كان مجرد يوم ثلاثاء هادئ. نصف فريقنا غير متصل بالإنترنت؛ لا احتفال بإطلاق منتج، ولا مشروع يستثير حماس الجميع، وإنما أجلس أمام علامة تبويب في لوحة التحكم مفتوحة بعدما نسيتُ إغلاقها. لاحظت ارتفاع منحنى الاستبقاء "Retention Curve" ببطء وثبات، حيث الدقيقة الثانية أفضل من الأولى، والرابعة أفضل من الثانية. بدا الخط واضحًا واحترافيًا وجيدًا.
لكن امتلئ بعدها صندوق بريدي برسائل لا تتطابق مع الرسم البياني الأنيق!
رسالة خاصة يقول صاحبها أنه لم يَنم إذ شعر "بحاجة" لإتمام قراءة سلسلة مقالاتي. وبدأت رسالة أخرى بعبارة: "أنحرج من الاعتراف بهذا، لكن..."، ثم سرد اعترافات قد تراها في عيادة معالج نفسي، لا في سياق محتوى كُتب في الأصل ليكون "مفيدًا".
جلست مسكونًا بثقل غريب في صدري، لا بسبب شعورٍ بالفخر. وإنما بالمسؤولية.
لم يُرافقه شعور بالسيطرة مثلًا. بل "شعور مختلف".. ولأكون دقيقًا:
إدراك أن محتواك حين يكون قويًا بما يكفي لإبقاء الناس، عندها ستستحوذ على جزء من انتباههم ومزاجهم ونجواهم أيضًا؛ ما يحمّلك مسؤولية لا يضعها معظم المسوقين والمبدعين في حسبانهم.
|
لكن تماشيًا مع الموضوع الذي سنخوض فيه اليوم، أحتاج لـ 10 ثوانٍ من وقتك؛ تجيب فيها على سؤال بسيط:

لماذا أراه أمرًا مهمًا الآن (ولماذا يسهل إغفاله)؟
لسنوات، تحدثنا عن الانتباه وكأنه "سلعة"، شيءٌ يُكتسب ويُنفق ويُستغل. وتعمّدنا أن تكون اللغة المستخدمة مالية لأنها تُضفي على العمل طابعًا نظيفًا: مرات الظهور "impressions"، التكلفة على الألف ظهور "CPM"، عائد الإنفاق الإعلاني "ROA"، منحنيات النمو "Growth curves".
المشكلة أن وجود "رياضيات" في المسألة، يعني أنها غير أخلاقية، ألا تتفق معي؟ إذًا، إليك ما ركّزت المنصات على تحسينه -علنًا- لأكثر من عقد من الزمان!
أعلنت يوتيوب عن تغييرات في أنظمة توصياتها تهدف لعرض المقاطع التي يشاهدها جمهور أكثر. مانحةً بذلك الأولوية لوقت المشاهدة ومدة المتابعة على عدد النقرات. وتلك ليست مؤامرة على أصحاب القنوات الجديدة، بل فلسفة منتج: المحتوى "أفضل" عندما يبقيك منجذبًا إليه.
وعندما نوسّع الرؤية لتتجاوز مجرد منصة واحدة، ترى ملامح العصر: أنظمة تكافئ كل ما يزيد من الوقت المُستغرق، والزيارات المتكررة، والتأثير العاطفي؛ باعتبارها مؤشرات قابلة للقياس والتحسين على نطاق واسع.
وأودّ هنا الاستشهاد بتقارير حول مخاوف متعلقة برفاهية المراهقين واستخدامهم لمنصة مثل انستغرام، مع وجود نتائج تشير إلى تضخيم المنصة مشاكل صورة الجسم "Body-image issues" لدى بعض المراهِقات.
لذا لم تعد عبارة "الانتباه عملة العصر" دقيقة، الانتباه اليوم أقرب إلى (غسيل الدماغ)؛ يشكّل ما يشعر به الجمهور، وما يقارنونه، وما يرونه طبيعيًا، وطبيعة تصرفاتهم القادمة.
جذب الاهتمام سهل، أما الثقة .. ثمنها باهظ!
إن كان الانتباه مدخَلًا، فالثقة هي المنزل.
يمكنك جذب الانتباه بعنوان مثير، أو نهاية مشوقة "cliffhanger"، أو موجة من الغضب "jolt of outrage "، أو عبارة "انتظر حتى النهاية”. ما يعني أنه يمكنك إثارة الانتباه عن طريق الصدفة. أما الثقة؟ يستحيل اكتسابها بالصدفة.
يحدث الارتباك الأخلاقي عندما تعامل العلامات التجارية الاهتمام باعتباره دليلًا على تكوين علاقة: ينتشر منشور ما انتشارًا فيروسيًا، أو يجذب أحد الفيديوهات انتباه الناس حتى النهاية. وإذ بالفريق يحتفل، وتغدو القصة في اللاوعي: استماعهم إلينا، دليل تصديقهم بنا.
غير أن "المشاهدات" لا تعني بالضرورة "الثقة".
في الواقع، قد يُنافي جذب الانتباه -أحيانًا- كسب الثقة، لأن المحتوى فعالٌ كالمضاربة في البورصة: فهو يُبقي اليد مُستمرة في "الضغط"، حتى عندما يقاوم العقل ذلك. ولهذا السبب، قد يُصبح التركيز على "الاحتفاظ" نقطة عمياء أخلاقية خفية. فإن أظهرته الإحصائيات "جيدًا"، تتوقف عن التساؤل عن أثر ذاك "الجيد" على الجمهور.
هنا يصبح غسيل الدماغ حقيقة واقعة: يمكنك احتجاز إدراك الشخص دون معرفته.

حين يغدو الاحتفاظ "طيّارًا آليًا"
في مرحلة معينة، يتوقف المحتوى عن كونه "مجرد معلومات" ويبدأ في "تشكيل الهوية”!
لا يُعلن عن ذلك صراحةً، ولا يصادف الجمهور عنوانًا عريضًا "سنعمل الآن على تغيير مفهومك الذاتي"، وإنما يحدث (التشكيل) من خلال التكرار والتأطير.
حين يُصوّر محتواك الجمهور -باستمرار- على أنه "حطام إنسان .. شخص ضعيف" .. أو أي من تلك العيوب، ويقدّم منتجك بصفته الحلّ، فأنت تُرسّخ هوية بذات قدر تقديمك المعلومات. وإذا تضمّنت كل قصة نفس الشرير، ونفس الخصوم، ونفس الدرب المختصر للانتماء، فلستَ تجذب الانتباه فحسب، بل تُوجّه المعتقدات.
وإذا كنتَ صانع محتوى، فالأمر أكثر حساسية؛ لا يكتفي الناس باستهلاك أفكارك، بل يستلهمون أسلوبك. ويبدأون بسرد قصص حياتهم بأسلوبك. ويرسلون إليك رسائل كما لو كنت صديقًا أو مرشدًا.
هذا مفهوم الجاذبية شبه الاجتماعية “parasocial gravity”: علاقة وثيقة بين شخص وجماعة، تبدو صداقة لجانب، ومسؤولية للجانب الآخر.
لا يسعى معظم صنّاع المحتوى إلى استغلال هذه الميزة. ولا تعتقد معظم العلامات التجارية أنها تمتلكها. ومع ذلك، تُظهر النتائج أن التأثير حقيقي بما يكفي ليُحدث فرقًا، لا سيما بالنسبة للجمهور الأصغر سنًا، الذين قد يكونون أكثر عاطفية.
اختلال موازين القوى الخفي
هذا الجزء الذي لا نتحدث عنه؛ لأنه "يفسد الأجواء”:
إذا كان محتواك قويًا، يتأثر جمهورك به أكثر مما تتصور. لا بطريقة التنويم المغناطيسي الكرتونية، بل بطريقة إنسانية.
عندما يكون الشخص متعبًا أو وحيدًا أو حائرًا أو يبحث عن قصة تُبسّط العالم في نظره، فلا يصله المحتوى فحسب، بل يستقر داخله ويصبح بمثابة "حيلة" لتجاوز التعقيد. ولهذا نلاحظ سرعة انتشار المحتوى "الذي يسهل على القارئ التفاعل معه"؛ باعتباره يوفر شعوراً بالفهم سريعًا.
لكن يسهُل تحوّل الفهم السريع إلى اعتماد حين تستمر في تدعيّم الشعور دون دعم المتلقي.
ويتفاقم اختلال موازين القوى عندما يكافئك النظام على [زيادة وقت الاستهلاك]؛ إذ يدفع صناع المحتوى -بشكل غير مباشر- نحو أساليب تُبقي المشاهدين مستمرين في تلقيّ المعلومات، دون الاهتمام -بالضرورة- بما يُحسّن حياتهم فعلًا.
إذن، فلا يقتصر عدم التوازن على "المبدع" و"المشاهد". بل يمتد ليشمل الجهاز العصبي البشري وآلة مُصممة لإبقاء هذا الجهاز العصبي متفاعلًا.
وذاك غسيل الدماغ الحقيقي، سواء اعترفنا بذلك أم لا.

كم تكلّفك عملية غسيل أدمغة جمهورك؟
هل يُعتبر معدل الاحتفاظ "Retention ” مقياسًا سلبيًا؟ لا.. إنما مقياسًا أعمى!
لا يُخبرك معدل الاحتفاظ:
كل ما يدلّ عليه -ببساطة- أنه: كان هنا لفترة طويلة.
ولأن شبكات التواصل جعلت من "تواجده لفترة طويلة" أكبر دليل على النجاح؛ فقد نمت ثقافة قائمة على المحتوى الجاذب بأي وسيلة ضرورية، وهكذا:
يتحول الغضب إلى نموذج عمل.
يصبح "مقطع واحد إضافي" أسلوب حياة.
يبدأ صناع المحتوى بالشعور بأنهم محاصرون من قبل جمهورهم؛ إذ يُعرّف المحتوى الرائج بأنه المحتوى الذي يُحكم قبضته عليهم.
إذا شعرت يوماً برغبة في التصعيد (إما عبر تأطير أكثر تطرفًا، أو توجيه انتقادات أكثر حدة، أو إظهار قدر من الضعف الشخصي أكبر مما ترتاح لمشاركته)، فأنت تُدرك -بالفعل- حجم الضغط.
لا تُطالبك المصفوفة بأن تكون عنيفًا، بل يكفي أن تكون لزجًا!

وأنت لا تريد أن تكون "لزجًا" بالتأكيد!
أحيانًا يكون التصرف الأكثر أخلاقية هو إنتاج محتوى يحقق أداءً أقل -ربما- ولكنه يعامل استقلالية الجمهور على أنها مقدسة، وهذا يتطلب:
الوضوح: إخبار الناس بهدف المحتوى، وما يحاول تحقيقه.
التأطير العاطفي [غير الاستغلالي]: عدم خلق حالة من الذعر لخلق شعور بالإلحاح.
احترام الضعف الإنساني: التعامل مع الرسائل الخاصة والاعترافات باعتبارها "دليلًا على الثقة"، لا مصدر "منشورات".
استهداف النتائج طويلة المدى: تجاوز التحسين لعدد دقائق المشاهدة/القراءة، إلى ما يفعله الناس بعد ذلك في حياتهم العملية.
وهذا يُعيدنا إلى السؤال الذي طرحته في البداية
التعليقات