|
|
|
السلام عليكم يصلكم العدد الخامس والعشرون من نشرة فسحة البريدية في اليوم الأربعاء الموافق السادس من أيار للعام 2026
|
|
|
ما شكلُ الألم المترتب على فقدان مساحتي ؟
|
|
|
|
|
|
دعيني أخبركِ عن أيام عشتها حقيقة بدون مساحات آمنة حرة أتنفس فيها من ضغط المهام اليومية والمسؤوليات.
|
|
|
عندما كنت أعمل بدوام كامل كأخصائية تربية خاصة في مدرسة من الساعة السابعة وحتى الثالثة، كنت أعود للبيت منهكة حقاً، كل ما أريدهُ هو فراشٌ وثير وطعامٌ سائغ وهدوءٌ طويل، هل تقولين في نفسك الآن بإنه وقتٌ ليس بطويل! دعيني أذكركِ بأنني أم لطفلين، أجلب طفلي الصغير من الحضانة وأنتظر وصولَ طفلتي الكبيرة من الروضة.
|
|
|
وعندما نصل إلى البيت أبدأ بالترتيب الذي لم أستطع إنهاءهُ في الفجر الباكر قبل خروجي من البيت، فقط كنت أخرج الساعة السادسة صباحاً لأستطيع أن أصل إلى عملي الذي يبعد ساعة عن البيت، فأكمل التنظيف وأبدأ بطلبات أبنائي التي لا تنتهي: "أريد طعاماً"، "أريد قميصاً آخر"، "أمي لم أفهم هذا الدرس"، وهكذا.
|
|
|
وتبدأ بعدها حفلة الطهي، فالطعام بالنسبة لي كان حفلة، فكان الأطفال لديهم كلاماً كثيراً وطاقات كبيرة فيخرجونها عندي في المطبخ، فأطهو وأستمعُ لهم وأنا في حالة شبه صفرية، وكل ما أريدهُ هو أن تنتهي مرحلة الطهي لأستطيع الجلوس قليلاً. ثم يشاغب أطفالي كباقي الأطفال، فينكش عمر أخته وتبكي رتيل ويغضب عمر، وعلى هذا الحال كل يوم، حتى تفرغ طاقاتي الاستيعابية. فأبدأ أنا معهم بالصراخ، فأخسر طمأنينتي وراحتي ويخسرون هم بعدي الآمن والسكينة عندما ينظرون إلي ولا يفهمون لماذا انفعلت رغم المناوشات اليومية التي تحدث بشكلٍ طبيعي كل يوم؟
|
|
|
فأبدأ بالتبرير والاعتذار ومحاولة تلافي الخطأ والتعويض حتى موعد نومهم. وعندما أريد أن أخلو بنفسي لأروح عنها، لا أجدُ سوى الهاتف والتقليب فيه بغير فائدة وعلى غير هوادة. ثم سرعان ما أغطُ في نومٍ عميق دون أن أشعر بأي شيء من حولي، ويطلع الفجر وتبدأ الدوامةُ من جديد، وأنا في إنهاكٍ مستمر، وفي شعورٍ بالنقص والعجز والتقصير الدائم.
|
|
|
هل وصلتكِ الصورة التي أتحدثُ عنها؟ عندما لم أستطع الحصول على راحتي ومساحتي، كنتُ دائماً منهكة، مستهلكة، وغير قادرة على العطاء، منفعلة واندفاعية ومحبطة من نفسي والآخرين. الآن، وعندما وعيتُ بنفسي وعرفت حاجاتي وإمكاناتي، رجعتُ كما عهدتُ نفسي، أقل توتراً، أقل انفعالاً، أكثر مقدرةً على العطاء والحب، وأكثر صبراً على النقاشات التي لا نهاية لها مع أطفالي. عدتُ أتابعهم كما أرتحت وكما أحب وكما ينبغي، وعدتُ أستطيع خلق مساحات واسعة لنفسي تساعدني على تفريغ ضغوطاتي اليومية وأعبائي الكثيرة. بِتُّ راضية عن نفسي أكثر، مطمئنة وأكثر راحة، وطاقتي في مكانها عندما أحتاجها أجدها بفضل الله.
|
|
|
عدم وجود مساحة قادرين على التفريغ فيها عن ضغوطاتنا اليومية، وعدم وجود تلك المساحة من الطمأنينة والسكينة والراحة، تبدأ الروح بالشكوى قبل الجسد، فتنفعلين سريعاً وتغضبين أسرع، وتُحدثين الكثير من النقاشات التي لا طائل منها، فقط لأنكِ متعبة مستهلكة، غير قادرة على العطاء أو حتى النفع أحياناً.
|
|
|
والنفع الذي أتحدثُ عنه هنا لا يقتصرُ على عمل البيت من ترتيب وتنظيم وطهو الطعام وغيره، إنما النفع المتعدي الذي يصل لأبنائكِ من خلال سكينتكِ وهدوئك، ومن خلال محبتك وحنانك، من خلال عقلكِ ورجاحته، ومن خلال إدارتكِ للمشاكل في البيت دون أن تتحول لصراعات يومية لا تنتهي، ومن خلال راحتكِ بالتعامل معهم دون حمل أعباء طريقة تربية أهلك لك أو بيئتك التي جئت منها.
|
|
|
بينما تحاولين تفهم الجميع ومحبة الجميع وخدمة الجميع، تذكري: "لنفسكِ عليكِ حق، ولجسدكِ عليكِ حق، فأعطي كل ذي حقٍ حقهُ".
|
|
|
الى لقاءٍ قريب في الاسبوع القادم إن شاء الله سنتحدث عن التخلية بالتحديد وكيف نستطيع ممارستها، كونوا بالقرب.
|
|
|
|
|
التعليقات