دراما الإنسان خلف الفكر. |
| 5 نوفمبر 2025 • بواسطة نافذة • #العدد 47 • عرض في المتصفح |
|
نتصور الفلاسفة ككائنات من نور يعيشون في عالم منطق خالص لا يعترفون بالعواطف ولا يعرفون التناقض نقرأ كلماتهم فنظن أن عقولهم لا تخطئ وأن حياتهم مرآة صافية لأفكارهملكن هل يمكن للعقل أن يعيش بمعزل عن القلب وهل يستطيع الفيلسوف أن يكون إنسانا كاملا وهو يحاول فهم الإنسان.
|
|
|
|
الحقيقة أكثر التباسا مما نتصور فخلف كل فكرة كبيرة إنسان صغير يتعثر في شهواته وضعفه يحاضر في الصدق بينما يخفي سرا وينادي بالحرية وهو أسير خوف قديم. |
|
في القرن العشرين لم يعد الناس يكتفون بقراءة كتب الفلاسفة بل بدأوا يفتشون في تفاصيل حياتهم كما لو أن الحقيقة لا تكتمل إلا إذا عرفنا كيف عاش أصحابها. |
|
ظهر كتاب مثل بول جونسون في كتابه المثقفون ونايجل رودجرز وميل ثومبثون في جنون الفلاسفة يروون كيف يمكن لعقل عظيم أن يسكن روحا مضطربة وكيف يمكن لمن يكتب عن الفضيلة أن يعيش ضدها تماما. |
|
لكن الفيلسوف الفرنسي فرانسوا نودلمان في كتابه عبقرية الكذب لم يرد أن يفضح بل أن يفهم أراد أن يعرف لماذا يكذب الفلاسفة لا على الناس فقط بل على أنفسهم أيضا. |
|
فهل الكذب خطأ في الفكر أم غريزة في البقاء وهل يمكن لمن يبحث عن الحقيقة أن يعيش عاريا منها. |
|
حين تكتب الفلسفة لتخفي الحقيقة |
|
يقول نودلمان إن اللغة الفلسفية بكل تجريدها وأناقتها تخفي في داخلها نزعة إنسانية خائفة فالمنطق في أحيان كثيرة ليس إلا محاولة لترويض الفوضى التي تعيش في الداخل. |
|
فهل نحن نكتب لنكشف الحقيقة أم لنغطيها بما يكفي كي نحتملها لهذا لا يكفي أن نقرأ ما يكتبه الفيلسوف بل يجب أن نعرف كيف يعيش ما كتب خذ مثلا جان جاك روسو الذي ملأ الدنيا حديثا عن الصدق والطهارة وكتب اعترافاته وكأنه يفتح قلبه للعالم ومع ذلك ترك أبناءه الخمسة في ملجأ ثم ألف كتابا ضخما عن التربية عنوانه إميل كان يتحدث فيه عن الأب المثالي في حين أنه لم يكن أبا على الإطلاق. |
|
ربما لم يكن روسو منافقا بل كان يحاول أن يغفر لنفسه بالكتابة أن يعيد عبر الكلمات ما فقده في الحياة فهل الكتابة اعتراف أم تبرير وهل يمكن للورق أن يتحمل ما لا نستطيع نحن احتماله. |
|
فوكو الحقيقة التي لم تقل |
|
أما ميشيل فوكو الذي كرس فكره لفضح أنظمة السلطة والحقيقة فقد أمضى سنواته الأخيرة يخفي إصابته بمرض الإيدز في الوقت الذي كان يعلم تلاميذه معنى شجاعة قول الحقيقة كان يخوض صمته الخاص كأنه يخشى أن تصبح حياته دليلا ضد فلسفته هل كان فوكو يخون فكره أم كان يحمي هشاشته الأخيرة لم يكن كاذبا بل إنسانا عاجزا عن مواجهة هشاشته كان يعيش صراعه بين الفيلسوف الذي يحلل كل شيء والرجل الذي لا يحتمل أن يحلل. |
|
سارتر وبوفوار الحرية التي تتعثر بالحب |
|
الفيلسوف جان بول سارتر كتب عن التزام المثقف وعن مسؤولية الكلمة في وجه الظلم لكنه نفسه عاش الحرب دون بطولة تذكر ثم عاد ليعوض صمته بالخطابة والنضال فهل كان يسعى للحق أم للمصالحة مع ذاته كأن ضميره لم يحتمل أن يظل متفرجا فقرر أن يصبح صوت المقاومة ولو متأخرا وشريكته سيمون دي بوفوار التي نادت بتحرر المرأة في كتابها الشهير الجنس الآخر كانت في حياتها غارقة في حب جعلها تكتب لعشيقها سأكون مطيعة طاعة المرأة العربية جملة واحدة كفيلة بأن تربك نظرية كاملة فهل كانت الحرية التي بشرت بها نظرية فكرية فقط أم كانت حلما لم يتحقق حتى لها لم تكن بوفوار منافقة بل امرأة وقعت في التناقض الذي يقع فيه كل من يحب حين تتحدث عن الحرية وهي مستسلمة لها وحين تكتب عن الاستقلال وهي تتعلق بآخر كأنه أوكسجينها الوحيد. |
|
الكذب بوصفه نجاة |
|
نودلمان لا يرى الكذب خطيئة فكرية بقدر ما يراه آلية بقاء فكل إنسان يكذب بطريقة ما ليحمي نفسه من هشاشته الفيلسوف يكذب حين يجعل من نظريته قناعا يحميه من واقعه والعاشق يكذب حين يقول نسيت وهو ما زال يحلم والكاتب يكذب حين يتظاهر بأنه يفهم الحياة بينما هو يحاول النجاة من ألمها فهل نحن نكذب لأننا ضعفاء أم لأننا نحاول أن نصمد في وجه الحقيقة الكذب كما يراه نودلمان ليس دائما عدو الحقيقة بل ظلها الملتصق بها فلا أحد يستطيع أن يواجه ذاته عارية بلا حماية حتى الفلاسفة الذين كتبوا عن الشجاعة. |
|
الصدق ترف لا يحتمله الجميع |
|
ومع ذلك يبقى الصدق هو الامتحان الأصعب لأنه لا يطلب منك أن تقول الحقيقة فقط بل أن تعيشها أن تكون أنت وما تفكر به شيئًا واحدًا لكن من يحتمل أن يرى نفسه بلا أقنعة من يقدر أن يعيش في ضوء لا ظل فيه ربما كان جوردن بيترسون محقًا حين قال إن الكذب يبدأ صغيرًا ثم يتحول إلى شبكة معقدة من الأوهام حتى يعيش الإنسان في واقع اخترعه بنفسه وفي النهاية يصطدم بالحائط الذي أنكره طوال الوقت فلا ينهار الحائط بل ينهار هو. |
|
لم يكن الفلاسفة ملائكة ولم تكن حياتهم فصولا منطقية لكتبهم كانوا بشرا يبحثون مثلنا عن معنى يتناقضون يخطئون ويكتبون ليغفروا لأنفسهم فهل يجب أن نغفر لهم تناقضهم أم نحمدهم لأنهم جعلونا نرى حقيقتنا من خلالهم الفلسفة ليست نقيض الحياة بل انعكاسها وكلما حاولت أن تنكر ضعفها تكشفه أكثر ربما لهذا نحب الفلاسفة لأنهم يذكروننا أننا يمكن أن نكون عظماء بالفكر ومتناقضين بالإنسانية في الوقت نفسه |
|
إعداد |
|
عائشه محمد. |
التعليقات