نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #9 -
كوّة القراءة
خطوة نحو الفاعلية:
الثقة بالنفس ليست غروراً يُتقى، بل هي الوقود الذي لا تتحرك بدونه عجلة الفاعلية، وكم من طالب علم حمل من العلم ما يستحقّ النشر وما يمكن معه التغيير، ثم أقعده عن البذل شعور دفين بأنه لم يبلغ بعد، وأن غيره أولى منه، وأن ما عنده لا يستحق أن يُقدَّم، ولم يدرِ أنه حبلٌ من الشيطان، وتقصيرٌ في حقّ أمته، وحبسٌ لنورٍ أتاه الله إياه .
في مجتمع تغلب عليه الأمّيَّة، ولا يجيد معظم أفراده القراءة والكتابة، ويعتمدون على الحفظ والمشافهة في التوثيق ونقل الحوادث ورواية الأخبار والأشعار، يشاء الله أن يختار نبيه منهم وتكون أول كلمة تنزل عليه من الوحي ويخاطب الله بها ذلك المجتمع هي كلمة "اقرأ"، وتكون الآية الخالدة والبينة الكبرى لتلك الأمة هي (كتابٌ) يُقرأ، هذا الحدث يحمل في طياته دلالات مكثفة حول مركزية القراءة، والأثر الذي ينتج عنها، ودورها الرئيس في بناء الإنسان والمجتمع.
ولذا بعد قرنين من تلك اللحظة تبرز لنا صورة فذة من صور تفجر المعارف في الحضارات، فيبزغ فجر التصنيف والتدوين وتؤلف المؤلفات في العلوم المختلفة داخل حضارة الإسلام، وترصد كتب الأخبار والسير والتراجم ما تحقق لكثير من الأعلام من ولعٍ بالقراءة والكتاب يبلغ الذروة، فقد حدّث المتأدب أبو هفان عن الجاحظ فقال: "لم أر قط ولا سمعت من أحب الكتب والعلوم أكثر من الجاحظ، فإنه لم يقع بيده كتاب قط إلا استوفى قراءته، كائنا ما كان، حتى إنه كان يكتري دكاكين الوراقين ويبيت فيها للنظر"، وذكر السيوطي عن أبي الريحان البيروني أنه كان "منصبا على التصنيف لا يكاد يفارق يده القلم، وعينه النظر، وقلبه الفكر"، وأورد السبكي عن تاج الدين المراكشي -وكان ضريرا- فقال: "كان فقيها نحويا متفننا مواظبا على طلب العلم جميع نهاره وغالب ليله، يستفرغ فيه قواه، ويدع من أجله طعامه وشرابه، وكان ضريرا لا يفتر عن الطلب إلا إذا لم يجد من يطالع له".
وللشاعر العباسي كلثوم العتابي أبيات سائرة حول القراءة والكتاب يجعل فيها الكتب ندماء مفيدون لا تخشى منهم الغوائل: لنا ندماء ما نمل حديثهم .. أمينون مأمونون غيبًا ومشهدا
يفيدوننا من علمهم علم ما مضى .. ورأيًا وتأديبًا وأمرًا مسددا
بلا علةٍ تخشى ولا خوف ريبةٍ .. ولا نتقي منهم بنانًا ولا يدا
فإنْ قلت هم أحياء لست بكاذبٍ .. وإنْ قلت هم موتى فلست مفنّدا
حسنا.. اقتنعتَ بكل ما عرفت عن محاسن القراءة وعوائدها وأثرها، واتجهت إلى إحدى المكتبات في مدينتك، ووقفت أمام رفوفها فإذا بك ترى كتبا ضخمة امتدت أجزاؤها للعشرين أو الثلاثين جزءا، بعضها في تفسير القرآن أو شرح الأحاديث، وبعضها في الأدب أو التاريخ، وبعضها في السير والتراجم أو غيرها من فنون العلم والمعرفة، ثم ينقدح في ذهنك تساؤل عن اللحظة التي ستحقق فيها رغبتك وحلمك بأن تقرأ هذه الكتب أو على الأقل ما يهمك منها! وهل ستصل لذلك حقا وأنت الذي لا تزال تُنقّب في يومك عن دقائق تخصصها للقراءة تكثر يوما وتقل أياما!
القراءة يا صاحبي -تماما مثل غيرها من الأعمال- هي تجَمُّع القطرات ونِجاز الأيام والليالي، هي القليل مع القليل ليغدو هذا القليل بالديمومة والمواصلة كثيرا وكبيرا، حتى إن نتائجه لتدهشك وتبهرك ولا تكاد تصدق أنها ثمرة ذلك الفعل الذي اعتدته ولم يعد ذا كُلفةٍ ومشقة.
في (معجم البلدان) يروي ياقوت الحموي موقفا معبرا عن الإمام القفال يكشف أثر المجاهدة والاستمرار في بلوغ المرادات وتصيير الأماني واقعا ملموسا، فيذكر أنه حين رغبت نفس القفال في العلم ذهب إلى أحد الأشياخ وعرّفه رغبته، فلقنه أول جملة من كتاب المزني، وهي (هذا كتاب اختصرتُه)، ثم عاد القفال إلى بيته ورقى سطحه وكرر هذه الجملة ليحفظها، وقد كان حينها لا يعرف الفرق بيت ضم تاء الضمير وفتحها، وعن ذلك يقول: (ابتدأت العلم وأنا لا أفرق بين "اختصرتُ" و "اختصرتَ")، كرر تلك الجملة ليلة كاملة ثم غلبته عيناه ونام، ولما استيقظ فإذا بها قد ولّت ونسيها.
ضاق صدره وقال: أيشٍ أقول للشيخ؟! ولما عاد إلى شيخه وكاشفه بما جرى، لم يسخط عليه بل أوصاه بما صار به القفال أحد أركان المذهب الشافعي، وذلك حين قال له: (لا يصدنك هذا عن الاشتغال، فإنك إذا لازمت الحفظ والاشتغال صار لك عادةً). وهكذا القراءة!
وطريق القراءة ذاتيّ المعالم، فهو بالاستمرار فيه يقودك ويوجهك إلى غاياتك وأهدافك، فالكتاب يدل على كتاب آخر، والمؤلّف يُلمح لك إلى مؤلف ثانٍ، وكم يظفر القارئ بعناوين في هوامش الكتب لم يكن ليصل إليها لو لم يقرأ هذا الكتاب ويقف عند تلك الهوامش.
ومن تقنيات القراءة الضرورية لا سيما بعد مراحل التأصيل الأولى، مراعاة التوزان النسبي في مجالات القراءة، فهناك القراءة في مجال التخصص الذي ينال النصيب الأكبر من الوقت، وهناك القراءة في المجالات المحيطة والمماسة للتخصص بنسبة أقل، ثم هناك القراءة العامة التي تهدف إلى الإمتاع وكسر الملل، وحين لا يراعى الوزن النسبي بين هذه المجالات تتضخم بعضها على حساب البعض الآخر ويحصل الإخلال.
وقد يصيب القارئ أحيانا ما نسميه (فخ نسيان المقروء)، فيحدث أن يلح على ذهنك موضوعٌ ما، تود أن تعرف تفاصيله وتحيط بأبعاده، فتبحث عن كتاب يروي نهمك ويقدم لك ما تحتاجه حول الموضوع، تجد عنوانا مناسبا ثم تتجه للمكتبة وتقتنيه وتشرع في قراءته حتى تنتهي منه.
ثم يمضي اليوم الأول والثاني وتلتقي ببعض أصدقائك وتريد أن تحدثهم عن موضوعات الكتاب وتفاصيله فلا تسعفك الذاكرة!
ربما ستعود على نفسك باللوم وتحاكم طريقتك في القراءة أو تلقي بالتهمة على لغة الكتاب وتسلسل أفكاره، وكل هذا قد يكون صحيحا وله نصيب من المشكلة، لكن الحقيقة أن ما حدث لك يحدث مرارا مع عامة القراء، وقد يكون محبطا للقارئ بعض الشيء، لكن المؤكد أن ذلك النسيان ليس إشارة لعدم حصول القارئ على أي فائدة من الكتاب، بل كما يقول الكاتب الأمريكي (رالف إميرسون): "لا أستطيع تذكّر كل الكتب التي قرأتها، ولا الوجبات التي تناولتها، ومع ذلك فقد شكلّت ما أنا عليه اليوم".
وهذا لا يعني بحال التقليل من الطرق والوسائل التي تعظّم من استفادة القارئ من الكتاب كتدوين الفوائد والتلخيص وغيرها، بل إن تجاهلها هو المعيب، وإنما المراد ألا يستسلم القارئ لهذا الهاجس حين يهجم عليه مع الأخذ بما يجعل انتفاعه من المقروء أكبر وأعمق.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات