إعادة توجيه |
| 18 فبراير 2026 • بواسطة نافذة • #العدد 61 • عرض في المتصفح |
|
أعزائي القرّاء، مباركٌ عليكم شهرُ رمضان، وأسأل الله أن يجعله شهرَ خيرٍ وبركةٍ عليكم
|
|
|
|
ماذا لو كان أصعب ما في الصيام ليس الجوع بل غياب القهوة؟ |
|
في كل عام، ومع أول أيام رمضان، يكتشف كثيرون أن علاقتهم بالقهوة لم تكن مجرد عادة صباحية عابرة، بل اعتمادًا حقيقيًا تشكّل بهدوء عبر السنوات. الصداع الذي يظهر في اليوم الأول، الخمول غير المتوقع، تقلب المزاج، وصعوبة التركيز كلها أعراض لا تتعلق بضعف الإرادة بقدر ما ترتبط بانسحاب الكافيين من جسد اعتاد عليه يوميًا. |
|
الكافيين يعمل بطريقة ذكية في الدماغ. فهو لا يمنح طاقة حقيقية بقدر ما يعطّل مستقبلات مادة الأدينوسين، وهي المادة المسؤولة عن الشعور بالنعاس. في الساعات الأولى بعد الاستيقاظ، يقلل الجسم هذه المادة طبيعيًا، أي أننا لسنا بحاجة فعلية إلى محفّز فوري. لكن حين نشرب القهوة مباشرة كل صباح، نربط بين الاستيقاظ والكافيين، وبين التركيز والفنجان، حتى تصبح القهوة وكأنها زر التشغيل لليوم بأكمله. |
|
بعض الباحثين في علم الأعصاب، مثل Andrew Huberman، ينصحون بتأخير شرب القهوة ساعتين إلى ثلاث بعد الاستيقاظ، لأن تأثيرها يكون أقوى عندما تعود مستويات الأدينوسين للارتفاع وتصبح المستقبلات فارغة . الفكرة هنا ليست في زيادة الكمية، بل في فهم التوقيت. ومع ذلك، تبقى استجابة الأجسام مختلفة؛ فحساسية الكافيين تتأثر بعوامل جينية وسلوكية، وما يناسب شخصًا قد لا يناسب آخر. |
|
رمضان يكشف هذه العلاقة بوضوح. فالصيام يفرض انقطاعًا مفاجئًا، ويجعلنا نواجه سؤالًا صريحًا هل نحن متعبون فعلًا، أم أننا اعتدنا على تأجيل التعب؟ هل نحتاج القهوة لنركّز، أم أننا لم نمنح أجسادنا فرصة لتتوازن دونها؟ |
|
المشكلة غالبًا لا تكمن في القهوة نفسها، بل في الاعتماد غير الواعي عليها. حين تتحول من خيار إلى ضرورة، ومن متعة إلى شرط للإنجاز، يصبح غيابها مصدر اضطراب. وهنا يمكن النظر إلى رمضان كفرصة لإعادة ضبط هذه العلاقة، لا كعقوبة مؤقتة. |
|
التعوّد على تقليل القهوة في رمضان لا يحتاج إلى قطيعة قاسية. يمكن البدء بتخفيف الكمية . كما أن تنظيم النوم، وشرب كميات كافية من الماء بين الإفطار والسحور، والحركة الخفيفة، كلها عوامل تقلل من الشعور بالإرهاق الذي نظنه مرتبطًا فقط بالقهوة. |
|
بعد أيام قليلة، يخف الصداع. يعود التركيز تدريجيًا. يهدأ المزاج. ويبدأ الجسد في استعادة توازنه الطبيعي. عندها تتغير النظرة القهوة لم تكن مصدر الطاقة بقدر ما كانت وسيلة لتأجيل الإحساس بالتعب. ربما لا يكون الهدف أن نتوقف عن شربها تمامًا. فالقهوة، في النهاية، طقس جميل يرتبط بالهدوء والعمل والدفء الاجتماعي. لكن الفارق الحقيقي يكمن في الاختيار. أن نشربها لأننا نريدها، لا لأننا لا نستطيع البدء من دونها. |
|
في هذا المعنى، يصبح رمضان مساحة اختبار هادئة. ليس فقط لعلاقتنا بالطعام، بل بعاداتنا الصغيرة التي نظنها ضرورية. وعندما ينتهي الشهر، ونعود إلى فنجاننا المعتاد، قد يكون السؤال الأهم ليس كم أحتاج من القهوة؟ بل ما الذي أحتاجه فعلًا كي أركّز وأعمل بعمق؟ |
|
إعداد |
|
عائشه محمد |
التعليقات