قبل بضعة سنوات، تلقيت سلسلة رسائل إلكترونية التسويقية لأحد مدربيّ (تحقيق الدخل السلبي) المشهورين. كنت أعرف بأن دورته لا تُناسبني، لكن خوفي من تفويت الفرصة وفقدان آخر مقعد متاح تغلب عليّ؛ فسجّلت.
وقبل جلستنا الأولى، ندمتُ على اختياري، مدركًا أنني وقعتُ -للتو- ضحيةً لأسلوب تسويقي بارع أجبرني على اتخاذ قرار فوري.
انسحبت من الدورة، لكن ظلّ اسم ذاك المدرّب ملتصقًا في ذهني.
الدرس المستفاد: إذا كنتَ لا تكترث بتدمير علاقتك مع عملائك قبل أن تبدأ حتى، فسيساعدك الشعور الزائف بالإلحاح والندرة على تحقيق أهدافك المالية بلا أدنى شك.
لكنني متيقنٌ بأنك أرقى من ذلك بكثير؛ وإلّا لما اشتركتَ في النشرة [ لم تشترك بمحض إرادتك؟ أخبرني ]
والآن، دعني أخمّن السؤال الدائر في ذهنك:
هل يمكنني امتلاك مشروع مُربح يدعم نمط حياتي ويحقق لي دخلًا مستدامًا، مع الالتزام بأخلاقيات العمل؟
|
قطعًا. مع ذلك، وبحسب تجربتي، تستغرق هذه العملية وقتًا أطول؛ البشر كائنات اجتماعية بطبيعتها، فنحن نميل إلى الاندماج مع الآخرين، وهذا ما يحمينا. يخلق شعور المنافسة عقلية الندرة ويضعنا في موقف دفاعي، وهذا ينعكس على رسائلنا التسويقية ورؤيتنا لعملائنا.
وعندما نرى الجميع يستخدمون هذا الأسلوب في البيع، نشعر بالإغراء لاستخدامها أيضًا؛ خاصة عندما يتحدثون عن "أرباحهم ذات الأرقام السبعة".
ولكن هل لاحظتَ ما يحدث؟ تظهر ملامح النجاح على أسلوب تسويقي معين، فيقع الكثيرون في فخ تكراره .. بذات الكلمات أحيانًا، إلى أن يبطل مفعوله بالنسبة للجميع!
والنتيجة؟ يخرج الجميع خاسرين..

أما أنا، ولأنك صديقي، فأريدك أن تخرج من مصفوفة الأعمال الشريرة ؛ لهذا أودّ لو تتخلى عن القواعد الجامدة وتمنح نفسك الإذن بتسويق منتجاتك وخدماتك بطريقة تتناغم مع مبادئك.
المبادئ الأربعة للتسويق المرتكز على القيم الأخلاقية
1. الصدق أهمّ من الضجة الإعلامية
يحاول معظم الناس تحسين نتائج عملائهم بالمبالغة في وعودهم لجعل عروضهم أكثر جاذبية. مثال على ذلك عنوان قرأته مؤخرًا لدورة تدريبية في كتابة الإعلانات: "اربح ستة أرقام في ستة أشهر ككاتب إعلانات". لقد سئم الناس من المبالغة، فهي تُضعف الثقة والتواصل.
عوض استخدام المبالغة في الترويج لعروضك، كن صادقًا فحسب. للأسف، الكثير مما تعلمناه ينطوي على قدر كبير من الخداع. لهذا نكره جميعًا محاولات بيعنا.
في المقابل، يجمع العنوان الصادق بين الحقيقة والجاذبية. وسأعطيك مثالًا: راسلني قبل فترة أحد عملائي، وكان قد قرر إطلاق دورة تدريبية في مجال التعليم الإلكتروني، غير أنه توقف عند العنوان وسألني: ماذا أسميّها؟
أخبرته: "أطلق دورتك المُصغرة بسهولة".. عنوان بسيط وغير مثير، ومع ذلك، فإن وضوحه وبساطته يجعلانه عنوانًا جذابًا، ويوضح مباشرةً ما سيحصل عليه جمهورك بعد التسجيل: دورة مصغرة!
هل أخذ بنصيحتي وأصبح ثريًا؟ لا أعلم ..
2. تذكر: خدمتك ليست للجميع
علّمتنا أساليب التسويق السائدة أن التحويلات كل شيء. كما أغرتنا بالنظر إلى الناس بصفتهم أرقامًا، عوض رؤيتهم كأشخاص حقيقيين يعانون من مشاكل حقيقية.
إذا لم تحقق أرباحًا شهرية تتراوح بين خمسة وستة أرقام، فهل أنت رائد أعمال حقًا؟ لقد تسللت هذه العقلية إلى التيار السائد، وتغري الناس بجذب العملاء بأي ثمن، حتى لو لم تكن خدماتهم مناسبة لهم بسبب التكلفة أو الوقت أو المرحلة الحياتية أو التجارية التي يمرون بها.
إنّ تقديم الخدمة على حساب المبيعات يعني إدراكك أن دورتك/برنامجك/عرضك لن يفيد الجميع. ستُنفّر عددًا من الأشخاص بقدر ما تجذب، وستبذل قصارى جهدك لضمان تسجيل الأشخاص المناسبين. الفرق الجوهري هو أنك ترغب حقًا في أن يستفيد طلابك/عملاؤك مما تقدمه، وأنك على استعداد للتخلي عن بعض الأرباح إن لم يتحقق ذلك.

3. احرص على تمكين الاختيار الواعي
تُعلّمك معظم استراتيجيات التسويق كيفية استغلال أعمق مخاوف جمهورك والتأثير على مشاعرهم لدفعهم إلى الشراء الآن.
ولا أُنكر أنك ستحصل على المزيد من المشتركين والعملاء إذا استخدمت أسلوب التخويف في الترويج لعروضك. ولكن بأي ثمن؟
لذا دعنا ننظر إلى الخيار الآخر: التسويق الأخلاقي، والذي يعني بذل قصارى جهدك لتمكين الشخص من التسجيل بوعي وإدراك. تمنحه المساحة والوقت الكافيين لاتخاذ قرار واعٍ يتماشى مع حاجة أو رغبة حقيقية، بدلاً من حثّه على الشراء بدافع الخوف من تفويت الفرصة.
أترى الفرق؟ إنها عملية بيع بعقلية الوفرة بدلًا من استخدام أساليب الندرة أو الإلحاح الزائف أو الخوف من فوات الفرصة لإجبار الناس على اتخاذ إجراءات ليسوا مستعدين لاتخاذها بدافع الخوف.
وإذا كانت المقاعد محدودة بالفعل أو كانت المرة الأخيرة التي تقدم فيها الخدمة (س)، فيمكنك تقديم شرح صادق لسبب حاجتك إلى تلقي ردّ في وقت محدد.
4. افصل نفسك عن النتيجة؛ فهي لا تمثّل حقيقتك.
عندما تتعلق بنتيجة مثل "أحتاج إلى بيع ثلاثة عملاء هذا الأسبوع"، فأنت تبيع من منطلق اليأس والخوف، ولا تضع مصلحة الجميع -بمن فيهم أنت!- في الحسبان.
يتطلب التسويق الأخلاقي قدراً من الإيمان بأنك ستتلقى الدعم وتحصل على ما تحتاجه. وهذا يعني أيضاً اختيار العملاء الأنسب لما تقدمه.
في بدايات مسيرتي المهنية، كنت أتعاقد مع عملاء لم أكن مقتنعاً بمدى ملاءمتهم لي، لمجرد أنني كنت سعيداً باهتمام أحدهم بالعمل معي. كنت أخشى ألا تتاح لي فرصة أخرى، لذا كنت على استعداد لتجاوز حدودي ومخالفة حدسي خوفاً من عدم حصولي على عميل آخر. لطالما أوقعني هذا في مشاكل.
اليوم، أبذل قصارى جهدي الآن لضمان معرفة العملاء المحتملين بكل تفاصيل العملية. وأسعى جاهداً لتمكينهم من اتخاذ القرارات المناسبة لهم. أطلب منهم التفكير ملياً، واستشارة مستقلين آخرين للاطلاع على الخيارات المتاحة، ثم تحديد ما إذا كنت خيارهم الأنسب .
إذا اختاروا عدم العمل معي، فسأكون متيقّنًا من كون ذلك يصب في مصلحة الجميع، وسأعيش ممتنًا ببساطة للتواصل الذي أجريته ولفرصة تعرّفي على أشخاص يحبّون عملي.
كلمة أخيرة
لحسن الحظ، هناك تحول يحدث في العالم، ويتجه المزيد من أصحاب الأعمال إلى مواءمة تسويقهم مع الممارسات الأخلاقية.
يختلف شعور التسويق تمامًا عندما "تسوّق" لمن سيستفيدون حقًا مما تقدمه، بدلًا من استغلال مخاوفهم. وحسب تجربتي، لا أشعر أبدًا أنني متطفل 🤍
التعليقات