الطريق الطويل لا يُقطع بخطوة كبيرة منتظرة!، بل بخطوات متراكمة مستمرّة ، وطالب العلم الذي ينتظر اكتمال الأهبة وانتظام الأسباب، ينتظر ما لن يأتي ولو بعد مدّة، لأن الأسباب لا تتكشّف قبل الخطوة وإنما أثنائها، والأمم التي نهضت لم تنهض بمثالية من نهض بها، بل بمن خطو قبل أن تكتمل لهم الأسباب، فانفتح لهم من الطريق بقدر ما صدقوا في الخطى.
ثمرة التضحيات:
يقولُ ابن الجوزيّ -رحمه الله-: "من عرف ما يطلب؛ هان عليه ما يبذل" فإذا كان المرء يهون عليه ما يبذله بمعرفة شرفه وفضله فقط؛ فكيف إذا رأى ثمرته وأثره حاضرة أمام عينيه؟! عندئذٍ تتضاءل المشاق، وتتلاشى المتاعب، حتى لا يكون لها أثرٌ ولا يبقى لها ذكر!
وهذا هو ما وقع مع شيخنا أبي صهيب -رحمه الله- فقد كانت نتيجة تلك التضحيات مع فريقه الدعويّ ومؤسسته الخيريّة ما يوازي جهد وأثر مؤسسات كبرى جماعيّة؛ فقد بنى الشيخ -رحمه الله- بالتعاون مع فريقه ومؤسسته: أكثر من خمسة آلاف مسجدًا، ووزّع أكثر من سبعة ملايين مصحفا باللغة العربية واللغات الإفريقية، وكفل أزيد من خمسين ألف يتيم، وبنى ما يزيد عن ثمان مئة منشئة تعليمية، وطبع أكثر من تسعة ملايين كتاب باثنين وعشرين لغة، وحفر أكثر من اثني عشر ألف بئر ماء، وأقام مائة وخمسين مخيمًا طبيًا، وتسعين مستوصفًا ومستشفى، وأنشأ أكثر من عشر محطات إذاعية.
وأحسب أن القارئ قد تعب وانقطع نفسه وهو يقرأ هذه الأرقام مجرد قراءة؛ فكيف بأبي صهيب -رحمه الله- وهو يعيشها رقمًا رقمًا، وحدثًا حدثًا، ويومًا يومًا!
ومع ذلك كله؛ فإن ما بقي اليوم ليس التعب، ولا السهر، ولا وعثاء الأسفار، ولا مشقة الطريق، وإنما ذهب التعب، وبقي الأثر والأجر إن شاء الله.
وهذه هي قاعدة الإنجاز في الحياة "التعب منسي" فلا يحملنك خوف التعب المحتمل على ترك المكارم والمعالي؛ فالتعب سينسى، لكن سيبقى الأجر والأثر ثابتًا لا يزول ولا يحول -بإذن الله-.
سِرُّ النجاحِ الخَفيّ:
نعم ربما كان من أسباب توفيق الله لهذا الرجل ووصوله إلى تلك النتائج الكبيرة وهذه الثمار الضخمة، ما أخذ فيه بالأسباب من جهدٍ دؤوب عمليّ وتخطيط مُنظّمٍ مؤسسيّ، إلا أنّ ثمةَ سببٌ خفيٌّ ربما لم يظهر في هذه السيرة إلى الآن، وهو: سرُّ الافتقار والبراءة من حول وقوة النفس إلى توفيق وإعانة الرب.
يحكي الشيخ -رحمه الله- أنّهم وصلوا إلى قبيلة وثنيّة؛ فعرضوا عليهم الإسلام، فقالوا لن نسلم وندخل في دينكم حتى تدعوا لنا ربكم بأن ينزل علينا المطر، فأرضنا مجدبة ولم تنزل عليها قطرة مطر من ثلاث سنين أو تزيد!
وهنا لا مكان للحجة والبرهان ولا لمهارات التفاوض والإقناع، وإنما الأمر كل الأمر بيد الله وحده.
فلم يرَ الشيخ -رحمه الله- لنفسه حينها عند الله مقامًا لا يُردُّ به؛ لسابقته الكبيرة في الدعوة إلى الله، أو للأعداد الغفيرة التي أدخلها لهذا الدين، بل لم يستحضر شيئًا من ذلك البتّة، وإنما ذهب يبتهل ويدعو ويتضرع إلى ربه بكل افتقار وانكسار بألا يخذل هؤلاء عن الدخول في دينه بسبب ذنوبه وتقصيره!
وظلّت دموع الانكسار تنهمر وتنسكب على عينيه، حتى جبر الله ذلك الانكسار بفتحين عظيمين: مطرٍ أحيا الأرض بعد موتها، وإسلامٍ أحيا القلوب بعد غفلتها، وهكذا يصنع الذلُّ والانكسار للواحد الجبّار -سبحانه وتعالى-.
منعطف ما بعد النجاح:
كثير من الدعاة والمصلحين وطلبة العلم والكفاءات لم يكن إخفاقهم في اختبار البذل والتضحية والدعوة، وإنما استزلهم الشيطان في ابتلاء النجاح والمكافأة بعدالبذل والتضحية والدعوة.
فانظر لحال الواحد من أولئك الباذلين حينما تصطك أذناه بسماع حرارة الثناءات والتصفيقات، أو تجهر عيناه بريق الشهرة والفلاشات، أو يسيل لعابه مما يُقدّم له من الهدايا والمكافآت؛ فيتوسّعُ حينئذٍ في تناول ذلك كلّه أو بعضهم مُترخِّصًا أو متأولاً، ثم يخلد ويركن إليها حتى تكاد تنافس دعوته وبذله؛ فتعكّر صفو رسالته أو تفسدها حينئذ من أصلها!
لكن شيخنا أبا صهيب -نحسبه والله حسيبه- كان محترزًا لنفسه في هذا الباب غاية الاحتراز؛ فقد نال أوسمةً عدة وجوائز شتى، وكان من أعلاها جائزة الملك فيصل -رحمه الله- والتي كانت تقدّر في ذلك الوقت بسبع مئة وخمسين ألف دولار -وهو رقمٌ ضخمٌ جدًا على مقاييس ذلك الزمان- فلم يقل حينئذ: هذه جائزة جاءت من غير سعي ولا تطلّب؛ فلا بأس بأخذها والتمتع بها في الحياة الباقية تعويضًا عن تعب السنين الماضية، ولا بأس ولا حرج عليه إن فعل.
لكنّ أصحاب المعالي والرسالة ينظرون إلى الأمور بمنظارٍ آخر، فلا يرون لأنفسهم إلا الأخذ بعزائم الأمور، ويحرصون غاية الحرص أن يحفظوا رسالتهم صافية نقية قدر المستطاع حتى من المباح الذي قد يضعف كمال القصد والنية.
ولذا ما كان من الشيخ -رحمه الله- إلا وأن آخذ الجائزة ودفع مبلغها كاملاً برمّته إلى لجنة مسلمي إفريقيا؛ لتكون جائزة دعوته: بذلاً جديدًا ووقودًا آخر لدعوته وأثره، وكأنّ الشَّاعرَ عناه إذ قال:
أتته المغرياتُ فلم يُردْها *** وراحَ يهشها هشَّ الذبابِ!
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات