من فضلك لا تخاف من التفكير؟
"ما تقعدش تفكر كتير"... كثير منا ما يتلقى هذه النصيحة في أوقات مختلفة من حياته. وكأن جلوسك للتفكير مع نفسك في بعض الأوقات يسبب لك المتاعب والمشكلات. كيف إذن تتطور أفكارك ووجهات نظرك في المواضيع المختلفة؟ كيف تفكر في المشكلات التي تواجهك؟ كيف تتعامل مع تحديات الحياة بشكل عام إذا كنت لا تستطيع أن تمضي بعض الوقت فقط مع نفسك تفكر؟
أصبحت تشغلني تلك الفكرة لوقت طويل. أشعر أن هناك نقمة يمر بها الإنسان في هذه الحقبة من الزمن، تتمثل في عدم الاكتراث بالوقت المخصص للتفكير في بعض المواضيع، سواء كان ذلك مع نفسه أو مع الآخرين. وكأن المطلوب منا أصبح فقط أن نستهلك الأفكار التي يقوم بإنشائها الآخرون، ونقوم باستهلاك هذه الأفكار في كافة الصور الممكنة: المقروءة، والمرئية، والمسموعة، دون أدنى مساهمة منا في تلك العملية. أعرف أننا نعيش في ظل عالم أصبح استهلاكيًا بشكل كبير، ولكن أن يمتد ذلك النمط الاستهلاكي حتى إلى داخل عقولنا هو شيء لم أعد أستسيغه.
تعودت منذ زمن طويل أن أضع السماعات في أذني وأنا أقود السيارة، وأتكلم بصوت عالٍ بكافة الأفكار التي تشغلني. توفر السماعة غطاءً جيدًا حتى لا يعتقد المارة حولي في السيارات المجاورة أنني رجل مجنون. وكأن التفكير أصبح من سمات الجنون. في نهاية التسعينات، عندما كنت أنتهي من سنين الدراسة في المدرسة ثم في سنين الجامعة، قبل أن يتغلغل التليفون إلى كافة مناحي حياتنا، كنت أجلس لفترات طويلة مع أصدقائي في المقهى. نتحدث، نلعب، ونتحدث في الكرة، في السينما، في السياسة، في كل ما يدور حولنا في الحياة. تشعبت بنا الحياة، وأخذتنا الدنيا كلٌّ في طريقه. ونسينا أننا كنا نجلس ونتحدث. أصبحنا فقط نرسل إلى بعضنا البعض مقاطع قصيرة نشاهدها على وسائل التواصل الاجتماعي، وتكون بذلك قد عبّرنا عن أفكارنا. فلم تعد تسلبنا وسائل التواصل الاجتماعي قدرتنا على التواصل الاجتماعي مع الآخرين فحسب، بل سلبتنا نحن شخصياً قدرتنا على التفكير، سواء بيننا وبين أنفسنا أو مع أصدقائنا.
أسعى أنا إلى تغيير هذه الأفكار. كل ما أقوم به على وسائل التواصل الاجتماعي هو محاولة بناء منصة نتواصل من خلالها في كافة الوسائط الممكنة. أفكر في مواضيع قد تهمني أو مواضيع أعتقد أنها ربما تهم الآخرين. سأظل أدعو إلى التفكير المنفرد أو التفكير الجماعي وسيلةً للتطور والتقدم وتجنب أخطاء الماضي. أستطيع أن أتذكر العديد من الأمثلة على مشروعات جماعية ساهمت فيها، شاهدتها تتبلور، ولكنها فشلت لأن القائمين عليها لم يتوقفوا للتفكير قليلاً فيما سيحدث من خطوة إلى أخرى.
صديقي، لا تخف. لا تخف من أفكارك، ولا تدع أحداً يدعوك إلى التوقف عن التفكير. ما دام عقلك يعمل، وما دام في صدرك قلب ينبض، فأنت تستطيع أن تفكر وتنتج أفكارًا جديدة. فهي ليست حكرًا على مجموعة معينة من البشر فقط.
هذا مثال على التفكير الذي أعنيه
قمت بإنشاء بودكاست جديد نفكر فيه بصوت عالٍ مع مجموعة من الأصدقاء في موضوع معين. بدأنا في الحلقة الأولى بالتفكير في العلاقات.شاهد الفيديو هنا .

التعليقات