سردية مختصرة |
| 7 يناير 2026 • بواسطة نافذة • #العدد 55 • عرض في المتصفح |
|
لم أندم يومًا على الصمت، لكن لا أحصي كم ندمت على الكلام.
|
|
|
|
تشير دراسات في سيكولوجية الجماعات إلى أن الأفراد داخل المجموعة يميلون إلى حماية تسلسل غير معلن للقيمة. كل خروج عن هذا التسلسل خصوصًا إذا جاء من شخص لا يظهر طموحه يقابل بالمقاومة. ليس لأن الأداء سيئ، بل لأنه يكسر التوقع والتوقع، في البيئات الجماعية، أحيانًا أهم من الحقيقة. |
|
ولهذا، تظهر السخرية لا بوصفها مزاحًا بريئًا، بل كآلية ضبط اجتماعي تعليق عابر، نبرة استهزاء، أو تلميح بأن هذا النوع من الشغل مو للجميع السخرية هنا ليست عن العمل ذاته، بل عن من ينجزه. محاولة لإعادة الشخص إلى موقع أقل تهديدًا، أقل كفاءة، أو على الأقل أقل استحقاقًا. |
|
من زاوية أخرى، يوضح علم النفس أن الهدوء لا يعني الغياب، بل قد يشير إلى ما يسمى الملاحظة الاستراتيجية (Strategic Observation) نمط شخصي يعتمد على قراءة المشهد قبل التدخل. هذا النمط شائع لدى الأشخاص الحذرين، ذوي التنظيم الذاتي العالي، والذين لا يوزعون طاقتهم عشوائيًا.لكن لأن هذا النمط لا يُنتج عرضًا دائمًا، فإنه لا يُكافأ اجتماعيًا بسهولة. |
|
وهنا يظهر التناقض الاجتماعي: |
|
نطالب بالنضج، لكننا نكافئ السلوك الطفولي الصاخب نُمجّد الكفاءة، لكننا نربطها بالضجيج. نقول إن العمل هو المعيار، ثم ننزعج حين ينجح شخص لم يكن مرئيًا كما توقعنا.😀 |
|
ما يحدث في هذه السياقات ليس خلافًا شخصيًا، بل صراع سرديات سردية تقول إن القيمة تُكتسب بالهدوء، العمل، والاتزان وأخرى تصرّ أن القيمة لا تُعترف بها إلا إذا كانت مسموعة، مستفزة، ومعلنة☺️. |
|
الاستنقاص اللطيف |
|
الاستنقاص لا يأتي دائمًا بصوت مرتفع أو إهانة مباشرة. أحيانًا يصل في هيئة دهشة، أو سؤال يبدو بريئًا، أو تعليق عابر مغلّف باللطف. كيف؟ ليش؟ مستغربين!😟هكذا يُمارس الحكم الاجتماعي دون أن يُعلن نفسه. |
|
هذا النوع من التفاعل لا يُقال بقصد الفهم، بل بقصد تثبيت صورة ذهنية جاهزة، وحين تتصدع تلك الصورة، يظهر الاستغراب بدل المراجعة. |
|
من أكثر صور هذا الاستنقاص شيوعًا ما يرتبط بالجغرافيا أو المظهر أو الخلفية الاجتماعية. فبعض البيئات تُختزل ذهنيًا في البساطة أو الجهل أو الانغلاق، لا لأن الواقع كذلك، بل لأن المخيال الجمعي كرّس هذا التقسيم. وحين يظهر شخص يناقض هذا التصور، لا يُستقبل كحالة طبيعية، بل كاستثناء يثير الدهشة. وكأن المعرفة لا تُفترض فيه، بل تحتاج تبريرًا. |
|
هنا يتحول الاستغراب إلى أداة ضبط اجتماعي ناعمة. فهو لا يُقصي صراحة، لكنه يذكّرك بأنك خارج التوقع. لا يقول لك إنك أقل، لكنه يتعامل معك كما لو أن وجودك في هذا المستوى مفاجأة. وهذا ما يجعل الاستنقاص اللطيف أخطر من الإهانة المباشرة؛ لأنه لا يترك مساحة للاعتراض، ولا يمنحك حق الغضب. |
|
في سياق الجماعة، تتضاعف هذه السلوكيات. فسيكولوجية الجماهير تفسر كيف يميل الأفراد داخل المجموعات إلى تقليد بعضهم، وإعادة إنتاج الأحكام ذاتها، ليس بدافع القناعة، بل بدافع الانتماء. التندر الجماعي، تقليد العبارات، أو تحويل الفرد المختلف إلى مادة مزاح، كلها وسائل لتخفيف توتر الجماعة أمام من يخرج عن النسق. الضحك هنا ليس مرحًا، بل محاولة لاستعادة التوازن المفقود. |
|
في مثل هذه البيئات، غالبًا ما يُساء فهم الهدوء. لا يُقرأ بوصفه وعيًا أو حذرًا، بل يُفسَّر على أنه غياب أو ضعف أو قابلية للاستنقاص. بينما تشير الدراسات النفسية إلى أن الشخص الهادئ غالبًا ما يكون أكثر مراقبة للسياق، وأكثر انتقائية في ردود فعله. لكنه في ثقافات تمجّد الضجيج، يصبح الهدوء تهديدًا غير مفهوم. |
|
المفارقة أن كثيرًا من هذه السلوكيات تصدر من أشخاص يفترض أنهم تجاوزوا هذه المرحلة ذهنيًا. العمر لا يعني بالضرورة نضجًا، كما أن الخبرة لا تضمن وعيًا. فبعض الأفراد يكبرون زمنيًا، لكنهم يظلون أسرى تصوراتهم الأولى، يدافعون عنها لا لأنها صحيحة، بل لأنها مألوفة. |
|
الأخطر من سوء الفهم، هو الاستفزاز الذي يولّده الهدوء لدى بعض الشخصيات. فالإنسان الذي لا ينافس على الانتباه، ولا يسعى لإثبات ذاته علنًا، قد يوقظ قلقًا دفينًا لدى من بنوا قيمتهم على الظهور المستمر. وجود شخص غير محتاج للتصفيق، لكنه حاضر، منتبه، يربك معادلة التفوق السطحي. |
|
الاختزال الاجتماعي |
|
في المجتمعات الصغيرة، لا يُساء فهم الصمت بقدر ما يُساء الظن به. فالفرد الذي لا يرفع صوته، ولا يتقدم الصفوف، ولا يعلن حضوره بالضجيج، يُصنَّف سريعًا هادئ زيادة عن اللزوم، وكأن الهدوء خلل، أو نقص في التفاعل، أو فراغ يجب ملؤه بشيء ما هذا الحكم لا يصدر عادةً عن مراقبة دقيقة، بل عن قلق جماعي من كل ما لا يمكن قراءته بسهولة. |
|
المفارقة أن الشخص ذاته، حين يُظهر رأيًا، أو يتحدث بطلاقة، أو يتصرف بثقة في لحظة غير متوقعة، يُقابل بدهشة حقيقية ما توقعتك كذا . وكأن المجتمع لا يرى في الإنسان إلا الصورة التي رسمها له مسبقًا، وأي خروج عنها يُعد خرقًا غير مريح. |
|
في علم النفس الاجتماعي، يُفسَّر هذا السلوك بما يُعرف بـ الاختزال الاجتماعي (Social Simplification) ميل الجماعات إلى تصنيف الأفراد بسرعة لتقليل الجهد المعرفي. فالإنسان الهادئ يُختزل في صفة واحدة، وتُلغى باقي أبعاده ذكاؤه، ملاحظته، حضوره غير الصاخب، وقدرته على الفعل حين يقرر ذلك الهدوء هنا لا يُقرأ بوصفه اختيارًا، بل يُفسَّر كعجز. |
|
في النهاية شخصياً للأسف يبدو هدوئي مستفزًا للبعض. ليس لأنه فراغ، بل لأنه لا يمنحهم ما اعتادوا عليه الانتباه السريع، ردّ الفعل الانفعالي، أو الحاجة الدائمة لإثبات الذات. عملي لا يسمح لي بأن أكون ردّة فعل، بل فاعلًا محسوبًا، ولا يترك لي رفاهية الانجرار وراء الضجيج الاجتماعي. أنا هادئة لأنني أعمل في مساحات تُدار بالعقل لا بالانفعال، وبالقراءة لا بالاستعراض. ومن يخطئ في تفسير ذلك، لا يسيء فهمي فقط، بل يكشف عن حاجته لأن يُرى قبل أن يُفهم ومع هذا الهدوء يقف أحيانًا المختل بجوارك،ولست أريد أن يرضى عنِّي جميع الناس فرِضا الناس غاية لا تنال . |
|
🖋️إعداد |
|
عائشه محمد |
التعليقات