تخيل معي شعور الانتظار في قاعة المطار لرحلة مؤجلة و أنت جالس في كرسي الصالة، لكنك لا تعلم متى ستصل الطائرة بالضبط، تنتظر و لا تستطيع الحراك لأن الرحلة ربما تعلن في أي وقت!
تفكيرك متجمّد، أقصى ماتستطيع عمله أن تتصفح جوالك متنقلاً بين البرامج الإجتماعية بدون حضور ولا وعي حقيقي لما تراه.
هكذا بالضبط عندما نتعلق في مرحلة قادمة في حياتنا نريد الإنتقال إليها ظانين أن الحياة ستبدأ فقط هناك.
نتعلق في وظيفة، زواج، وزن، شكل معين ،مشاعر مرغوبة من طرف آخر أو حتى خبر منتظر. و نتجمد شعورياً عن الحياة الحقيقة حولنا رغم أن الحياة هنا و الآن ..
الحياة ليست هناك و لا في ذلك المكان و لا في تلك الأشياء التي نظن أنها ستسمح لنا أخيراً بالشعور الطيب.
الحياة الكاملة هنا في هذه الدقيقة و في المكان الذي أنت فيه و في كل ما وهبك الله من عطايا ونِعم، فقط التفت لما هو موجود و متوفر و املأ قلبك بالحمد و بالإكتفاء التام لما هو بين يديك.
أيضاً، البعض منا يعيش في حالة من التجمّد، ليس لأنه لم يملك مايتمنّى بعد، بل لأنه أصبح يملكه و يخاف أن يفقده أو يفقد شيئاً من هذه النّعم .. متناسياً أنه ليس قديراً عليها و أن حفظها و دوامها ليس بيده مهما دبر التدابير.
صدقني، لن تنتقل من حالة الإنتظار إلى حالة القبول و الدخول في حياتك في هذه اللحظة و الإستمتاع بما كل تملك فيها إلا بعد أن تُسلم أن الله أعطاك حالياً كل الإمكانيات و الفرص التي تؤهلك للحياة الطيبة و الشعور الطيب و لا عليك إلا أن تنتبه لها و تستخدمها في رضى الله.
أن تتوقف عن التعلق فيما لديك و تخشى أن تفقده أو فيما ليس في يدك بعد و سعيت له جاهداً لكنه لم يأتي ..
ترخي قبضة يدك و تُسلّم أمرك لله .. حينها فقط تحدث المعجزات!
اختبر الله أنبياءه في أشياء مادية و أشياء قلبية تعلقوا بها ..
ولما سأل الله موسى عليه السلام: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى﴾
كان الله يعرف قيمة تلك العصى بالنسبة إليه بلا شك.
لكن نبي الله موسى من شدة حبه لتلك العصى استطرد في شرح كل ماتعني له من معاني..
فجاء الأمر " ألقها "!
حينما تترك ماتظن أنه قوتك و تستند عليه،
ثم بعد ذلك تلتجأ إلى القوي .. تأتيك الدنيا ،هي راغمه.
ألق ما أنت مقبض يديك عليه مسلّماً، يتحول إلي معجزات لم تتخيلها ..
يأتي الفرج بعد التسليم بحكمة الله ، " فلما أسلما و تله للجبين" هناك فقط بعد أن أسلم و تخلى عن تعلقه القلبي .. " و أن ناديناه أن يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا".
زال التعلق و امتلئ القلب بالله وحده.
ربما لكل واحد منا عصا متعلقاً فيها مادياً أو أمراً متعلقاً فيه قلبياً
لكن الحياة ستبدأ فقط بعد أن نُلقي الوسائل و نُسلّم لرب الوسائل ..
ألقِ عصاك ..
ليس لأنك استغنيت عنها بل لأن قلبك لم يعد متعلقاً بها .. مطمئناً أن ماكتب الله له في هذه المرحلة الآن هو الخير الكثير و الأُنس الوفير و أن القادم بإذن الله واسع و جميل.
فاطمه الصايل
التعليقات