إياد، ولفريقك المساعد لك على هذا المشروع الفارق، وكثر الله من أمثالك.

  • شرعتُ بحمد الله في الكتابة لصالح موقع سطور، وستكون الكتابة أسبوعية بإذن الله، وستدور المقالات في فلك الكتابة وعوالم القلم بحول الله وعونه، ودونك المقاله الأولى بعنوان "الكاتب بين تعب الغسيل وراحة الذكاء الاصطناعي".
  • بناء على تفاهم مع إدارة تحرير "الجزيرة نت"، فقد صار الباب مفتوحاً أمام أصحاب الأقلام المتميزة في مدرسة الكتابة.. من أجل نشر نتاجهم المميز في "مدونات الجزيرة"، ولقد كان أول الغيث نشر تدوينة الأخت العزيزة بتول وطفة التي تحمل عنوان "رحلتي في عالم القراءة".
  • لا نزال، فريق العمل وأنا، نسابق الزمن من أجل تجهيز المنصة الجديدة لمدرسة الكتابة، والتي ستكون فتحاً مبيناً بإذن الله تعالى وتيسيره.
  • هناك إصدارٌ جديدٌ سأعلن عنه قريباً جداً، إن أحببت معرفته فترقب ذلك خلال الساعات القادمات على حسابي في إنستغرام.

شكراً لأنك وصلت إلى هنا.. أراك على خير الأربعاء القادم إن شاء الله.

كتابات خجولةافتتان أحمدسارة4 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة عبدالله بن عمر البريدية

نشرة عبدالله بن عمر البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة عبدالله بن عمر البريدية