لمحها من بعيد، غارقة في ذاتها، عيناها تومضان كجمرتين تحت رماد، وشعرها المُسدّل تعبث به أنفاس الريح عبث العاشق.
دنا منها على مهل، وهمس: «أحبك».
فلم تتحرك لها جارحة. بقيت على سكونها، تحدّق فيه بملء السكينة، حتى ضاقت به الدنيا.
ثم نطقت، وثباتها كالجبل:
«باللامِ… أم تجردها منها؟»
فثار في صدره سؤالٌ إثر سؤال. وعلا وجهه الذهول.
ما بال اللام؟ وبأي حق تسأل وكأنها تملك مفتاح الإجابة؟
ولم هذا الجمود؟ أما قيل إن الكلمة بلسم وأمان؟
وانقضت لحظةٌ ثقيلة كالدهر.
عادت تقول، وبرودها يقطع:
«أيتخللها ميم الجمع… أم هاء الضمير؟»
ففاض جبينه عرقًا، وارتجف صوته.
أهذا امتحانٌ في فصاحتي؟ ما أعجبكِ يا امرأة! أتقذفينها باردةً واثقة؟
فأي جواب ترتجين؟ وما شأن هذه اللام الملعونة؟
قال وقد خانته حروفه:
«ماذا دهاكِ يا لندا؟»
فزفرت زفرةً طويلة.
قالت:
«وماذا عساي أقول؟ إن أنا فسّرتُ هتافك الآن، أمسيتُ هباء . إنما أسأل: أهو حبٌ خالصٌ مصفى، أم قد علاه كدرٌ يا نجم؟ »
ثم استطردت، وصوتها كالوشة :
« إن الأشياء إذا فُسّرت فقدت جوهرها، وإن أقبلنا على المجهول كنا أصدق من العلم. يدور القمر حول الأرض، وتدور الشمس منذ الأزل. فلما أدرك الإنسان، أوقد النار، واتخذ البوصلة دليلاً…
فذهبت الدهشة، وبقي الزمن »
ورفعت إليه عينيها :
« فقل لي… أتحبني من أجلهم؟ أم من أجله؟
أم خلت اللام والضمائر جميعها من حكاية؟ »
التعليقات