لابد وأنكِ لم تنتبهي لذوبان شخصيتك مع الهموم الكثيرة التي تجول خاطرك وروحك دوماً حول طفلك وحول الأسرة ومشاعرها الكثيرة، أو لربما تذكرتها مرة وصرفتي النظر عنها ظنًّا منك أنها أحلام تافهة ولا تستحق التحقيق، ولربما اعتقدتِ أنها مجرد أوهام كانت تجول في خاطرك عندما لم يكن لديك هموم، عندما لم يكن لديكِ أطفال؟!!
هل هذا يخطر في بالك فعلاً؟! هل يحصل معك كلما تذكرتِ أحلامك المؤجلة إلى ما لا نهاية؟ عليكِ أن تكوني صريحة مع نفسك الآن لا معي، فأنا لا أجلس أمامكِ ولا أفتش وراءك، كل ما أُريدهُ لكِ أن تنبشي قليلاً حول ذاتك، هويتك، أو حتى أحلاماً غابت مع كثرة المشاغل والهموم.
لماذا عليكِ البحث الآن حول تلك الأحلام أو تلك الهوية المفقودة؟ ما الذي سوف تضيفهُ لحياتك؟ ولماذا الآن؟ لماذا ليس غداً أو بعد غد أو حتى بعد شهر، بعد سنة؟
علي أن أقول لك بدايةً بأن الوقت المناسب لبحثك حول ذاتك ولتحقيق بعض أحلامك المؤجلة هو الآن؛ لأنه لن يكون هناك وقت أنسب من ذلك. سوف تخرجين ألف حجة لاحقاً لكي لا تفعلي ذلك! أو سوف تهربين من كل فرصة أخرى بحجة الانشغال والجدية وغيرها! الآن هو أنسب وقت، ولن يكون غير الآن؛ لأن الآن تحطيم أصنام التأجيل والتسويف وأعذار النفس التي لا تنتهي.
ولماذا عليكِ البحث أصلاً؟ لأنك بعد سنوات قليلة لن يتبقى أحد من أولادك يعتمد عليكِ وستبقين وحدكِ تبحثين عن شُغل تشغلين به وقتك، ولن تجدي غير النميمة والغيبة على فلانة وعلانة! أليس هذا واقع الكثيرات اليوم؟ هل تريدين أن تصبحي مثلهن؟ حياة فارغة تبحثين فيها عن جحر تسقطين فيه آلامك النفسية والجسدية؟
وحتى إن بقي واحد من أبنائكِ تعتنين بهِ إلى وفاتك، ألن يكون لكِ متنفس بعيداً عنه؟ هل تريدين حبس نفسكِ أربعاً وعشرين ساعة في البيت؟ هل ستؤجلين الأفراح والأتراح إلى ما لا نهاية؟ هل ستبقين في عزلة عن العالم من حولك حتى تصيبك الأمراض النفسية والهشاشة الروحية؟!
أنا أتوقع أنكِ آخر شخص يريد ذلك؛ لأننا كلنا لا نريد ذلك، نريد راحةً ولو مؤقتة، نريد سعادة ولو زائلة، نريد صحبة ولو فانية، نريد تحقيق شيء بعيد عن أطفالنا، غير متعلق بهم، متعلق فينا نحن لوحدنا، لا يخص أحداً غيرنا، ينسب فيه الفضل لله أولاً ولجهدنا وتعبنا وإخلاصنا فيه ثانياً.
إذا وصلتِ معي إلى هنا واتفقنا أنا وأنتِ على أنك تريدين تحقيق شيء ولو بسيط، تريدين صحبة ولو مؤقتة، تريدين عزماً وهمة بعيداً عن أطفالك وأسرتك، علينا الآن أن نبدأ معاً بخطوات استعادة هويتك الشخصية.
فأول هذهِ الخطوات هو الإيمان بأن لديكِ شيئاً ما يميزك عن غيرك ويجعل منك أنتِ أنتِ لا أحد سواك، شيء يشعرك بالراحة والسعادة والطمأنينة والسكينة ولربما البركة في وقتك وجهدك.
المرحلة الثانية هو البحث عن ذلك الشيء الذي يميزك عن غيرك ويجعل منكِ أنتِ لا أحد سواك.
لربما تفكرين الآن بأمرٍ ما لطالما أردتِ فعله، إذا كنتِ كذلك فعليكِ أن تبدئي منه، وإن كنتِ تعتقدين بأنه ليس لديكِ شيء فالتجربي أشياء جديدة عليكِ، ولربما أحد تلك الأشياء سوف يغلب عليكِ فيها الحب والشغف والطاقة وتشعرين معها بسعادة الإنجاز: تطريز، كروشيه، رياضة معينة، قراءة، كتابة، جربي أشياء كثيرة وستعرفين لأيها تصلحين أكثر، وأي تلك الهوايات سوف تنقلكِ من شعور عدم الكفاية إلى شعور الإنجاز والكفاية والسعادة. تذكري كلامي هذا وذكريني به عندما تجدين هواية أو حلماً مؤجلاً تحققيه، سأكون سعيدة جداً بسماع تجربتك.
المرحلة الثالثة: هي نقل المهارة الجديدة من مرحلة التجربة والاستمتاع إلى عمل إلزامي يساعدكِ يومياً على ممارسة ما تحبين فعلاً، ويحسن من مزاجك، وإن لم يكن قادراً على فعل ذلك كل يوم، عليكِ أن تتذكري بأنهُ اختيارك وعليكِ تحمل ذلك إلى النهاية. مارسي الهواية الجديدة أو الحلم الجديد حتى تنجزي ما أردتِ إنجازه، وإن اكتفيتِ بذلك، فقط حان وقت الآن البحث عن عمل آخر يحقق الاطمئنان والسكينة ويمدك بالقوة النفسية التي تساعدك على إكمال يومكِ، وهذهِ المرحلة الأخيرة التي أرجو معها أن تقيمي تجربتكِ وتوثقيها قبل الانتقال لغيرها، فسوف تكتشفين كم هي غالية وعزيزة، وكم بذلتِ فيها من جهد أحببته، وبأنه لربما قرار الانتقال لغيرها ليس سليماً، وأن عليكِ تحقيق أهداف أخرى دخلها لم تحققيها بعد.
أتمنى أن تكون هذهِ النصائح البسيطة ذات فائدة عظيمة لكِ كما كانت لي دائماً، وأن تمدكِ بالطاقة النفسية والجسدية التي تحتاجينها لإكمال الطريق.
التعليقات