جارٍ التحميل…

نشرة صبا الزيود البريدية - العدد #24

14 أبريل 2026 بواسطة صبا الزيود #العدد 24 عرض في المتصفح
السلام عليكم يصلكم العدد الرابع والعشرون من نشرة فسحة البريدية، بسم الله وعلى بركة الله 

أشكال مخاوفنا 3 

الخوف من عقوق الأبناء 

أتجادل مع طفلتي وأدرك بأن النقاش طال أكثر من اللازم، أول ما أفكر فيه: هل ستكون بهذه الحدة معي في المستقبل عندما تصبح شابة؟ هل ستتجاهل كلامي وتوجيهاتي وتضرب بها عرض الحائط؟ هل ستصبح ابنة عاقة لوالديها لاسمح الله؟ يتملكني شعورٌ عارمٌ بالخوف والفزع!!

لربما هذا أكثر ما نفكر به نحنُ الأمهات، من أن المشاغبات والمناكفات اليومية تصبح عادة لدى أطفالنا، فتتحول العادة إلى عقوق!

ليس مجرد تفكير مبني على أوهام، أو خوف مبالغ فيه، أو مخاوف لا أساس لها، لا أبداً، إنما هو تفكير مبني على مناقشات عديدة وتضاربات في الأفكار وأحاديث طوال الوقت.

لكن عندما نهدأ قليلاً ونحكم العقل المنطقي، ندرك بأن تفكير أطفالنا لن يبقى كما هو، وبأننا نحنُ أنفسنا تغيرت أفكارنا كثيراً خلال آخر خمس سنوات، ولربما آخر سنة، فالإنسان في تطور مستمر وفي تغير دائم، ودوام الحال من المحال، وكما أننا لم نبقَ كما كنا وتغيرنا، فلن يبقى أطفالنا كذلك، فتجارب الحياة والصحبة الصالحة والتربية المتوازنة هي ما تخلق من الطفل المشاغب شاباً واعياً ومسؤولاً عن تصرفاته وحياته، وكما أن طفولتنا تلاشت، سيصبح أطفالنا شباباً وبالغين يوماً ما ومدركين لعواقب سلوكياتهم ومع الوقت سيتغير كل شيئ ولن يبقى الطفل طفلاً إلى الأبد.

ولكن تذكري بإن "التعليم في الصغر كنقش في الحجر" وبإن بعض السلوكيات الصغيرة قد تصبح عادات دائمة عند أطفالنا فتتطور لتصبح عقوقاً في المستقبل، لذا إدارة وتعديل السلوك مهمة جداً في الصغر.

ومن أهم موجبات البر او العقوق كما ورد في الحديث الشريف الذي قاله الحبيب: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: "قبَّل رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم الحسنَ بنَ عليٍّ وعنده الأقرَعُ بنُ حابسٍ التميميُّ جالساً، فقال الأقرَعُ: إن لي عشرةً من الولدِ ما قبَّلتُ منهم أحداً، فنظر إليه رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلَّم ثم قال: «مَن لا يَرحَمْ لا يُرحَمْ» (رواه البخاري).

الرحمة أساس التربية، والرحمة تفضي إلى البر بإذن الله.

وذُكر في الأثر عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب: جاء رجل إلى أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يشكو إليه عقوق ابنه، فأحضر عمر بن الخطاب رضي الله عنه ابنه وأنَّبه على عقوقه لأبيه، فقال الابن: يا أمير المؤمنين، أليس للولد حقوق على أبيه؟ قال: بلى، قال: فما هي يا أمير المؤمنين؟ قال: أن ينتقي أمه، ويُحسن اسمه، ويُعلمه الكتاب (القرآن). فقال الابن: يا أمير المؤمنين إنه لم يفعل شيئاً من ذلك: أما أمي فإنها زنجية كانت لمجوسي، وقد سماني جُعلاً (جُعْرَاناً)، ولم يعلمني من الكتاب حرفاً واحداً. فالتفت أمير المؤمنين إلى الرجل، وقال له: أجئت إليَّ تشكو عقوق ابنك، وقد عققته قبل أن يعقك، وأسأت إليه قبل أن يسيء إليك.

لذا فقط تكون التربية هي المسببة للعقوق واختيار الشريك من الأساس، والدلال الزائد والحزم الزائد هما وجهات لعملة واحدة، وأصعب ما نواجه في التربية هو أن نمسك العصا من المنتصف، فلا بد من تدريب أنفسنا وتهذيبها وتقبل أخطائنا وعثراتنا وتصحيحها، ولابد من محاولة جادة لتعلم التربية ما استطعنا، فمحبة الأولاد فطرة، ولكن التربية دربة وتعلم وبيئة فرضت على الأبناء، لذا لنحاول جعلها أفضل بقدر استطاعتنا، لا بدلال ولا بشدة زائدة، فكل شيء زاد عن حده انقلب ضده، التوازن هو الحل وهذا منهج الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم.

التربية عملية تراكمية، فما تزرعينه هو غالباً ما تثمرينه في النهاية بعد توفيق الله وتسديده، فإذا أحسنا التربية وأريناهم من أنفسنا براً لآبائنا وأمهاتنا، فسوف نكون خير قدوة وخير دليل على البر، ولا شيء أفضل من القدوة الحسنة، فما يتعلمه أطفالنا من سلوكنا أكثر بكثير مما سوف يتعلمونه من توجيهاتنا وكلامنا، وذلك مثبت على مر التاريخ في تربية الأبناء، فالقدوة الحسنة هي أفضل مقوِّم لسلوك أطفالنا، مهما كانت سلوكياتهم بالنسبة لنا غريبة وشاذة عما هو متعارف عليه في البر، فانظري لنفسكِ وتذكري أنكِ لم تكوني يوماً ابنة مثالية، ولم تكوني يوماً تلك التي أنتِ عليها اليوم، فأنتِ الآن أم تعرفين كل الصعوبات التي مر بها أهلك في سبيل تربيتكِ وتعليمك وتقويمك، فهم مازالوا أطفالاً يخطئون ويصيبون، ولا ينفكون يوماً عن التعلم، ولم يجربوا أن يكونوا مسؤولين عن طفلٍ يوماً.

لذا دعيني أذكركِ في هذا السياق بالدعاء، الدعاء، فطالما ذكرنا علماء الدين: لا يصلح الطفل كثرة التأنيب والتقويم بقدر الدعوات التي تخفينها لهم كل صباح ومساء بالصلاح والفلاح وحسن الأخلاق، تلك أعظم وصية في تربية الأبناء، صدقيني: الدعاء، وسلوك مسلك القدوة، وحضور القلب المراقب لاطلاع الله على كل أعمالنا، ومن أشرف تلك الأعمال تربية أطفالنا، فما دمنا مستحضرين مراقبة الله علينا، كنا خير قدوة وخير دليل على البر والتقوى وتقويم السلوك ما استطعنا.

رأيتُ في حياتي المهنية في التعامل مع الأطفال في كافة سلوكياتهم غير المرغوبة الكثير، وما رأيت أفضل في تقويم السلوك من أن يكون الآباء والأمهات خير قدوة، وأضف لذلك الحزم ما استطعنا، والمجاهدة، والتصبر، والدعاء.

لربما تجدينها كلمات عامة: بالحزم والتصبر والدعاء، ولكن تحدثنا سابقاً عن السلوك بإسهاب وتفصيل في فصل السلوك، لذا إن كنتِ مازلتِ في حيرة وخوف من تطور سلوكيات أبنائك، فأدعوكِ للاطلاع مرة أخرى على نشرة السلوك وقراءته بتمعن، واتخاذ خطوات عملية حازمة في التعامل معهم ومع نفسكِ أولاً.

"أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يعيننا على حمل الأمانة ويرزقنا بر أطفالنا ويصلحنا وإياهم"

نشرة صبا الزيود البريدية

نشرة صبا الزيود البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات …

المزيد من نشرة صبا الزيود البريدية