نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #12 - حوار مع د. عبدالله بن سالم البطاطي عن تجربته الشخصية مع الكتاب(2/3)
خطوة نحو الفاعلية:
وقتك وعُمرك الذي تقتضيه في السعي والعمل لوجه الله وبثّ المعرفة في أوساط من حولك، هو عُمرٌ ثانٍ على هيئة أجر جارٍ ومستمر بعد انقضاء أجلك.
تعريف بالخبير:
د. عبدالله بن سالم البطاطي
باحث ومحقق، حاصل على درجة الدكتوراه في أصول الفقه.
له عناية واسعة بالكتب والمكتبات والتراث الإسلامي، وعُرف بالتعريف بالكتب والمؤلفات وقراءتها والتعليق عليها.
الضيف الدائم في برنامج «الخزانة» على قناة زاد.
6- ما الطريقة المثلى لترتيب مكتبة طالب العلم في بيته؟ وما أثر حسن التصنيف والترتيب في إحياء المكتبة والانتفاع بها؟
ترتيب المكتبة ينبغي أن ينبع من حاجة طالب العلم، والمقصود من الترتيب أن تعرف مكان الكتاب، وأن تضعه مع نظائره، وأن ترى بنظرة واحدة ما عندك في الفن أو الباب، وما الذي ينقصك فيه، أما الترتيب بحسب الحجم أو اللون أو الشكل فترتيب عبثي لا يخدم العلم.
والأفضل أن ترتب المكتبة بحسب الفنون أولًا، ثم تُقسم الفنون إلى علوم وأبواب، ثم ترتب داخل الباب ترتيبًا تاريخيًا بحسب وفيات المؤلفين ما أمكن، فكتب الحديث في موضع، وشروح الحديث في موضع، وغريب الحديث في موضع، وشروح الكتاب الواحد بعد أصله، مرتبة بحسب التاريخ، وهكذا في الفقه، والأصول، والتفسير، واللغة، والتراجم، وغيرها.
هذا الترتيب يكشف لك مواضع القوة والضعف في مكتبتك، فقد تظن أن عندك مراجع كثيرة في باب، فإذا جمعتها وجدت أنها قليلة، أو تكتشف أنك تملك عشرات الكتب في موضوع واحد، كما أن جمع النظائر يعين الباحث عند الحاجة؛ فقد تحتاج إلى مسألة، فتجد أمامك كل ما يتعلق بها في مكان واحد.
وأيضا هذا الترتيب يفيدك من الناحية التاريخية فتعرف المتقدم والمتأخر، وترى تطور التصنيف والعلم والكتاب.
وحسن الترتيب يحيي المكتبة؛ لأن الكتاب إذا ضاع مكانه صار كالمفقود، أما إذا استقر في موضعه بين نظائره، صار حاضرًا عند الحاجة، ودالًا على غيره من الكتب.
7- ما العادات اليومية أو الأسبوعية التي تنصحون بها طالب العلم ليبقى متصلًا بمكتبته، لا مجرد مالك لها؟
طالب العلم الحقيقي لا ينقطع عن مكتبته؛ لأن صلته بها تأتي من القراءة، والبحث، والمراجعة، والتحضير، وحضور الدروس، وخدمة العلم، فإذا انقطع عن مكتبته فليفتش عن سبب الانقطاع: هل انقطع عن القراءة؟ أم عن البحث؟ أم عن مشروعه العلمي؟
من أنفع ما يبقي الطالب متصلًا بمكتبته أن يجعل له مشروعًا علميًا؛ تحقيقًا، أو تأليفًا، أو قراءة منظمة، أو تحضير دروس، أو جمع مسائل. فالمشاريع العلمية تفتح له أبوابًا من المطالعة، وتجعله يراجع الكتب، ويقارن، ويقيد، ويرجع إلى المظان، كما أنها تدفع الملل؛ لأن الإنسان إذا كان عنده أكثر من مشروع انتقل بينها بما يحفظ نشاطه.
ومن العادات النافعة كذلك أن يمر على مكتبته بين وقت وآخر، ينظر في العناوين، ويفتح بعض الكتب، ويقرأ مقدماتها، وينظف الرفوف، ويراجع مواضع الكتب. وليس هذا عملًا شكليًا؛ فكثيرًا ما يفتح النظر في كتاب مشروعًا جديدًا أو ينبه إلى فائدة.
والتعليق على الكتب مهم كذلك؛ فإذا مر الطالب بفائدة، أو تخريج، أو تنبيه، أو موضع يحتاج إليه، أثبته في مكانه، ومع طول الزمن تصبح مكتبته حية، لا مجرد رفوف ممتلئة.
8- كيف يكوّن طالب العلم خبرة في معرفة الكتب ومناهج المؤلفين ومظان المسائل؟
هذه الخبرة لا تنشأ من طريق مختصر، وإنما أصلها طلب العلم، فلا توجد ملكة تأتي خارج التحصيل، الطالب يقرأ، ويسمع، ويقارن، ويرجع إلى الكتب، ويتابع ما يصدر، ويسأل أهل الخبرة، ومع الزمن تتكون له ملكة في معرفة الكتب ومقاديرها ومظان المسائل فيها.
أما معرفة مناهج المؤلفين فهي أخص وأدق، وليست لازمة لكل قارئ في كل كتاب. قد ينتفع الطالب بكتاب دون أن يعرف منهج مؤلفه تفصيلًا، لكن الباحث إذا احتاج إلى دراسة منهج مؤلف، فعليه أن يقرأ الكتاب قراءة فاحصة، ويميز بين الأمور المعتادة عند المصنفين وبين ما هو منهج خاص بالمؤلف، فقولنا: "يستدل بالآيات" أو "يذكر الخلاف" ليس بالضرورة منهجًا خاصًا؛ لأن هذا مشترك بين كثير من المصنفين. المنهج هو الطريقة المميزة التي سلكها المؤلف، أو المصطلحات التي اختص بها، أو طريقة التصنيف التي تميزه عن غيره.
ومعرفة مظان المسائل تأتي بكثرة الممارسة. فالكتب يدل بعضها على بعض، والبحث في مسألة يقود إلى مراجع، والمراجع تقود إلى غيرها، ومع تكرار ذلك يعرف الطالب أين يجد المسألة: في كتب الفقه، أو الشروح، أو الحواشي، أو كتب الخلاف، أو كتب الغريب، أو كتب التراجم، أو غيرها.
فالطريق هو: طلب علم، وقراءة، ومقارنة، وسؤال، وممارسة مستمرة.
9- هل ترون أن زيارة المكتبات الخاصة والعامة ومعارض الكتب تصنع فرقًا في تكوين طالب العلم؟ وكيف يستفيد منها؟
متابعة الكتب من وظائف طالب العلم، كما أن الحفظ والقراءة على المشايخ من وظائفه. فطالب العلم، لا سيما المتوسط والمتقدم، يحتاج أن يعرف ما صدر، وما طبع، وما الجديد في الكتب والطبعات، وهذه المعرفة لا تُلقن غالبًا في الدروس، وإنما تحصل بالمتابعة والزيارة والمشاهدة.
زيارة المكتبات التجارية والمعارض مفيدة جدًا؛ لأنها تكشف للطالب ما خرج من مطبوعات، وتعرفه بدور النشر، وتجعله يميز الطبعات، ويرى الكتب بعينه، ولو زار المكتبات في الشهر مرتين أو ثلاثًا، يتابع ما صدر، وينظر في الجديد، فإن هذا يثري معرفته بعالم الكتب.
أما المكتبات العامة والجامعية ففائدتها بحسب قوتها وحداثة محتواها. فبعضها غني ومفيد، وبعضها متأخر لم يحدّث مقتنياته منذ سنوات، وأما المكتبات الخاصة، فليست الغاية منها مجرد التفرج، وإنما الانتفاع بما فيها إذا تيسر ذلك، والنظر في طريقة بنائها وترتيبها وتجارب أصحابها.
ومعارض الكتب محافل مهمة؛ لأنها تجمع ما تفرق في السنة، وقد تأتي بدور نشر وكتب لا تصل إلى البلد عادة، فينبغي لطالب العلم أن يحسن الإفادة منها.
10- ما أهم الوصايا العملية لمن يزور معرض الكتاب حتى لا يخرج بمشتريات عشوائية؟
من أهم الوصايا أن يذهب طالب العلم إلى المعرض وهو يعرف ما يريد، لا أن يمشي وراء الانبهار وكثرة المعروض، المعرض قد يغري بكثرة الكتب والعناوين، ومن لا يضبط نفسه يخرج بمشتريات لا تخدم بناءه العلمي.
ينبغي أن يبدأ بالأصول والطبعات الجيدة، وأن يقدم ما لا يتيسر في غير المعرض، ومن أنفع ما يلتفت إليه في معارض البلدان: إصدارات البلد نفسه؛ الجامعات، ومراكز البحوث، ودور النشر المحلية، لأن كثيرًا منها لا يشارك خارج بلده، أو لا يصل إلى المكتبات الأخرى إلا قليلًا.
كما ينبغي أن ينتبه إلى الأسعار، فليست كل المعارض سواء، بعض الكتب قد تكون خارج المعرض أرخص، وبعض الدور تجعل المعرض موسمًا للتعويض، فلا يكون الشراء لمجرد أن الكتاب في المعرض، بل بحسب الحاجة، وجودة الطبعة، وصعوبة التحصيل بعد ذلك.
والأصل أن يكون المعرض فرصة للمتابعة والمعرفة، لا مجرد سوق مفتوح للشراء العشوائي.
11- هل يمكن لطالب العلم اليوم أن يستغني بالمكتبات الرقمية عن المكتبة الورقية؟ وما حدود الانتفاع بكل منهما؟
الأصل هو الكتاب الورقي، والمكتبة الرقمية معينة وخادمة، المكتبات الرقمية نافعة جدًا في تقريب المعلومة، واختصار الوقت، وحمل آلاف الكتب في جهاز صغير، وسرعة البحث والوصول إلى المواضع، وهذه مزايا لا تنكر.
لكنها لا تغني عن الورقي؛ لأن كل الورقي ليس موجودًا رقميًا، وما وجد رقميًا ليس كله مأمونًا من السقط والتصحيف والخطأ، ثم إن الكتاب الورقي اختبرته الأمم والحضارات عبر الزمان، وثبت أنه مستودع للعلم وحافظ له، يبقى عبر الأجيال.
لذلك فالتعامل الصحيح أن تجعل الرقمي مساعدًا، لا بديلًا كاملًا، تستفيد منه في البحث السريع، وجمع المواضع، والمراجعة الأولية، ثم يبقى الأصل في القراءة والتحقيق والتوثيق للكتب الورقية والطبعات المعتمدة.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات