أهلاً بكم في عدد جديد من نشرة القِرطاس والقلم! 📖🖋️
لا أدري متى بالضبط تشكل لدي الاعتقاد بأن عليَّ التوقف عن قراءة الروايات، والتركيز على الكتب غير الروائية فقط. والأغلب أن هذه الفكرة بدأت تترسخ في لا وعيي خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً بعد التخرج والانخراط في الحياة المهنية بين التدقيق اللغوي والتدريس وكتابة المحتوى.
ولعل السبب أن بيئات العمل المعاصرة تشجع على التطوير الذاتي المستمر، بما في ذلك قراءة كتب التنمية والإدارة، التي تعدك بأن تصبح أكثر كفاءة ومرونة وإبداعاً. ومع أن أحداً لا يتهم الروايات صراحة بأنها مضيعة للوقت، إلا أن هناك شكوكاً دائمة حول مدى فائدتها أو كونها مجرد وسيط ترفيهي.
لا مشكلة بالطبع في أن تمنح نفسك استراحة عبر قراءة رواية ممتعة، لكن في عصر يدفع الإنسان إلى الإنجاز المستمر -وتحويل كل فعل إلى منشور على لينكد إن!- يشعر كثيرون بتأنيب الضمير كلما خصصوا وقتاً لقراءة لا ترتبط مباشرة بالعمل أو التعلم.
لكن الحقيقة التي فاتتني وكثيرين، أن فوائد قراءة الرواية تتجاوز الترفيه، ويمكن أن تفتح آفاقاً لا تتيحها قراءة الكتب أو مشاهدة الأفلام. بحيث تجمع بين الترفيه والفائدة في وقت واحد (وهكذا يربح الجميع!) وإليك تفصيل ذلك:

أولاً: الروايات تغني رصيدك اللغوي
يبدو أنني لست وحدي من حاولت مقاطعة الروايات. فقد ذكر مارك مانسون، مؤلف كتاب فن اللامبالاة، أنه كان يتجنب قراءة الروايات معتقداً أن وقته ينبغي أن يُستثمر في الكتب "المفيدة"، لكنه عاد إليها أثناء عمله على كتابه لتحسين أسلوبه في الكتابة، ليكتشف أنها قدمت له فوائد لم يكن يتوقعها.
يعرف كل من يعمل بالكتابة أن بناء الثروة اللغوية لا يكون بحفظ القوائم! وإنما بمعايشة بالنصوص الجيدة. والروايات من أفضل هذه النصوص، لأنها تقدم الكلمات والتراكيب في سياق حي يساعد على تذكرها بسهولة.
ولا يقتصر الأمر على اللغة العربية، فالروايات يمكن أن تكون وسيلة ممتازة لتعلم اللغات. في عام 2015 عثرتُ على نسخة من رواية "Pride and Prejudice" لدى بائع كتب على الرصيف، واستغرقت فيها أشهراً، فقد كانت تجربتي الأولى في قراءة عمل روائي كامل باللغة الإنجليزية.
وبهذه الخطوة بدأتُ تقليد "كتاب إنكليزي كل عام" وخلال عقد تحولت القراءة بالإنجليزية من هدف سنوي متواضع إلى عادة طبيعية، وحتى اليوم قرأت عشرات الروايات والكتب بالإنكليزية.

ثانياً: الروايات تعلمك السرد القصصي
قد يظن البعض أن السرد القصصي مهارة يحتاجها الروائيون فقط، لكن الواقع مختلف تماماً. فاليوم تُعد مهارة السرد القصصي من أكثر المهارات المطلوبة لدى كتاب المحتوى، والمحاضرين، والمسوقين، وكل من يعتمد على التأثير في الآخرين وجذب انتباههم.
