|
|
|
أهلاً بكم في عدد جديد من نشرة القرطاس والقلم! 🖋️📖
|
|
|
|
|
|
كان من المفترض أن أرسل لكم هذا العدد من شقتي الجديدة في طوكيو، مسترقة بعض الوقت للكتابة ما بين زحمة المحاضرات وإتمام أوراق إقامتي كطالبة في اليابان والتعرف على ثقافة بلد جديد.
|
|
|
هكذا كان المفترض، لكني لم اجتز امتحان القبول في منحة MEXT اليابانية الذي أجريته خلال صيف 2025، ولهذا، أكتب لكم من المكان نفسه الذي عشت فيه أكثر من عقدين: غرفتي في منزلنا في حلب.
|
|
|
بعد محاولتين متتاليتين للتقدم لمنحة الحكومة اليابانية خلال عامين ونصف من الدراسة الجادة، قررتُ أنني لن أعيد الكرة. حاولت صديقتي أن تشجعني للإعادة مردِّدة مقولة "الثالثة ثابتة" الشائعة في لهجتنا السورية. لكن ماذا لو كانت "الثالثة الثابتة" رفضاً جديداً يقضي على الشغف المتبقي لديَّ؟
|
|
|
والحقيقة أنني عندما تلقيت رسالة الرفض في يوليو/حزيران 2025 عانيت سأماً شديداً. وصرت أرى التكرار في كل مكان، فلا جديد تحت الشمس؛ لا الكتب ولا محتوى الشاشات ولا أي محادثة مع العائلة أو مع الصديقات كانت تحتوي جديداً مثيراً بالنسبة إليَ.
|
|
|
استغرقتُ وقتاً للتعافي ورؤية العالم ملوناً من جديد، وأثناء ذلك تنامى لديَّ فضول حول "الملل"، فقد لاحظتُ "ترويجاً" حديثاً ومتزايداً للملل اليوم بوصفه شعوراً إنسانياً مهماً. في حين أنه منذ سنوات قليلة فقط لم يكن يتلقى هذا الاهتمام. فما هو الملل حقاً وما المقدار المناسب أو "الجرعة" الصحيحة التي نحتاجها منه حتى يفيدنا ولا يضرنا؟
|
|
|
ما هو الملل ولماذا نشعر به؟
|
|
|
تُعرِّف مصادر علم النفس الملل بأنه "حالة ذهنية تتسم بنقص الاهتمام أو التحفيز أو التحدي. ويتجلى لدى كل منا بأشكال متنوعة، منها التململ واللامبالاة وفقدان الاهتمام".
|
|
|
ويمكن أن ينجم الملل عن نقص التحفيز الخارجي، أو نتيجة عوامل داخلية، مثل نقص الحافز أو الهدف. وقد ينشأ من المهام الروتينية أو نقص التجديد. أو من عدم تحقُّق التوقعات، أو التناقض بين رغباتنا وواقعنا الحالي.
|
|
|
فوائد الملل ودوره في الإبداع
|
|
|
في فيديو حصد أكثر من 14 مليون مشاهدة على يوتيوب خلال أشهر، يتحدث البروفيسور آرثر سي. بروكس من جامعة هارفارد، عما يحصل في أدمغتنا عند الشعور بالملل.
|
|
صورة الفيديو الذي بقي لأشهر في "مقبرة" المشاهدة لاحقاً :)
|
|
|
عندما لا يكون لدينا ما ننشغل به على الإطلاق، يُفعِّل في الدماغ ما يُسمى بـ"شبكة الواقع الافتراضي" (default mode network) وهو -بتبسيط شديد- نظام تفكير يدفعنا إلى طرح أسئلة صعبة حول المعنى والغاية وما هو مهم حقاً في حياتنا.
|
|
|
على سبيل المثال، إذا نسيت هاتفك وكنت تنتظر عند إشارة المرور، فستُفعّل شبكة الوضع الافتراضي لديك. لكن هذا يروق لنا، فالبشر يميلون بطبعهم لتجنب الملل بأي ثمن بسبب الأسئلة الوجودية الصعبة التي تنبثق منه!
|
|
|
في تجربة كلاسيكية شهيرة، خُيِّر المشاركون ما بين الجلوس مع عدم القيام بأي فعل على الإطلاق، وضغط زر يعرضهم لصدمة كهربائية طفيفة، ففضلت أغلبيتهم الألم على الملل!
|
|
|
من جهة أخرى، فإن الملل يمكن أن يكون مفيداً في تحفيز الإبداع وحل المشكلات، وهي مهارات مهمة في مجالات العمل جميعها.
|
|
|
فقد تسبب الإغلاق خلال جائحة كوفيد 19 إلى شكوى عالمية من الملل، لكنها سرعان ما ساعدت كثيرين على استكشاف أفكار واهتمامات جديدة وتأمل قيمهم وأهدافهم. وبهذا المعنى، يمكن اعتبار الملل فرصة للوعي الذاتي وتطوير الذات.
|
|
|
إعادة اكتشاف الملل في عصر التشتت
|
|
|
بالنسبة لكثيرين منا، كانت فترة الطفولة هي أكثر فترة "إبداعية" من حياتنا، كنا نملك القليل لكننا قادرين على اختراع ألعاب وتسالي من لا شيء، بينما كان أكثر ما نملكه هو "الوقت".
|
|
|
تغيُّر أنماط الاستهلاك هو أصل المشكلة برأي Jon، فلكل منا اليوم هاتفه الذكي الذي يبقيه متصلاً بالعالم في كل لحظة وبمحتوى لا ينتهي، بما في ذلك المحتوى منخفض الجودة المصنوع بالذكاء الاصطناعي (AI Slop). وهذا التحفيز المستمر، يصيبنا بالتشتت ويفقدنا لحظات الفراغ اليومية التي ينبثق منها الإبداع.
|
|
من هنا بدأت فكرة العدد (لاحظ نظرة الاستمتاع على وجه جون..)
|
|
|
والحل الذي يقترحه كل د. بروكس وجون هو أن تخصص موعداً يومياً للملل، يُشترط فيه ألا تفعل شيئاً على الإطلاق لمدة 15 دقيقة مثلاً. ويؤكدان أنه مهما كان هذا التمرين مزعجاً في البداية إلا أن عوائده تستحق.
|
|
|
لكن احذروا! الملل يمكن أن يكون مضراً
|
|
|
من الضروري التنبيه على أن مديح الملل اليوم وتحوله إلى حالة نادرة لا يعني أنه شعور بريء بالكامل، فقد ربطت دراسات عديدة بينه والميل إلى إيذاء النفس بطرق متنوعة، خاصة عندما يستمر الملل فترات طويلة.
|
|
|
الخلاصة: الملل قليله نافع وكثيره مضر
|
|
|
يمكن ترجمة "الملل" بمفهومه المعاصر بأنه "كسل" محمود؛ استراحة ذهنية مؤقتة الهدف منها الابتعاد قليلاً عن الصخب الرقمي ومواجهة النفس بأسئلة تشحن الطاقة الإبداعية التي هي جزء مهم من إنسانيتنا لكنها تنفد بسرعة في عصر السرعة.
|
|
|
وهنا يحضرني اقتباس من مقالة لـ"هيرمان هسَّه" بعنوان "فن الكسل" من كتاب يحمل العنوان نفسه. أعتقد أنه مناسب لختام هذا العدد:
|
|
|
|
|
|
”
"طالما احتاج الفنانون إلى شيءٍ من الكسل؛ يعود ذلك إلى حاجتهم إلى فهم التجارب التي اكتسبوها حديثاً وتمثّلها، وإعطاء فرصة للأفكار التي أفرزها اللاوعي كي تنضج، بينما يعود جزء آخر إلى تكريس الفنانين أنفسهم تكريساً لا واعياً لفكرة أن يعودوا أطفالاً مرة أخرى، أن يكونوا أصدقاء وأشقاء الأرض والنباتات والصخور والسُحب."
|
|
|
|
|
دمتم بخير
|
|
|
بسمة أطرش
|
|
|
حلب، سوريا
|
|
التعليقات