لماذا نكتب؟ دوافع الكتابة ومكاسبها الفردية والمجتمعية📝نشرة مرجع التدوين البريدية - العدد #7

بواسطة مرجع التدوين #العدد 7 عرض في المتصفح
‏"الناسُ حُسَّادُ المكانَ العالي.. يرمونه بدسائسِ الأعمالِ*** ولأنْتَ يا وطني العظيم منارةٌ.. في راحتيْكَ حضارةُ الأجيالِ"🇸🇦✨أحمد سالم باعطب

"‏وليس بوسـع المرء اليوم تحديد تاريخ دقيق لبدء استخدام الكتابة عند أولئك العرب الأقدمين."

كتاب مقدمة في تاريخ الكتابة العربية- هاشم شيت علي.

"لماذا نكتب؟" أعلم جيداً أن الوقوف أمام هذا السؤال القصير - المكون من كلمتين لا ثالث لهما - يحتاج لأن نبحر في بحور من الأجوبة التي لا نعلم متى يمكننا أن ننهيها، أو كيف ومن أين نبدأ الإبحار فيها، أشك في أن أحداً لا يزفر تنهيدة عميقة، ولو في قرارته عندما يهم بالإجابة على هذا السؤال: "لماذا تكتب؟"

هل لأن استحضار الإجابة صعب؟ أم لأن الإجابات كثيرة ومتعددة يصعب حصرها؟ تسعها الصدور ولكن لا تسعها السطور!؟

وحتى نهضم جزءاً دسماً من خلفية السؤال عن الكتابة كعلاقة فردية، يمكن للعروج على تاريخها منذ ظهورها أن يكسبنا فهما لبعدها الفعلي كحاجة ملحة في حياة الإنسان والمجتمعات، وكأداةٍ لازمةٍ لاتصاله بنفسه والآخرين.

موجز تاريخ الكتابة في حياة البشرية:

ظهرت أولى علامات الكتابة في تاريخ البشرية كما أجمعت معظم الآراء:

في حدود أواسط الألف الرابع قبل الميلاد توصل الإنسان الرافديني (تقصد من بلاد الرافدين) إلى اختراع الكتابة في حين توصل الإنسان المصري إلى هذا الاختراع 3200-3100 قبل الميلاد.

ملامح من أصالة وأثر التراث اللغوي والكتابي الرافديني في الحضارات الأخرى - د. ابتهال عادل الطائيJOURNAL OF EDUCATION AND SCIENCE 13 (12), 2006‏


أما تاريخ ظهور الكتابة العربية فيقال أنها فرع من فروع الكتابة السامية القديمة، إلا أن تحديد الزمن مختلف فيه، غير أنها ظهرت بأشكال مختلفة في عصور موغلة في القدم.

وتنمُّ ظاهرة اختلاف آراء المؤرخين والمفكرين والمثقفين حول قضية تاريخ ظهور الكتابة العربية خاصة، عن مدى شعور التحامل ضد تاريخ الحضارة العربية، فعلى ما يبدو أن الكتابة بشكل حتمي كانت هي الدليل الواضح على رقي و تحضر الإنسان، وارتبطت بعلاقة وثيقة بالتمدن والعمران .

إن فيها ما يقضي بأن الإنسان العربي كان قد انتقل الى طور الإستقرار وبناء المدن، وإقامة المعابد والصروح، وممارسة الزارعة والتجارة والصنائع في العديد مِن مواطن سكناه في جزيرة العرب وخارجها، وأنه قد كان عليه تبعًا لذلك أن يتطوَّر مِن مرتبة الجهل والتخلف إلى مرتبة الحضارة الإنسانية التي تتبوأ الكتابةُ أعلى مراقيها، لتصير الكتابة العربيَّة بهذا المعنى هي الحدُّ الفاصل بين زمانين عربيَّين كان للثاني منهما الفضل في فتح الطريق أمام شـريط التاريخ العربي، ليسـجِّل مشـاهد مِن النهوض كان لها الأثر الكبير في بناء حضارة عربيَّة عظيمة لها منجزاتها الخالدة في الفن والعمران والصنائـع!‏

كتاب مقدمة في تاريخ الكتابة العربية- هاشم شيت علي.

أنواع الكتابة وأهدافها: 

ربما يتوجب علينا قبل البدء بطرح السؤال العام "لماذا نكتب؟" أن نستوضح أنواع الكتابة كفعل ممارس من قبل الإنسان:

١. الكتابة للتواصل مع الذات والتعبير عنها: وهذا النوع الأول الذي لا يطمح صاحبه أن تُنشر كتاباته، ولا يحتاج فيها الكاتب إلى بذل جهد كبير في التعلم، إنما هدفها الأول هو التفريغ النفسي والتهدئة الذاتية وترتيب الأفكار الخاصة، لا تخضع هذه الكتابة لقواعد لغوية ولا لمحسنات بديعية، و تُكتب باللهجة المناسبة لصاحبها وبالطريقة التي تريحه، وفي الغالب لا يفهمها غيره ومن أمثلتها، التدوين الصباحي، الـ Braindump، كتابة اليوميات الخاصة، التفريغ الانفعالي، كتابة الأجندة، والخطط والمهام اليومية والسنوية.

على الرغم من أن هذا النوع من الكتابة ليس موضوع النشرة المحوري، إلا أني رأيت أن الحديث عنه لاينفصل عن سعينا خلف تحسين جودة ما نكتب، هذه الكتابة التعبيرية التفريغية أداة فعالة يحتاجها الكاتب كما يحتاجها أي إنسان غيره، وربما في جزئية مهمة من سؤالنا "لماذا نكتب؟" حيث نبحث عن السبب وراء دوافع الكاتب، تصدنا شفافية الإنسان العاديّ البسيط في الإجابة عليه،و الذي يستخدم الكتابة لغسل دماغه من كثرة الهموم ورفع الضغوطات عنه، وربما خربشات عابرة تجعله أكثر خفة وقوة لمواصلة الحياة، وتجعل أذهان الكُتّاب المتمرسين أكثر صفاءً ونشاطاً في التعبير عن أفكارها وطرق صياغتها!

٢.الكتابة للتواصل مع الآخرين أو التعبير عنهم :يصوغها أصحابها بهدف المشاركة والنشر ولو كان أساسها وانطلاقها هو التعبير عن الذات، تخضع لقواعد الكتابة حسب تصنيفها، وتتعدى مكاسبها الفرد، إلى المجتمع، كما يمتد أثرها من الحاضر نحو المستقبل.


دوافع الكتابة: 

أما بالعودة في الحديث عن دوافع الكتابة .. فلا غبار يشوب حقيقة قوة "الكلمة" ووقعها العميق على النفس، كانت الكتابة ولا زالت نافذة الإنسان التي تنبثق عنها خوالجه، معاركه الفكرية والشعورية الطاحنة، فيلوّح عنها برايات السلام والألفة والمحبة، أو يثور بها؛ ينتصر أو يُهزم، لا تزال هي الوسيلة الحضارية الأولى التي يمكن أن تنقذه، أو تنقذ به.


لماذا نكتب كأفراد؟

هنالك الكثير من المقالات والكتب التي خُطت وألفت بلغات شتى، كان هدفها الإجابة على هذا السؤال من قبل الكُتّاب والمدونين، ففي الكِتاب المترجم "لماذا نكتب" تمت مقابلة ما يقارب 20 كاتباً ليجيبوا عن أسئلة الكتابة، والسؤال الملح دائماً لماذا نكتب؟ 

الكتابة دائماً ما تعطي شكلاً من النظام لفوضى الحياة. إنها تنظم الحياة والذاكرة. وحتى يومي هذا، فإن ردود القراء تساعدني كي أحس بابنتي حية

إيزابيل الليندي -كتاب لماذا نكتب؟


ومع تفاوت الإجابات والدوافع، والفلسفات الخاصة بكل كاتب، كانت الدوافع المشتركة والمتباينة حاضرة لدى الجميع، ويبدو أن الإنسان قد يتعامل مع حرفته الإبداعية كما لو كانت ماءً أو هواءً لايمكنه الاستغناء عنها لمواصلة الحياة! في حين أن النسخة العربية لإجابة هذا السؤال "لماذا نكتب" كانت متباينة أيضاً من قبل الكُتاب العرب.

"حين لا أكتب، يجتاحني شعورٌ بفقد شيء ما. إذا طالت بـي الحال، تزداد الأمور سوءاً، وأصاب باكتئاب"

جينيفر ايغان- كتاب لماذا نكتب؟


"لماذا نكتب؟" أثر الكتابة على المجتمع:

لا اختلاف في أن الكتابة لبنة أساسية لصناعة باقي الفنون والعلوم، فمعظم الأعمال الإبداعية والفنية تتأصل فيها الكتابة كعنصر رئيسي مكون.

تحدثت د.أروى خميّس -صاحبة دار أروى العربية للنشر-عن أهمية القصة للأطفال، فهي الأساس لأي عمل موجه لهذه الفئة، القصة هي أساس أفلام الكرتون وهي أساس أغاني ومسرحيات الأطفال أفلام الكرتون، قس على ذلك، الأفلام والمسلسلات والمسرحيات والأغلاني والإعلانات وحملات التسويق، زد عليها مجالات التوثيق والتخطيط والتطوير والتأريخ، إنها لا تقتحم مدارسنا ومناهج التعليم بمستوياته، بل تتعداها إلى مساحات أكثر قرباً وتموضعاً في حياتنا اليومية؛ أطفالنا، حياة الترفيه، صناعة الإعلام والتأثير، صناعة الأموال والإستثمار..إلخ.


وهذا يدفعنا للوقوف أمام سؤال "لماذا نكتب" وقفة تفحص قبل الإجابة، فهذا النوع من الأسئلة نادراً ما يُسَقّط على المجتمعات! "لماذا تكتب" كفرد؟ لاحصر للدوافع والإجابات، لكن هل كنا نتأمل السؤال بصيغة جمعية وبمنظور آخر أشمل وأعمّ لكنه أعمق وأدهى؟ "لماذا يجب أن نكتب كمجتمعات؟" لأن ضمن الرؤية الكبرى فالكتابة في حقيقتها قضية مجتمعية على جميع المستويات! على الرغم من أن الانفتاح على ثقافات الشعوب بنقل كتاباتهم وتجاربهم عبر الترجمة أمر في غاية الأهمية، إلا أن المحتوى العربي في حاجة ملحة وطارئة لأن يُدَعّم بفنونه الأصيلة الخالصة، التي تعكس قيمه ومبادئه وتَلَوُن حضاراته وثقافاته وتجانسها - في الوقت ذاته تحت مظلة لغة واحدة، وأساسات ثقافية مشتركة، تواكب تحديات العصر وتعكس هوية الشعوب العربية، فتترك إرثاً معمراً للأجيال اللاحقة، قابل لأن يُستأنف ويُطور لاستمرار عجلة النهضة الحضارية.

 فهمنا لهذه الرؤية الأعمق، يجعلنا نشعر بالواجب الحضاريّ حين نكتب، بغض النظر عن نوع الفن أو المجال الذي نكتب فيه، كما يكسبنا استحضاراً ودافعا قوياً للاستمرار بالكتابة وتقييم تحدياتنا الخاصة فيها لتحسينها وتطويرها.

ما أعجب الكلمات حين ينطقها الإنسان، أما عندما يكتبها، فهي توثق ماتحمله من معنى عبر التاريخ، الكتابة مهارة إنسانية تستحق الامتنان، لأنها لسان ثان، وذاكرة أخرى، يمكن أن تكون أكثر بلاغة وتوثيقاً وانتشاراً عبر الزمن لا عبر جغرافية الوطن فقط!

***

معرض الرياض الدولي للكتاب:

تزامناً مع حدث افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب، يسرنا أن نشارككم بعض المقالات المهمة عن الحدث، متمنيين لكم تجربة فكرية فريدة وغنية✨

🔹افتتاح معرض الرياض الدولي للكتاب بمشاركة أكثر من 1800 دار نشر.

🔹ثمانية نصائح لمعرض الكتاب.

🔹قصة معرض الرياض الدولي للكتاب وأهمية الحدث في المشهد الثقافي .

🔹ثلاث نصائح للمبتدئين في عالم القراءة.

🔹تغطية لكتب الأطفال من معرض الرياض الدولي 2023.

إيمان-مرجع التدوين

***

لقراءة الأعداد السابقة من النشرة:

إن لم تزرك فكرة براقة فاصنعها- كيف تتعامل مع الجمود الفكري لقلمك
كيف تصيب القارئ بالدهشة😲؟! صناعة المتعة عبر الكتابة📝✨
تخلص من الخوف الموهوم - الكتابة للشجعان 🦸🖊️

للإعلانات:

[email protected]

مشاركة
نشرة مرجع التدوين البريدية

نشرة مرجع التدوين البريدية

نشرة أسبوعية تهم المدونين والقرّاء وكل من يود أن يبدأ الكتابة. نشارك بها مواضيع متنوعة عن الكتابة والتدوين، الأفكار والخيال، والتجارب الملهمة لأقلام الكتّاب.

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة مرجع التدوين البريدية