نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #14 - مُدارَسَة العِلم
خطوة نحو الفاعلية:
تحصيل العلم وتثبيته له طرائق؛ وطالب العلم أفقر ما يكون إلى بيئةٍ صالحة تُذكّره إذا نسي، وتأخذ بيده إذا فتر، فعلى كلّ صاحب هم أن يستزيد ممن يحملون همًا كهمّه فيؤازرونه ويثبتونه ويرافقونه في الطريق.
الحمد لله حمدًا لا ينفَد، والصلاةُ والسلامُ على نبيِّنا محمد، أما بعد:
فقد قال صلى الله عليه وسلم: "ما اجتمع قومٌ في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفَّتهم الملائكة، وذكَرَهم الله فيمَن عندَه".
قال الرَّمْلي: أي: يشتركون في قراءة بعضِهم على بعض وكثرةِ دَرْسِه ويتعهدونه؛ لئلا يَنْسَوْه. وقال ابنُ الملَك: هو قراءةُ بعضٍ معَ بعضٍ تصحيحًا لألفاظه، أو كشفًا لمعانيه.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم أجودَ الناس، وكان أجود ما يكون في رمضان حين يأتيه جبريلُ فيُدَارِسُه القرآن".
قال ابن حجر في الفتح: أي أن كلًّا منهما كان يَعْرِض على الآخِر. وقال العَيْنيُّ في العمدة: أي: يتناوبان فِي قِرَاءَة الْقُرْآن.
وعن أبي هريرة وفاطمةَ رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم أنَّ جبريلَ كان يُعارِضه القرآن.
وعن أنسٍ رضي الله عنه قال: "كنَّا نكون عند النبي صلى الله عليه وسلم فنسمعُ منه الحديث، فإذا قُمْنا تذَاكرْناه فيما بينَنَا حتى نحْفَظَه".
وروى الطبري في تفسيره بسنده عن ابن زيدٍ قال: كان عمرُ بن الخطاب رضي الله عنه إذا صلَّى السُّبْحةَ وفرغ، دخل مِرْبدًا له، فأرسلَ إلى فتيانٍ قد قرؤوا القرآن -منهم ابن عباس وابن أخي عُيَيْنَة- فيأتون فيقرؤون القرآن ويتدارسونه، فإذا كانت القائلةُ انَصَرَف.
وفي فتح المغِيثِ للسَّخاوي: "حِفْظُ سَطْرَيْن خيرٌ من كتابة وِقْرَين، وخيرٌ منهما مُذاكرَةُ اثنَين".
هذه الأحاديث والآثار -كما تَرَى- تكرَّرَ فيها أمرٌ في غايةِ الأهميةِ لطالب العلم، وهو (مدارسةُ العلم ومُذاكرتُه).
وهذان اللفظان (مدارسة ومذاكرة) على زِنَةِ (مُفَاعَلَة) وهي في الأصل تَدُلُّ على التَّشارُكِ بين اثنَيْن فأكثر، كالمقاتلة، والمخاصَمَة، والمشاركة، والمنافَسة، ونحوِ ذلك.
وقد تخرج عن هذا الأصل فتأتي المفاعلة من الواحد، كالمعاودة، والمعاقبة، والمضاعفة.
والمدارسة والمذاكرة تأتي على المعنيين جميعًا:
فمن المعنى الأول: الأحاديث والآثار السابقة.
ومن المعنى الثاني: قول الخليل: "كُنْ على مدارَسَةِ ما في صدْرِك أحرصَ منك على مُدَارَسَةِ ما في كُتُبِك".
والمقصود في هذه المقالة المعنى الأول وهو التشارك، فعلى ذلك يقال:
المدارَسَةُ والمذَاكَرَة: تعاهُدُ المتعلمِ مسائلَ العِلْمِ مع إخوانِه ومُراجَعَتُها معهم.
وهذه الطريقة لها منافع، من أهمها:
حصول الأجر بالاجتماع على الخير.
وتثبيتُ العلم.
والازديادُ منه.
وتفتيقُ الذِّهن.
قال الفراهيدي رحمه الله: "ذَاكِرْ بعِلْمِك تَذْكُر ما عِنْدَك، وتستفيد ما ليس عِنْدَك".
وقال ابن المعتز: "مَنْ أكْثَرَ مُذاكرَةَ العلماء لم يَنْسَ ما عَلِمَ، واستفاد ما لم يَعْلَم".
ولهذا كان أصحابُ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ومَن تَبِعهم بإحسان يُكثِرون من المدارسة جِدًّا، ويَحُثُّون عليها، حتَّى إن الدَّارِمِيَّ رحمه الله في سنَنِه بوَّب لها بابًا فقال: (باب مذاكرة العلم)، أورَدَ فيه جملةً وافرةً من الآثار، منها أمْرُ ابنِ عباسٍ رضي الله عنهما بها بقولِه: "إذا سمِعْتُمْ منَّا حديثا، فتذَاكَرُوهُ بيْنَكم".
وقد بحثت في الشاملة في قسمي (كتب السنة وعلوم الحديث) فبلغ مجموعُ ما ورد عنهم في ذلك نحوٌ من (225) حديثٍ وأَثَر.
فحريٌّ بطالب العلم ملازمةُ هذه الطريقة؛ أسوةً بمَن سَلَف، فإذا كان القرآن -الذي هو أعظمُ العلم- قد دَارَسَه جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، فغيرُه من العلوم من باب أولى.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات