من ينقذ المنقذ؟

4 مارس 2026 بواسطة نافذة #العدد 63 عرض في المتصفح
أن يصفك أحدهم بأنك متعاون، وعطوف، فذلك غالبًا ما يُعد مديحًا جميلًا. فنحن نتعلم منذ الصغر أن مساعدة الآخرين قيمة نبيلة، وأن التفكير في احتياجات من حولنا دليل إنسانية.

ماذا يحدث عندما يصبح هذا العطاء مستمرًا على حساب نفسك؟ عندما تتحول تلبية احتياجات الآخرين إلى أولوية مطلقة، بينما تتراجع احتياجاتك أنت إلى الهامش؟

في هذه الحالة قد لا يكون الأمر مجرد لطف زائد، بل ربما ما يُعرف بعقدة المنقذ. وهي نمط سلوكي يشعر فيه الشخص بمسؤولية مبالغ فيها تجاه إنقاذ الآخرين أو حل مشكلاتهم، حتى لو أدى ذلك إلى استنزافه نفسيًا وجسديًا. الشخص هنا لا يكتفي بالمساعدة، بل يستمد شعوره بالقيمة والهدف من كونه الطرف الذي يُعتمد عليه دائمًا. ورغم أن هذا المفهوم ليس تشخيصًا طبيًا رسميًا، إلا أن كثيرًا من المختصين يستخدمونه لوصف حالة يصبح فيها العطاء مرتبطًا بالحاجة الداخلية للشعور بالأهمية.

الفرق بين الطيبة الصحية وعقدة المنقذ يكمن في التوازن. فمساعدة الآخرين أمر طبيعي وجميل، لكن عندما تعجز عن قول لا أو تشعر بالذنب لمجرد التفكيير في وضع نفسك أولًا، أو تتجاهل صحتك وراحتك من أجل إرضاء الجميع، فهنا يبدأ الخلل. قد تجد نفسك تنجذب باستمرار إلى أشخاص يحتاجون إلى إصلاح، وتشعر بأن سعادتهم أو تعاستهم مسؤوليتك الشخصية. وإذا لم يُظهروا التقدير الكافي لما تقدمه، قد يتسلل إليك الإحباط أو الاستياء، رغم أنك في الظاهر ما زلت تؤدي دور الداعم المثالي.

غالبًا ما تتشكل هذه النزعة من تجارب عميقة في الماضي. فقد يكون الشخص مرّ بتجربة فقد أو صدمة وشعر بالذنب لعدم قدرته على مساعدة شخص مهم في حياته، فيحاول تعويض ذلك بإنقاذ الآخرين. أحيانًا تنشأ المسألة في الطفولة، حين يُطلب من الطفل تحمّل مسؤوليات تفوق عمره، فيكبر وهو يعتقد أن قيمته تكمن في رعايته للآخرين. كما أن تدني تقدير الذات قد يدفع البعض للبحث عن الشعور بالأهمية من خلال التضحية المستمرة.

ورغم أن هذا الدور يبدو بطوليًا في البداية، إلا أن نتائجه قد تكون مرهقة. فمع الوقت يتراكم التعب، وتصبح العلاقات غير متوازنة، حيث يعتاد الآخرون على عطائك غير المحدود دون أن ينتبهوا لاحتياجاتك. قد تشعر بالإرهاق أو الغضب المكبوت، وربما تعمل بجهد مفرط لأنك لا ترى ما تقدمه كافيًا أبدًا. هذا الاستننزاف المستمر قد يؤثر في صحتك النفسية ويجعلك تعيش حالة من الإجهاد الدائم.

التغيير يبدأ بالوعي. عندما تدرك أنك تربط قيمتك الذاتية بمدى احتياج الآخرين لك، يمكنك أن تبدأ بإعادة النظر في دوافعك. اسأل نفسك بصدق: هل أساعد بدافع الحب أم بدافع الخوف من فقدان أهميتي؟ من المهم أن تعيد بناء شعورك بقيمتك بعيدًا عن رضا الآخرين. خصص وقتًا لنفسك، لاهتماماتك، لصحتك الجسدية والنفسية، وتعامل مع هذه المساحة كأولوية لا تقل أهمية عن أي التزام آخر. وضع الحدود ليس أنانية، بل احترام للذات. تعلّم أن تقول لا دون شعور بالذنب، وتقبّل أن بعض من اعتادوا على عطائك قد لا يتقبلون هذا التغيير بسهولة. لكن تذكّر أن العلاقات الصحية تقوم على التوازن، لا على التضحية الدائمة من طرف واحد.

في النهاية، يمكنك أن تظل إنسانًا طيبًا دون أن تستنزف نفسك، وأن تكون داعمًا دون أن تتحمل مسؤولية العالم بأكمله. أحيانًا يكون الاهتمام بذاتك هو الخطوة الأولى لتستطيع العطاء بشكل صحي ومستدام. فالقليل من الأنانية الواعية قد يكون في بعض الأحيان ضرورة لا رفاهية. 

إعداد:🖋️ 

عائشه محمد .

ياسر الحكمي1 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة نافذة البريدية

نشرة نافذة البريدية

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة نافذة البريدية