وبدلاً من القراءة النظرية في كيفية تحويل المحتوى إلى قصة، فإن قراءة الروايات تجعلك تتعلم السرد القصصي عملياً! فتلاحظ كيف يبني الكاتب الشخصيات، ويخلق التوتر، ويؤخر المعلومة، ويقود القارئ إلى النهاية دون أن يفقد اهتمامه.
وليس من المستغرب أن يزداد الاهتمام بهذه المهارة في عصر الذكاء الاصطناعي، فكلما أصبح إنتاج المعلومات أسهل، ازدادت قيمة القدرة على تحويلها إلى قصة.
ثالثاً: تجاوز حدود الزمان والمكان
من أجمل ما تمنحه الرواية أنها تسمح لك بأن تعيش حيوات موازية، وتزور مواقع تاريخية ومعاصرة، وتتعرف إلى أشخاص لم يكن من الممكن أن تلتقيهم في الواقع.
والحقيقة أن ما دفعني إلى كتابة هذه المقالة كان نابعاً من تجربة شخصية حديثة، فبعد سنوات من إهمال الروايات السورية عدت إليها خلال الأشهر الماضية، وانغمست في قراءة عدد منها لأسباب أكاديمية، لكن مشروعي تحول سريعاً إلى اهتمام شخصي.
فعلى الرغم من أنني سورية وعشت جزءاً مما تحكيه تلك الروايات، إلا أنني اكتشفت تفاصيل كثيرة عن تاريخ بلدي ومجتمعي دفعتني للبحث عن مزيد من التفاصيل الرسمية والشفوية، من أحداث سياسية حجبتها الكتب المدرسية، إلى عادات شعبية وخرافات محلية مثل "طاسة الرعبة" و"حمام السوق".
وهذا ما تفعله الروايات الجيدة، فهي لا تقدم المعلومات على هيئة سرد تاريخي، بل تجعلك تعيشها من خلال شخصيات تشعر أنها حقيقية.
رابعاً: قراءة الروايات تنمي التعاطف
قد يكون من السهل إصدار الأحكام على الآخرين عندما نعرف أفعالهم فقط، لكن الرواية تضعنا في مواجهة دوافعهم ومخاوفهم وتناقضاتهم. ومع الوقت، يصبح القارئ أكثر ميلاً إلى فهم الأشخاص قبل الحكم عليهم، حتى عندما لا يبرر تصرفاتهم.
وتدعم هذا الانطباع دراسة وجدت أن قراءة الأدب القصصي ارتبطت بزيادة التعاطف لدى المشاركين الذين انغمسوا عاطفياً في أحداث القصة، في حين لم يظهر هذا الأثر لدى من قرؤوا كتباً غير روائية. وتشير نتائج الدراسة إلى أن الانخراط الوجداني في أحداث الرواية هو العامل الذي يصنع هذا الفارق.
كيف توازن بين قراءة الروايات والكتب؟
أقترح أن تخصص للروايات مكاناً ثابتاً في مخطط قراءتك، كأن تقرأ رواية بين كل كتابين أو ثلاثة كتب غير روائية، أو تقرأها في الفترة المسائية حصراً وبعيداً عن ضغط العمل. وهكذا لن تشعر بأنك تضحي بالتعلم، وفي الوقت نفسه لن تحرم نفسك من أحد أكثر أشكال الأدب قدرة على توسيع الأفق.
صدقتني، قراءة الروايات ليست ترفاً، فإذا كنت تؤجل قراءة رواية ما إلى أن "يتوفر لديك وقت فراغ"، فربما يجدر بك إعادة النظر.
وإذا كنت تبحث عن توصيات لعناوين روائية، فلدي بالفعل مقالتان يمكنهما مساعدتك:
قائمة (متأخرة) لأفضل قراءات 2025
5 توصيات لكتابك المرافق في العيد
كما سيكون العدد القادم عن أفضل ما قرأت في النصف الأول من 2026
وحتى ذلك الوقت.. دمتم بخير
بسمة أطرش
حلب، سوريا
التعليقات