الفهمنه - العدد #70 |
| 2 أبريل 2026 • بواسطة عهد • #العدد 70 • عرض في المتصفح |
|
عادي ما تدري
|
|
|
|
كان لأخي الأكبر جهاز لابتوب اشتراه في عز المراهقة بعد ادخاره، وكانت وسيلته الوحيدة للطرب على الأغاني عبر تنزيلها على جهازه ثم على CD. وكنت اذا غادر اتسلل كالثعلب المكّار لاستكشف هذه التقنية المثيرة، ويعلق في ذاكرتي كلما فتحت جهازه خالد عبدالرحمن وهو يردد «وشلون ما ادري كيف روحين في روح! ما كنت أصدق في اندماجك في الأرواح» .. ويا لها من ذائقة. |
فضيلة الجهل |
|
في تحدي أجراه شاب في شوارع أحد البلدان العربية مع العامة مضمونه بأن يقابل أحدًا يعترف بـ «ما ادري». فكان يطرح اسئلة غير منطقية وخاطئة، إلا أن التحدي الحقيقي أن كل الذين قابلهم ظلوا يتفلسفون عليه، ولم يقر أحدهم بجهله! |
|
الاعتراف بالجهل يتطلب قدرًا من الشجاعة، شجاعة اللي «لا بأس أنني مخلوق ولا أعرف كل شيء»، والكِبر يجرّ الانسان إلى ما يعرف بـ وهم المعرفة. في مقالة جميلة على نديم، عرّفتها «ينشأ وهم المعرفة عندما يعتقد الشخص أنه على فهم تام بموضوع ما استنادًا إلى معلومات محدودة أو وجهات نظر متحيزة.» فالمعرفة في هذا السياق ليست عن «اكتساب المعلومة» ولكنها تطبيق هذه المعلومة في سياقاتها المناسبة، «ليست مجرد حفظ المعلومات الدقيقة المفصلة، بل هي فهم كيفية ارتباط هذه المعلومات بعضها ببعض لتشكيل صورة أكبر وأشمل». في الأمس مثلًا كان يسافر العلماء والباحثين من شرق الأرض لغربها للتأكد وفهم معلومة، بينما في ضغطة زر تنهمر علينا المصادر اليوم، وهذه الإتاحة غذّت الوهم بدورها، وأصبح الوصول السهل سببًا في السطحية، فالذي يستسقي من عالم أو كتاب ليس كمن يستسقي ذات المعلومة من ثريد على اكس. |
|
لا يزال المرء عالمًا ما طلب العلم، فإن ظن أنه قد علم فقد جهل ابن المبارك رحمه الله |
تراكيب متراكمة |
|
اذكر مقابلة عمل جلست فيها أمام لجنة للتقييم، وعندما سألتني احداهن «تعرفين تستخدمين برامج الأوفيس؟» ضحكت بازدراء مع نفسي وقلت «بالتأكيد» ثم سميت لها على ماذا اعمل بالعادة، لتباغتني بسؤالٍ آخر «تعرفين للبرنامج الفلاني؟» تحولت ضحكتي المزدرية لحرارة تسري في جسمي، ولكنني وبرباطة جأش قلت «لا والله ما اعرف» لتباغتني ببرنامجٍ وآخر وأرد بذات الرد. المضحك؟ أنني قبلت لاحقًا في الوظيفة -لو يهمك ترى رفضتها- وأظنها لصراحتي الجسورة، إلا أنه الانسان يحتاج أن يكسر غروره بين حينٍ وآخر ليتعلم أنه ليس من يحيط بكل شيء علمًا، وجلّ الله وحده الكامل. |
|
في مقالة أعجبتني على صحيفة الأنباء لغازي العتيبي بعنوان «الجهل بالشيء لا ينفي وجوده»، كان يناقش فيها عمن يتعصب لرأيه لمجرد أن «المدعجي» على حد وصف العتيبي، وهو وصف اضحكني. فعلى على غرار الفهمنه، المدعجي من يتحزب لرأي دون غيره، ويصرّ أنه الصحيح. أشار في مقالته لنقطة هامة، أن هذه الفهمنه والإدعاء على المعرفة تحرم صاحبها حلاوة التعلم وعذوبته، «من يظن انه عالم بالشيء فقد يفقد أهم أداة لديه وهي التجدد بما يعرف، فلا يعود قابلًا للتغيير، تجده متحجرًا بفكر قديم، وذلك يجعله عرضة للكثير من الوقوع في دائرة الظن فتستحكمه انفعالات وتفنده أوهام.» |
|
وحدة من المهارات التي تثيرها نشرة اليوم، التفكير الناقد. في الأخذ والعطاء تتوسع مدارك الانسان، والبقاء على فكرة دون نقدها، وعلى معلومة دون تحليلها يوقعك في شباك الوهم. المشكلة ليست فيما لا تعرف، ولكنها فيما تعرف ومدى صحته وتأثيره. هذا ما يجعل النقد والتحليل أداة هامة تساعدك في التطور والتعلم. |
|
وتذكر، لا بأس ألا تعرف كل شيء ويجهلك بعض الشيء سهوًا. لازلت أقول أنني لا أعرف كل برامج الأوفيس، وأجهل أسباب سقوط الاتحاد السوفييتي، واتسائل بحق عمن يتبرع بقلبه بعد موته وهل تنتقل مشاعره للمنزل الجديد؟! هذا الجهل هو محرك الفضول قدمًا للتعلم، والخوف من أن تظهر «الجاهل» خوف شكليات وكليشهيات. وإنما الخوف الحقيقي أن تحرم نفسك الحياة في حضرة الأوهام. |
|
ختامًا، ألا تعرف شيء أحيانًا استر لك. |
|
لك في هذه النشرة رأي؟ شاركني بالرد على الإيميل أو التعليق على النشرة |
|
كاتبتكم المعهودة والتي يأدبها غرورها بين الحين والآخر: عهد🌷 |
|
نبأ النشرة🌟: |
|
خبر الفقرة أن هذه النشرة تأخرت لأن المسودة قررت تُجن وتحذف نفسها، فكتبتها مرة ثانية وعلّقت عليها الأصفاد، وانتظرت على نار موعدنا الخميس لنشرها. المعذرة يا أصدقاء الكلمة. |
|
الخبر الثاني أنني قرأت بدء تحدي «٣٠ يوم وقِصة» تحت عنوان #قصص_ابريل. لأكتب عن كل شيء وأي شيء، قصصًا قصيرة عن السماء والأرض، والنخل والنمل، وعن كل ما يهيض القريحة -كالعادة-. لو ودك تشاركني أو تقرأ لي حيّاك هنا. |
تـلاقِـي - العدد #46 - نشرة نَجوى عهد | هدهد
هل نحن وحدنا؟
gohodhod.com
|
خطأ! - العدد #58 - نشرة نَجوى عهد | هدهد
للقلوب الشجاعة
gohodhod.com
|



التعليقات