نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #2 - محن أورثت منحًا
محن أورثت منحًا
خطوة نحو الفاعلية:
الفاعلية، كلمةٌ تبدو إدارية حتى تقرأها في سياق حقّ الأمة وواجب العلم، فتجد أنها مصطلح قديم موروث، فالفاعلية والمبادرة هي التي قدّمت صحابة على بعضهم بالسبق والبذل، وهي ما جعل بعض العلماء يتركون أثراً وتراثاً ممتداً، وتكن لهم بصمةٌ في مجتمعاتهم ما زلنا نقرأ أثرها، إذاً فهي مجموعة من الصفات تميّز صاحبها دون تأطير بزمان أو مكان، وتجعل له من الأثر والأجر والفضل ما لا يكون لغيره.
في حِقب الأزمات والفتن وفي خضمّ الشدائد والمِحن، يفترق الناس إلى أنواع شتّى في صورة تعاطيهم مع تحديات هذه الأزمنة، وأهمّ فِئةٍ تشده أبصار عموم الناس لها وتترقّبها، هي فئة طلّاب العلم والعلماء، وكلّ من كان له حظٌ من الوعي والعلم، والأهمّ من ذلك وإن شُغل الناس عن ترقّبهم، فالنقطة المحورية أنّ هذه الفئة لها الأثر الأكبر والحظّ الأوفر من التأثير والإصلاح والتحويل، فتنقسم هذه الفئة إلى فئات عدّة، فئةٌ تموج مع الفتن والأحوال، وفئةٌ تعتزل، وفئٌة تشمّر مستحضرةً عِظم الحِمل.
وكلامنا اليوم عن الإمام الجويني – رحمه الله- إمام الحرمين، إمام نشأ في زمن مضطرب سياسياً ومذهبياً، زمنٌ حدثت فيه العديد من الفتن، إلا إنّ صاحب الهدف العالي والغاية السامية، والعزم المتقد، يجعل غايته نصب عينيه، ويدأب في الوصول والسير دون أن يأبه بما خرج عن دائرة تأثيره، وهذا جليٌّ في حياته رحمه الله.
وُلِدَ الإمامُ -رحمه الله- في نَيْسَابُورَ، ونَشَأَ أوَّلَ ما نَشَأَ على حِفْظِ القرآنِ وتَعَلُّمِ الحديثِ، ثم بَدَأَ رحلةَ طلبِ العلمِ داخلَ مدينتِه، وكانت الفِتَنُ آنذاكَ بين اشتعالٍ وخمودٍ، إلا أنَّ الإمامَ -رحمه الله- صَرَفَ زَهْرَةَ عُمُرِه في طلبِ العلمِ على كلِّ مَن يمكنُ النَّهْلُ من مَعِينِه في نَيْسَابُورَ.
واستمرَّ في ذلك إلى أن تُوُفِّيَ والدُه -رحمه الله-، فقَعَدَ مكانَه للتدريسِ وهو ما زال في مَقْتَبَلِ عُمُرِه، واستمرَّ في التدريسِ والاستزادةِ في الطلبِ إلى أن حَدَثَتْ فِتْنَةٌ مذهبيةٌ عُظْمَى، واشتدَّتْ هذه الفِتْنَةُ حتى أَثَّرَتْ على علماءِ الأشاعرةِ، فخَرَجَ الإمامُ من نَيْسَابُورَ، واستغلَّ خروجَه في البدءِ برحلةٍ طويلةٍ في طلبِ العلمِ، فَجَابَ الأمصارَ والبلدانَ وارتَحَلَ هنا وهناك، وأَخَذَ عن جَمْعٍ كبيرٍ من العلماءِ من شَتَّى العلومِ والفنونِ، ثم وَصَلَ إلى الحجازِ فَلَبِثَ بين مكةَ والمدينةِ يتعلَّمُ ويُعَلِّمُ ويَؤُمُّ الناسَ، فلمَّا هَدَأَتِ الفِتْنَةُ واستَتَبَّتِ الأوضاعُ عادَ إلى نَيْسَابُورَ، وبُنِيَتْ له المدرسةُ النظاميةُ، فدَرَّسَ بها سنواتٍ طِوَالًا إلى أن تُوُفِّيَ -رحمه الله-.
ومَن تَأَمَّلَ سيرةَ الإمامِ وقَرَأَ ما خَلْفَ السطورِ أَدْرَكَ أنَّ الإمامَ -رحمه الله- تعاملَ مع زمنِه ناظِرًا مُستَحضِرًا لهدفِه دون أن تَأْخُذَه رياحُ الفِتَنِ وتُحِيدَه عنه، وكانَ همُّه وشُغْلُه التدريسَ والإصلاحَ ومحاربةَ أهلِ البِدَعِ فيما تَبَيَّنَ له من حَقٍّ حينَها، والحثَّ على طلبِ العلمِ في نفسِه أوَّلًا وفي تلاميذِه ثانيًا.
ومن الحَصَافَةِ الظاهرةِ أنه تعاملَ مع أحداثِ عصرِه بما يَستوجِبُ دون تَهَوُّرٍ مذمومٍ أو هَوَانٍ مُستَهْجَنٍ، فعندما كانتِ الأوضاعُ غيرَ مستقرةٍ مع قدرتِه على التعلُّمِ والتعليمِ استمرَّ في ذلك سنواتٍ غيرَ مُبَالٍ، وبَذَلَ في ذلك وقتَه وجهدَه وما أُوتِيَ من مواردَ وأدواتٍ، فلمَّا استجدَّ من الأحداثِ ما استجدَّ من فِتْنَةٍ مذهبيةٍ وغَلَبَ على ظنِّه أنه لا يَضْمَنُ سلامتَه وقدرتَه على الاستمرارِ في طريقِ العلمِ والتعليمِ، رَحَلَ وسَلَكَ دَرْبًا مختلِفًا كان له الأثرُ العظيمُ في تكوينِ حَصِيلَتِه وبُنْيَةِ فِكْرِه، والتأثيرِ في عددٍ أكبرَ من تعليمٍ وتوجيهٍ، فبَدَأَ رحلتَه في طلبِ العلمِ خارجَ أسوارِ نَيْسَابُورَ، فازدادَ سَعَةَ أُفُقٍ، ونَهَلَ من أفهامٍ وأوعيةِ علمٍ متنوِّعةٍ، وسَخَّرَ له سبحانَه أن يُجَاوِرَ في مكةَ والمدينةِ، فنالَ فضلًا عظيمًا بإمامتِه وتعليمِه في الحَرَمَيْنِ فنالَ هذا اللقبَ.
وإذا أَرَدْنا اختصارَ أبرزِ ما أَعَانَ الإمامَ -رحمه الله- على كَوْنِه فَعَّالًا في زمنِه مُؤَثِّرًا فيه وفيمَن بَعْدَه، يمكنُ اختصارُ ذلك بنقاطٍ أساسيةٍ:
أوَّلًا: وُضُوحُ الغَايَةِ وثَبَاتُ البَوْصَلَةِ
ولعلَّ هذه النقطةَ من أَوْلى ما يُرَكَّزُ عليه، فأعظمُ ما يُضِيعُ أصحابَ المعاني الكبيرةِ والقيمِ العُظْمى هو ضياعُ البوصلةِ والتشتُّتُ عن الغايةِ الكُبْرى، فيجدُ الإنسانُ نفسَه مُتابِعًا لكلِّ حَدَثٍ مُنْغَمِسًا في تفاصيلِه عِوَضًا عن انشغالِه بالأثرِ الذي يمكنُ تحقيقُه، والإمامُ الجُوَيْنِي -رحمه الله- كان مِثالًا فَذًّا لهذا التركيزِ.
ثانيًا: التفريقُ بين دائرةِ التأثيرِ وما هو خارجٌ منها
فقد يَسْتَنْزِفُ طالبُ العلمِ طاقتَه وعُمُرَه في الاستغراقِ والتفكيرِ والبحثِ في أمورٍ هي خارجةٌ عن دائرةِ تأثيرِه، ولو بَذَلَ تلك الطاقةَ وذاكَ الفِكْرَ فيما يمكنُه عَمَلُه لكانَ النفعُ عظيمًا، فلم يَخُضِ الإمامُ -رحمه الله- في أحداثِ فِتَنِ عصرِه إلا فيما كان له أثرٌ حقيقيٌّ كمناظَرَةِ أهلِ الباطلِ والتركيزِ على الوعيِ العلميِّ الذي يَقْضِي على هذه الفِتَنِ بشكلٍ غيرِ مُصَادِمٍ.
ثالثًا: استثمارُ أحداثِ الزمانِ دون الاستسلامِ لها
ففي كلِّ زمنٍ صعوباتُه وفِتَنُه، والحَصِيفُ مَن استَثْمَرَ ما يَمُرُّ به ليَقْفِزَ قَفْزَةً مختلِفةً، ففي حالِ الإمامِ الجُوَيْنِي -رحمه الله- حين خَرَجَ من نَيْسَابُورَ مُضطَرًّا لم يَعِشْ في أَلَمٍ يَمنعُه من إكمالِ المَسِيرِ، بل استَثْمَرَ خروجَه في رحلةٍ كان لها الأثرُ العظيمُ عليه كما ذَكَرْنا سابقًا.
ختامًا، فإنَّ الكلامَ في فاعليةِ هؤلاءِ الأئمةِ ليس من بابِ زيادةِ المعلوماتِ كَمًّا، وإنما هو محاولةُ اقترابٍ ومحاولةٌ لنا في الحصولِ على وسائلَ عمليةٍ تُساعِدُنا وتكونُ وَقُودًا لنا في طريقِ الأثرِ والتأثيرِ، ونَخْلُصُ إلى أنَّ فاعليةَ طالبِ العلمِ تُقَاسُ بمِقدارِ ما أَسْهَمَ به من علمٍ وتعليمٍ وإصلاحٍ، لا بمَن تَصَدَّرَ وخَاضَ في أحداثٍ لا تُورِثُ الأمةَ صَلاحًا ورِفْعَةً.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات