نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #11 - حوار مع د. عبدالله بن سالم البطاطي عن تجربته الشخصية مع الكتاب(1/3)
خطوة نحو الفاعلية:
البناء العلمي المتين والعمل الدعوي السديد أصلان لا يفترقان؛ فالعلم بلا بذل ركود، والعمل بلا تأصيل هدرٌ للجهد والأوقات، وكلّ الخير أن يكون العلم قائدك للإصلاح، والإصلاح مذكّياً لعلمك.
تعريف بالخبير:
د. عبدالله بن سالم البطاطي
باحث ومحقق، حاصل على درجة الدكتوراه في أصول الفقه.
له عناية واسعة بالكتب والمكتبات والتراث الإسلامي، وعُرف بالتعريف بالكتب والمؤلفات وقراءتها والتعليق عليها.
الضيف الدائم في برنامج «الخزانة» على قناة زاد.
1- كيف بدأت علاقتكم بالكتاب؟ ومتى تحوّل اقتناء الكتب من هواية مبكرة إلى مشروع علمي ملازم لحياتكم؟
لم تكن العلاقة بالكتاب هواية في الأصل، وإنما هو من توفيق الله تعالى وتيسيره، فقد نشأت في أسرة كريمة صالحة، وبيت خير ودين ولله الحمد، إلا أنها لم تكن بيئة علمية.
وكانت البداية في وجود الكتب الشرعية في بيتنا من موقف لطيف؛ إذ حضرنا مع والدي – رحمه الله – خطبة جمعة في مسجد حيِّنا "مسجد الجمعان"، وكان الخطيب مصريًا، فتحدث عن أهمية أن يكون للإنسان مراجع وكتب يرجع إليها، فطلب منه والدي بعد الخطبة أن يكتب له أسماء كتب نافعة.
فكتب له الخطيب عددًا من كتب الشافعية لأنه شافعي المذهب، كان منها: "الأم" للشافعي، و"فتح الباري" للحافظ ابن حجر، و"المجموع" للنووي، وشرح النووي على مسلم، و"تلخيص الحبير" للحافظ أيضا، وتفسير ابن كثير، والترغيب والترهيب للمنذري، وكلها مصورات لطبعات بولاق القديمة ذات الورق الأصفر، وغيرها.
ولمّا ذهب والدي إلى المدينة اشترى هذه الكتب، وعاد بها في كراتين، ووضعها في البيت في دولابين من زجاج اشتراها لهذه الكتب خاصة، وكانت الكتب عظيمة النفع لكنها أكبر من مستوانا وقدرتنا، كنا صغارًا لا نعرف كيف تُقرأ هذه الكتب، لكنها بقيت أمام أعيننا، نراها صباحًا ومساءً، وكان والدي رحمه الله يقول: "إن شاء الله تقرؤون هذه الكتب إذا كبرتم"؛ فكان لها أثرها في النفس.
ثم لما تخرجت من المرحلة الابتدائية، وكنت من الأوائل، سألني والدي: ماذا تريد؟ فقلت: أريد كتبًا، وكنت قد سمعت من بعض المشايخ ثناءً على كتب معينة؛ فسمعت من يقول عن مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية: إن فيه كل شيء، فقلت بعقل الصغير: إذا اشتريته وقرأته صار عندي كل شيء! وسمعت ثناءً على "زاد المعاد"، و"أضواء البيان"، وغيرهما.
فأعطاني والدي ألف ريال، وذهبت إلى "مكتبة العلم" في جدة، وكانت من أفضل المكتبات وأشهرها، واشتريت أول نواة لمكتبتي: "مجموع الفتاوى"، و"أضواء البيان"، و"السنة" لعبد الله بن الإمام أحمد، و"التوحيد" لابن خزيمة، و"صحيح السنن" و"ضعيف السنن" للألباني، و"تفسير الطبري" بتحقيق أحمد شاكر، وغيرها ولله الحمد.
فكنت أقرأ مقدمات المحققين لهذه الكتب فأفهم كلامهم؛ لأنهم معاصرون، أما إذا قرأت في كلام الأئمة فلا أفهم إلا قليلًا، لكن مع الوقت، ومع سماع دروس العلماء، ولا سيما دروس الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، والمواصلة في طلب العلم؛ بدأت تتكون الصلة العلمية بالكتاب ولله الحمد.
كانت هذه البداية؛ ثم استمر العلم – ولله الحمد والمنة – بزيارة المكتبات أسبوعيًا، وشراء ما تيَّسر من الكتب، وكان معرفتي بالكتب تأتي بالكتب تأتي من طريقين: الأول: ثناء المشايخ المعاصرين على بعضها
الثاني: ما أجده في المصنفات من الإشادة بكتاب أو دلالةٍ على أهميته، فإنَّ الكتب يدلُّ بعضُها على بعض.
ومع طلب العلم صار جمع الكتب خادمًا للتحصيل لا مجرد تكديس، وإذا توسعت المدارك تنوعت الموارد.
فالأساس في هذه العلاقة لم يكن حب الجمع لذاته، بل طلب العلم، والفرق كبير بين طالب العلم والكتبي؛ فالكتبي قد يجمع الكتب هوايةً ورغبةً، وربما لا يدري ما فيها، أما طالب العلم فيبني نفسه علميًا، ثم تكون الكتب خادمة لقراءته وبحثه وتحقيقه ومراجعته للمسائل.
2- كيف يوازن طالب العلم بين امتلاك كتب كثيرة، والانتفاع بمكتبته؟
هنا أمور ينبغي التنبه لها؛ منها:
1- ينبغي أن تكون مكتبة طالب العلم أكبر من علمه، لتتوسع مداركه ويرتقي علميًا.
2- الكتب أمينة في حفظ العلم لا تتبدل ولا تتغير مع الزمن، ولهذا كان أئمة الحديث يقدمون ضبط الكتاب على ضبط الصدر، ويجعلون "الحافظ" نوعان: حفظ الكتاب، وحفظ الصدر، والأول منها أكثر أمانًا وطمأنينة إذا ضبط أصول كتابه.
3- لا تلازم بين اقتناء الكتاب وبين قراءته كاملًا، فالاقتناء شيءٌ والقراءة شيءٌ آخر، وكما يقول الأصوليون: "الجهة منفكَّة"، وذلك أن الحاجات إلى الكتاب متنوعة وقراءته كامًلا أحد هذه الحاجات.
4- ما لا تقرؤه اليوم قد تقرؤه غدًا، فلا تيأس فالمصلحة من اقتناء الكتاب محفوظة، ومن الخطأ أن يحكم الطالب على نفسه بأنه لن يقرأَ الكتاب.
5- أن الكتب تختلف في طبيعتها من كتاب إلى آخر، فبعض الكتب تراد للحفظ، وبعضها للدرس، وبعضها للمراجعة، وبعضها يقرأ مرارًا، وبعضها يقرأ مرة واحدة ويكفي، وغير ذلك.
فليس صحيحًا أن يقول طالب العلم: ما دمتُ لن أقرأ الكتاب كاملًا؛ فلن أقتنيه!
6- هناك كتبٌ نفيسة لكبار الأئمة، وطبعاتها جيدة، وفَوَاتُها فواتٌ للعلم، والتفريط في اقتنائها تفريطٌ في التحصيل، لأنها من حاجات العلم وإن لم تكن من حاجة الطالب.
ومع ذلك، لا يكون جمع الكتب بديلًا عن طلب العلم، الأصل أن يتأسس طالب العلم، ويقرأ، ويتعلم، ويأخذ عن المشايخ، ثم تكون مكتبته معينة له على ذلك، وكثرة المراجع للمسألة الواحدة لها أثر كبير في تثبيت اليقين العلمي؛ فمراجعة المسألة في كتابين مثلًا؛ ليست كمراجعتها في عشرين كتابًا، لأن سعة النظر تمنح الباحث طمأنينة أكبر إلى النتيجة التي يخرج بها.
فالميزان الصحيح: لا تجعل الكتب مجرد زينة، ولا تجعل القراءة شرطًا لكل اقتناء. اجعل المكتبة خادمة لمشروعك العلمي، ومرجعًا لأبحاثك، وعونًا لك على التحقيق والمراجعة.
3- كثير من طلاب العلم يحتارون بين الطبعات المختلفة للكتاب الواحد، فما القواعد العملية لاختيار الطبعة الأنفع؟
هذا سؤال مهم؛ وفيه أنك سألت عن "الطبعة الأنفع" وليس عن "الطبعة الأجود" وبينهما فرق؛ إذ لا تلازم بينهما، فليس بالضرورة أن تكون "الأجود" هي "الأنفع" وإن كان اجتماعهما مطلبًا.
خذ مثالًا على ذلك: "مسند الإمام أحمد"، فإن الطبعة الأجود هي إما طبعة المكنز الإسلامي أو طبعة دار التأصيل – وهي نفيسة -، وأما الطبعة الأنفع للباحثين والدارسين وغيرهم فهي طبعة مؤسسة الرسالة؛ لأنها خدمت المسند بالتخريج والعزو والتعليق والحكم على الروايات، وبيان العلل، وتتبع الطرق والشواهد، والجواب على مختلف الحديث ومشكله، وغير ذلك.
فهي في غاية النفع والإفادة؛ لما فيها من تقريب العلم، واختصار الوقت.
نعود للكلام عن معرفة الطبعة الأجود؛ فأقول: معرفة الطبعات ملكة تتكون بالتجربة وطول الممارسة، وليست أمرًا يحصل دفعة واحدة، في البدايات كنا نشتري طبعات رخيصة وتجارية، ثم عرفنا مع الوقت أن كثيرًا منها سقيم أو ناقص أو غير مخدوم، والتعلم في هذا الباب لا يكون غالبًا إلا بالتجربة، والمقارنة.
وطريق ذلك أن ينظر الطالب في جودة التحقيق، وسلامة النص، وضبط العبارات، ومقدار خدمة الكتاب، فإذا قرأ في طبعة فوجد اضطرابًا في الكلام، أو ركاكة في العبارة، أو خللًا في النص، فالأصل أن يتهم الطبعة أو المحقق لا الإمام المصنف؛ لأن كلام الأئمة غالبًا له نسق ومستوى وعندها يبدأ الطالب في البحث والمقارنة.
ومن القواعد كذلك سؤال المختصين لا مجرد المشهورين؛ فليس كل عالم متخصصًا في معرفة الطبعات والتحقيق، هناك من له خبرة بالمطبوعات، ويعرف الطبعات السقيمة، والطبعات الناقصة، والطبعات المسروقة، والطبعات المتقنة.
ومع الزمن يعرف الطالب أسماء المحققين الجادين، ودور النشر التي تحرص على سمعتها، كما يعرف من يغلب على أعماله التسرع أو التجارة، وبعض الأسماء تكون علامة جودة؛ إذا رأيتها على الكتاب اطمأنَّ القلب إلى جودة العمل في الغالب.
لكن لا يكفي أن يكتب على الكتاب: "حُقّق على نسخ خطية"، فقد يدعي بعضهم ذلك، ويكون مجرد دعوى لا حقيقة لها؛ إذ لا يعدو عمله أن يكون مجرد إعادة صفٍّ للكتاب من طبعة قديمة.
4- ما أبرز الأخطاء التي يقع فيها طلاب العلم عند شراء الكتب أو بناء مكتباتهم؟
من أبرز الأخطاء أن ينطلق طالب العلم وراء الصيحات والرواج المؤقت لبعض الكتب، وكأنها "ترندات" علمية، وقد يكون الكتاب نافعًا بالفعل، لكن لا ينبغي أن يقدم على الأولويات.
أول ما تُبنى عليه مكتبة طالب العلم هو الأصول والأمهات في كل فن، فهي اللبنة الأولى، وما بعدها تابع لها.
ومن الأخطاء أيضًا الإغراق في كتب المعاصرين أو الكتب الجانبية مع ترك الكتب الأصيلة، فقد يشتري الطالب فروعًا كثيرة، ثم يكتشف بعد مدة أن مكتبته تفتقر إلى الأمهات، والمطلوب أن يبدأ بالكتب الكبرى المعتمدة في كل باب، ثم يتوسع بعدها فيما يخدمها أو يفرع عليها.
ومن الأخطاء التفريط في الطبعات الجيدة إذا تيسرت، خاصة في الكتب الأصيلة. فالكتاب إذا كان أصلًا في بابه، وطبعته جيدة، وسعره مناسب، فلا يفرط فيه الطالب؛ لأن بعض الطبعات إذا فاتت عزّ تحصيلها بعد ذلك، وقد يندم الطالب عليها.
أما مسألة السعر، فليست هي موضع الندم الحقيقي، فقد يشتري الإنسان كتابًا ثم يجده بعد ذلك بسعر أرخص، وهذا يحدث كثيرًا، ولا ينبغي أن يتحسر عليه؛ فالمال ذهب في كتاب.
إنما الندم الحقيقي أن يشتري كتابًا لا يسوى، أو يترك أصلًا نفيسًا ثم لا يجده.
5- هل الأفضل لطالب العلم أن يكثر من شراء الكتب مبكرًا، أم يقتصر على ما يدرسه ويحتاجه في مرحلته؟
لا بد لطالب العلم أن يقتني كتب مرحلته، لأنها تخدم ما يدرسه الآن، وتجعل قراءته قريبة ومباشرة، لكن لا يلزم أن يقتصر عليها وحدها، فإذا وسع الله عليه، ووجد كتبًا أصيلة وطبعات جيدة، فليحرص عليها، ولا يبخل على نفسه، فاليوم قد يكون قادرًا، وغدًا لا يدري ما يكون.
المهم أن تكون النية صالحة، وأن تكون الكتب في طريق العلم وخدمته، فما يشتريه الطالب اليوم قد ينتفع به هو، أو ينتفع به ولده، أو من يأتي بعده، والكتاب إذا دخل في مكتبة طالب علم بنية صالحة فهو إلى خير إن شاء الله.
لكن ينبغي التنبه إلى أن طالب العلم، خصوصًا الباحث، لا يفرط في الطبعات المخدومة علميًا؛ لأن فيها قيمة لا تقتصر على النص وحده، بل تشمل التخريج، والتعليقات، والفهارس، والتنبيهات، والمقدمات العلمية، أما المختصرات أو الطبعات المجردة من الحواشي فقد تصلح لمن يريد قراءة النص فقط، لكنها لا تغني طالب العلم والباحث عن الطبعات المحققة المخدومة.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات