ثم التفت إليها بلهفة، وقال:
«ماذا عنكِ يا لندا؟»
لمحته بخطفة سريعة، ثم رفعت عينيها إلى السماء. بقيت صامتة لحظة، كأنها تبحث عن إجابة في شيء بعيد عنهما، قبل أن تقول:
«أما أنا، فأحب الأشياء كما هي. أراقبها وهي تعيش كما تشاء، دون أن أطالبها بأن تكون على الصورة التي أريدها »
نظر إليها متعجبًا.
«تراقبينها؟ لم أفهم ما تقصدين »
تنهدت بلطف، وارتسمت على وجهها ابتسامة خافتة.
«هل ترى القمر؟»
رفع عينيه إلى السماء.
«نعم »
قالت:
«ومن منّا نحن البشر لم ينظر إليه؟ نحن نميل دائمًا إلى ما هو أصيل؛ إلى الأشياء التي لم تمدّ يدها لتطلب إعجابنا، ولم تتغير كي تستحق أن نحبها »
ظل ينظر إليها دون أن يقاطعها.
«لكننا، حين نقترب مما نحب، لا نكتفي برؤيته. نريد أن نلمسه، ثم نعرفه، ثم نفسّره، ثم نمتلكه. وكأن الأشياء لا تصبح حقيقية في نظرنا إلا حين نضع عليها أسماءنا»
قطّب حاجبيه قليلًا، ثم قال:
«ولكن البشر وصلوا إلى القمر! فكيف تقولين إننا لم نلمسه؟»
ضحكت بصوت هادئ.
«وصلوا إلى سطحه، نعم »
ثم رفعت عينيها إليه.
«لكن الوصول إلى الشيء لا يعني بلوغ حقيقته »
صمتت لحظة، ثم أعادت نظرها إلى السماء.
«قد تلمس الجسد، ولا تبلغ الروح، وقد تقترب من المكان، وتظل بعيدًا عن معناه »
بقي صامتًا، وكأنه يحاول أن يجد في كلامها شيئًا لم تستطع الكلمات أن توضحه.
ثم سأل:
«وماذا تغيّر في الناس بعد ذلك؟»
نظرت إلى القمر طويلًا، وقالت:
«لم يتغير فيهم شيء »
سكتت قليلًا، قبل أن تتابع:
«القمر لم يطلب منا أن نعتني به، ولم يطلب حتى أن نصل إليه. لكنه كان بعيدًا، فاستفزّ في البشر رغبتهم القديمة، أن يبلغوا كل ما يعجزون عن بلوغه، وأن يمتلكوا كل ما لا يقبل أن يكون ملكًا لأحد »
ثم ابتسمت ابتسامة صغيرة.
«لم يكن القمر بحاجة إلى البشر، لكن البشر كانوا بحاجة إلى أن يثبتوا لأنفسهم أنهم قادرون على الوصول إليه »
عاد ينظر إليها.
فقالت بهدوء:
«أحيانًا لا نطارد الأشياء لحاجتنا إليها، بل لأن عجزنا عن امتلاكها يذكّرنا بحدودنا »
رفع بصره إلى القمر مرة أخرى.
كان معلّقًا في مكانه، كما كان دائمًا؛ لا يبدو عليه شيء من كل ما قيل عنه.
أصبح القمر شيئًا حاضرًا في التاريخ، والأساطير، والقصص، والعلوم. أحبّه الناس، وخافوه، وتأملوه، وأحاطوه بالمعاني، حتى كادوا ينسون صورته الأولى.
ومع ذلك، يكفي أن يرفع أحدهم بصره إليه ليراه كما هو؛ بعيدًا عن الرغبة في امتلاكه، وبعيدًا عن الحاجة إلى اختزاله في معنى واحد.
سكتت لندا قليلًا، ثم قالت:
«وربما كانت أصالة الأشياء في أنها لا تحتاج إلى أن تشرح نفسها لنا »
قد تلمس الجسد، ولا تبلُغ الروح، وقد تقترب من المكان، وتظَل بعيدًا عن معناه
|
التعليقات