نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #13 - حوار مع د. عبدالله بن سالم البطاطي عن تجربته الشخصية مع الكتاب(3/3)
خطوة نحو الفاعلية:
العلمُ نورٌ في صدر صاحبه، وكلُّ معرفةٍ تقفُ عند حدود الفهم والإدراك ولا تتعداه إلى البناء والإصلاح، فهي حُجَّةٌ تُحمل لا فضيلةٌ تُذكر.
تعريف بالخبير:
د. عبدالله بن سالم البطاطي
باحث ومحقق، حاصل على درجة الدكتوراه في أصول الفقه.
له عناية واسعة بالكتب والمكتبات والتراث الإسلامي، وعُرف بالتعريف بالكتب والمؤلفات وقراءتها والتعليق عليها.
الضيف الدائم في برنامج «الخزانة» على قناة زاد.
12- من خلال برنامجكم “الخزانة”، ما أبرز ما أردتم إيصاله للناس عن عالم الكتب والمكتبات؟
غاية برنامج "الخزانة" تعريف الناس بتراث الأمة، وبما تصدره المطابع من تحقيقات وأبحاث ودراسات علمية، وإعطاء المشاهد فكرة عن الكتاب: موضوعه، وقيمته، ومجاله، ثم بعد ذلك ينظر المشاهد: هل هو مما يحتاج إليه أو لا؟ فالبرنامج ليس لمدح للكتب ولا لنقدها، بل عرضٌ وتعريفٌ وتوصيف.
وليس عرض الكتاب في البرنامج دليلًا على التوصية به مطلقًا؛ فقد أعرض الكتاب لأعرف به فقط، فإذا كان الكتاب متميزًا نصصت على ذلك بعبارات واضحة، مثل: كتاب نفيس، أو رسالة بديعة، أو كتاب متعوب عليه، أو لا يفوت طالب العلم، أما إذا خلا العرض من الثناء، فالمقصود التعريف العام.
وأحيانًا أُنبِّه على بعض الأخطاء المنهجية في الدراسات، وكذا القصور المعيب في بعض المؤلفات، ومثله الإخلال الكبير الذي يحصل معه الفوات في التحقيقات، وأما إن كان في الكتاب ما لا أرتضيه فإني ألمح إليه بعبارةٍ لطيفة، وإشارةٍ رشيقة يفهمها الذكي.
ومن أهداف البرنامج أيضًا الدلالة على الأبحاث الجيدة، والطبعات الجيدة، والكتب الجيدة؛ لأن المطبوع كثير، ولا يستطيع الطالب أن يحيط بكل شيء بنفسه، فإذا قيل له: هذا كتاب أصل في بابه، أو هذا بحث نفيس، اختصر عليه ذلك سنوات من التجربة.
وقد عُرض في البرنامج عدد كبير من الكتب في علوم وفنون شتى؛ منها كتب للمتخصصين، ومنها كتب عامة، ومنها كتب في مجالات مختلفة. والمقصود أن ينتفع طالب العلم والباحث والقارئ، وأن تتكون عنده معرفة أوسع بعالم الكتب.
13 - ما القصص أو المواقف التي لا تنسونها في رحلة اقتناء الكتب والبحث عن النوادر؟
من القصص اللطيفة أنني اشتريت مرة كتابًا من الطبعات النادرة، وكان معروضًا في حراج الصواريخ بجدة، وكان في ثلاث مجلدات، فوجدت الأول والثالث فقط، ولم أجد الثاني، كان السعر زهيدًا – المجلد بخمس ريالات - فاشتريت المجلدين ولم أفرط فيهما. وبعد سنوات، ذهبت إلى معرض الكتاب بتونس، وجدت المجلد الثاني من الطبعة نفسها، معروضًا على الرصيف في أحد الأزقة عند بعض الباعة المتجولين، وفيه إهداء من المحقق، ففرحت به فرحًا عظيمًا، واكتملت النسخة بعد طول انتظار، وهذه من لذائذ الكتب؛ أن يكتمل الناقص بعد سنوات.
ومن القصص كذلك قصة كتاب تراجمٍ نفيس، طبع قديمًا في إيران، ومقدمته وحواشيه بالفارسية، وأصل الكتاب بالعربية، طلبته من بعض من يعرف الكتبيين هناك، فتنقل الكتاب من بلد إلى بلد حتى وصل إليّ: من إيران إلى بغداد، ثم إلى أربيل، ثم إلى دمشق، ثم إلى بيروت، ثم إلى الرياض، ثم إلى جدة، وهي رحلة طويلة لكتاب واحد، لكنها تكشف أن بعض الكتب لا تصل إلا بمثل هذه العناية.
ومثل هذه القصص لا يراد بها مجرد الطرافة، بل التنبيه إلى أن طالب العلم قد ينتفع بإحياء ذكر كتاب نادر، أو يدل عليه، أو يصوره، أو يلفت نظر الباحثين إليه، حتى يخرجه الله على يد من يخدمه.
14 - كيف يمكن أن يكون الكتبي أو صاحب المكتبة خادمًا للعلم لا مجرد جامع للكتب؟
العبرة ليست بكثرة الكتب وحدها، ولا بالشهادة وحدها، بل بالمشروع العلمي، قد يكون للإنسان مكتبة كبيرة، أو شهادة عالية، ولا يكون له أثر علمي يذكر، القيمة الحقيقية أن يكون عنده مشروع يخدم به العلم والأمة.
والكتبي أو صاحب المكتبة إذا أراد أن يكون خادمًا للعلم، فليكن عارفًا بقيمة الكتب، ناصحًا للطلاب، مميزًا بين الأصول والفروع، وبين الطبعات الجيدة والرديئة، وبين ما يصلح لطالب العلم وما يصلح للقارئ العام، لا يكون همه البيع وحده، ولا الجمع وحده، بل الدلالة على النافع، وحفظ الجيد، وإرشاد المحتاج.
ومن خدمة العلم أن يدل على الكتب المنسية، وأن ينبه على الطبعات السقيمة، وأن يعين الباحثين بما يستطيع، وأن يجعل مكتبته وسيلة نفع لا مجرد متحف مغلق.
ومع ذلك لو لم يكن له همٌّ إلَّا جمع الكتب فلا لوم عليه؛ إذ جمعها من الغايات النبيلة، وما عابَ أحدٌ جمع الكتب! لأنه عملٌ حسنٌ يُشكر عليه صاحبُه، المهم أن يكون له نيةٌ صالحةٌ حتى لا يفوته الأجر.
15 - لو أردتم أن تختصروا خبرتكم مع الكتب في ثلاث وصايا عملية لطلاب العلم، فما هي؟
أولًا: لا تتوقف عن مطالعة الكتب، فالقراءة هي التي تحيي المكتبة في قلب صاحبها، ومن لم يقرأ صارت الكتب عنده أعدادًا وأسماء.
ثانيًا: لا تتوقف عن شراء الكتب النافعة إذا قدرت عليها، خاصة الأصول والطبعات الجيدة؛ فالكتب الجيدة إذا فاتت قد يصعب تحصيلها، وما تشتريه اليوم قد تحتاجه غدًا.
ثالثًا: اعتن بكتبك، رتبها، واحفظها، ونظفها، وعلّق عليها، واجعلها في خدمة مشروعك العلمي، فالكتاب لا يعطيك خيره بمجرد امتلاكه، بل بحسن صحبته والانتفاع به.
16 - كيف يمكن للمكتبات الخاصة أن تتحول إلى مشاريع نفع عام، يستفيد منها طلاب العلم والباحثون؟
من صور النفع العام أن تُكشف محتويات المكتبة للناس، كما في برنامج "الخزانة"؛ فهو نوع من التكشيف لمكتبة كبيرة، وتعريف الناس بما فيها من كتب، ودلالة لهم على النافع منها، فقد ينتفع طالب أو باحث بكتاب لم يكن يعرفه، أو بطبعة لم ينتبه إليها، أو بتنبيه على خطأ منهجي في عمل علمي.
ومن صور النفع أيضًا وقف المكتبة، أو إهداؤها لجهة حافظة، أو بيعها بطريقة تحفظ تفرقها، أو أن يوصي صاحبها ورثته باستشارة أهل العلم والخبرة في مصيرها، فالخيارات في تاريخ المكتبات غالبًا لا تخرج عن: أن يبيعها صاحبها في حياته، أو يبيعها من بعده ورثته، أو يوقفها في حياته أو بعد مماته، أو يوقفها ورثته بعده، أو تهدى إلى مكتبة قائم، أو إلى أشخاص مهتمين.
لكن الوقف يحتاج إلى رويَّة؛ لأن بعض المكتبات الوقفية قد لا تُحفظ كما ينبغي. لذلك ينبغي لصاحب المكتبة أن يفكر مبكرًا، وأن يستشير من يعرف قيمة الكتب، ويعرف واقع المكتبات، حتى لا تضيع مكتبة عُمْرٍ كامل بعد وفاة صاحبها.
17 - ما واجب طلاب العلم تجاه الكتب النادرة والمخطوطات والمطبوعات القديمة التي قد تضيع أو تهمل؟
أول ما ينبغي التنبه له أن طالب العلم لا يبدأ بالنوادر قبل الأصول. فمن الخطأ أن يطارد الطبعات القديمة والمخطوطات، ومكتبته تخلو من الأمهات والكتب الأساسية والطبعات الحديثة المحققة، الأصل أن يبني مكتبته العلمية أولًا، ثم يلتفت بعد ذلك إلى النوادر إذا قدر عليها.
فإذا وجد كتابًا نادرًا أو طبعة قديمة نافعة بسعر مناسب وحال جيدة، فلا يفرط فيها، أما إن كانت بأسعار مبالغ فيها، فليوازن؛ فالمال الذي يشتري به كتابًا واحدًا غاليًا قد يشتري به كتبًا كثيرة نافعة.
ومن واجب طلاب العلم تجاه النوادر أن يحفظوها من الضياع، وأن يصوروها إذا لم تكن متاحة، وأن يرفعوا خبرها إلى الباحثين، وأن يدلوا عليها من يستطيع خدمتها، فقد يكون دور الطالب أن ينبه إلى كتاب منسي، فيلتفت إليه محقق، فيخرجه للناس في طبعة نافعة.
وكذلك ينبغي تنبيه دور النشر والباحثين إلى الكتب الأصيلة التي لا تزال في طبعات قديمة غير مخدومة، أو لم تحقق تحقيقًا يليق بها، فخدمة الكتاب ليست دائمًا أن يحققه الإنسان بنفسه، بل قد تكون بالدلالة عليه، أو التعريف بقيمته، أو تسهيل الوصول إليه، أو حفظ نسخة منه من الضياع.
وخلاصة ذلك: ابدأ بالأصول، ولا تفرط في النفائس إذا تيسرت، واجعل عنايتك بالكتب النادرة بابًا لحفظ العلم لا بابًا للمباهاة والاقتناء المجرد.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات