تندفع أساليب التعافي الجديدة للنصح بالعزلة و التخلي عن كل ما يؤذيك و إن كانوا أقرب الناس من حولك، و لا شك بأن العزلة المؤقتة لها فائدتها و قيمتها في إصلاح النفس، لكن كما قال د.عماد رشاد المتخصص في مجال التعافي النفسي
" التعافي لا يحدث في الغرف المغلقة " .. الشفاء من الجروح لا يحدث إلا بعد سردية الحدث لشخص تثق فيه و تؤمن نفسك عليه.
أحياناً أنت لا تحتاج إلى نصيحة عبقرية، ولا إلى كتاب جديد، ولا إلى بودكاست يخبرك كيف تحل مشكلتك.
تحتاج فقط إلى إنسان يجلس بجانبك، ويقول بكل صدق:
“أنا معك.. ربك يسهلها "
كأن شيئًا في داخلك يهدأ و يسكن بمجرد أن تشعر أنك لست وحدك.
وهذا ليس ضعفًا، بل هو من أعمق ما فُطر عليه الإنسان " هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَا ".
فلا عجب من نتيجة بحث أطول دراسة علمية عن السعادة، وهي دراسة هارفرد التي تابعت حياة المشاركين لأكثر من ثمانين عامًا، و التي كان هدفها أن تبحث عن أهم سبب للحياة الطيبة السعيدة الوفيرة، لم تكن النتيجة مالاً أكثر و لا منصب أعلى و لا منازل على شواطيء بحرية
بل انتهت إلى نتيجة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه:
العلاقات الجيدة هي أفضل استثمار لحياة إنسانية سعيدة راغدة.
لأن الانسان بشكل ما قد يبحث عن الاستكثار من الأشياء المادية لرغبة دفينه فيه لشعور بالانتماء، الحب و القبول من الآخرين، رغم أن هذه البرمجة قد لاتكون صحيحة أبداً.
بل قد تبناها من تربية كانت الحب فيها مشروطاً بأن تكون أفضل، أشطر و أكثر نجاحاً حتى تحب و تُقبل.
وهذا يأخذني للتأمل في سورة العصر
وَالْعَصْرِ، إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ
كيف وضحت السورة أن الإنسان على مدى الزمن هو خاسر لا محاله!
إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ
إلا الذين "أمنوا" .. " توصوا" جماعةً .. لا فرادى!
فالتواصي لا يكون مع النفس.
إنه علاقة جماعية..
أن يذكرك أحد إذا نسيت.
ويثبتك إذا ضعفت.
ويأخذ بيدك إذا تعثرت.
ويهمس في أذنك إن خفت " أنا أخوك فلا تبتئس" !
وكأن الله يخبرنا أن النجاة من الخسارة ليست مشروعًا فرديًا، بل رحلةٌ نحتاج فيها إلى بعضنا بعضًا.
حتى رسول الله ﷺ، وهو أكمل البشر إيمانًا، لم يعش رسالته وحده. كانت خديجة رضي الله عنها سكنًا له في بداية الدعوة، وكان أبو بكر رضي الله عنه رفيق الهجرة، وكان الصحابة سندًا في حمل الرسالة. لم يكن طلب العون أو قبول المساندة نقصًا في القوة، بل كان جزءًا من السنن التي جعلها الله في حياة البشر.
لهذا يا صديقي ابدأ بالاستثمار الحقيقي،
اقترب أكثر من دائرتك القريبة ،اتصل بصديق قديم تحبه ، زر قريبًا مسناً ، احضر مجلسًا صالحًا..ابحث عن مجتمع يشاركك قيمك.
واستثمر في العلاقات كما تستثمر في مالك وعملك.
فقد تكتشف بعد سنوات أن أفضل قرار اتخذته في حياتك لم يكن منصب عالي، ولا شهادة عالية، ولا مشروعاً استثمارياً!
بل كان مشروع إنسان صالح اخترته رفيقًا للطريق.
فاطمه الصايل
التعليقات