من المستودع إلى المصنع: كيف نتحول من اكتناز العلم إلى صناعة الأثر؟
خطوة نحو الفاعلية:
من تعلّم علماً لم يُغيّر به واقعاً في نفسه أولاً وفيمن حوله ثانياُ، فقد حمل بضاعةً غالية الثمن، ثقيلة الوزن والقدر، ثم تركها دون اتجار ومضاعفةٍ وازدياد، بل اشتراها وتحمّل جميع أنواع المشقّة في سبيلها، ثمّ تركها إلى كسادٍ دون نفعٍ ينتفع به أو راحةٍ من حملها والتكلّف بها، فكن فطناً ويقظاً فيما حملت في صدرك من علمٍ لم تنتفع وتنفع به.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد:
اشترى أحمد أرضًا واسعة في موقع متميز، وبدأ يشتري أفضل أدوات البناء ويضعها في مستودع مؤقت بناه في أرضه.
ظل يجمع أحدث أنواع الطوب، وأجمل أنواع البلاط، وأفخر قطع الأثاث، وآخر صيحات الزخارف والزينة.
استمر أحمد في جمع أدوات البناء، وظل على هذا الحال وقتا طويلا دون أن يضع حجرا واحدًا في بناء بيته.
مر الشهر والشهران، والسنة والسنتان، والعقد والعقدان، وأحمد على نفس الحال: يجمع ويخزن ثم لا يتحرك ولا يبني!
هذا التصرف المستغرب المستنكر من أحمد يقع فيه -وللأسف- كثير من طلاب العلم من حيث لا يشعرون.
وذلك حين يصير جمع المعلومات هو الغاية، وتكديس المحفوظات هو الهدف، ومجرد الاكتناز هو الثمرة النهائية في مشوار طلب العلم.
لماذا يحصل ذلك؟
بصراحة.. لأن تذوق العلم لذيذ، والنهل منه ممتع، والشعور بالامتلاء به يبعث بالفخر والإنجاز. فتجد كثيرًا من الناس تأسره هذه اللذة فيرضى بها دون أن يرتقي إلى ما بعدها، ويشعر بذلك أنه حقق هدفه ووصل إلى غايته.
المستودع الثمين
تخيل أن تحوز على عصا موسى المعجزة، ثم لا تستخدمها في زيادة يقينك، ولا دعوة الناس حولك، فتركنها في طرف بيتك وتكتفي بمجرد التأمل فيها، والفخر بحيازتها!
هذا ليس خيالًا بعيدًا عن الواقع، لأن من بين يديه القرآن قد حاز على الكنز الأعظم، والمعجزة الكبرى التي أعجزت الإنس والجن، قال ﷺ: (ما مِنَ الأنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلَّا أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ ما مِثْلُهُ آمَنَ عليه البَشَرُ، وإنَّما كانَ الذي أُوتِيتُ وَحْيًا أَوْحَاهُ اللَّهُ إِلَيَّ، فأرْجُو أَنِّي أَكْثَرُهُمْ تَابِعًا يَومَ القِيَامَةِ).
لقد استودع طالب العلم في صدره علوم الوحي.. إنه ذات الكنز الثمين الذي استودعه الأولون فقاموا بتفعيله في أنفسهم، فكانت النتيجة أن عظم إيمانهم، وصلحت أعمالهم، وحسنت أخلاقهم.
ثم قاموا بتفعيله فيمن حولهم، فكانت النتيجة أن تغير مجرى التاريخ، وأعيد تشكيل الجغرافيا، وتبدلت موازين القوى، وخرجت الجموع تلو الجموع من الظلمات إلى النور، ومن الجهالة إلى العلم.
من المستودع إلى المصنع
المدرسة المثالية في تعلم العلم كانت تلك المدرسة النبوية، والتي لم تتأثر بقلة الإمكانيات المادية، وصعوبة الظروف المعيشية؛ ذلك لأن الأسس كانت راسخة، والغايات كانت واضحة، فسهل التشييد، وتم البناء، وبأدوات المستودع الثمينة حصلت الصناعة النافعة المباركة.
تلك كانت هي النسخة الأصلية المثالية للعملية التعليمية، وإذا أردنا أن نقارب مخرجات الصناعة في تلك المدرسة، فعلينا أن نسعى إلى استنساخ صورة طبق الأصل من المدرسة النبوية، محافظين على الأسس والغايات، مع مراعاة الواقع وتغير الزمان.
فكيف كان أصحاب تلك المدرسة يتعلمون العلم ويفعلونه في الواقع؟
المعادلة النبوية: علم ← عمل
يقول أبو عبد الرحمن السلمي -رحمه الله- متحدثا عن الصحابة: "إنا أخذنا هذا القرآن عن قوم أخبرونا أنهم كانوا إذا تعلموا عشر آيات لم يجاوزوهن إلى العشر الأخر حتى يعلموا ما فيهن، فكنا نتعلم القرآن والعمل به، وإنه سيرث القرآن بعدنا قوم ليشربونه شرب الماء لا يجاوز تراقيهم بل لا يجاوز ها هنا ووضع يده على الحلق".
تلك هي المدرسة النبوية يدخل طالب العلم لا ليتكثر من المعلومات، ولا ليكتنز من الغرائب، وإنما الغاية هي أن يتعلم العلم الذي سيعمل به في واقعه.
أحفظ آيات التقوى لأتمثلها.
أتعلم مسائل العقيدة ليزيد يقيني بها.
أضبط سنن الصلاة لأطبقها.
أعرف فضائل الجود لأتحلى به.
أطلع على السيرة النبوية لأقتفي آثار صاحبها ﷺ.
وهكذا لا يحفظ متنا، ولا يحضر درسا، ولا يقرأ كتابا، إلا وهو مدرك تمام المعادلة، وترابط السلسلة:
علم ← عمل
يقول أعلم الأمة بالحلال والحرام معاذ بن جبل -رضي الله عنه-: "اعلموا ما شئتم أن تعلموا، فلن يأجركم الله بعلم حتى تعملوا".
المصابيح المشعة
لا يقتصر العمل بالعلم على تطبيقه على نفسك فقط، بل من صميم العمل بالعلم أن تنشر هذا العلم للناس، وتسخر ما وهبك الله من العلم والنور، لتضيء به طريق الناس، فتخرجهم من الظلمات إلى النور.
لقد انقطعت النبوة من الأرض، وحُمّلت هذه الأمة أمانة البيان وتبليغ العلم لتتم مسيرة التوحيد، وتمضي مراكب الهدى. يقول الله سبحانه:
هذه الأمة لا تنحصر في بوتقتها، بل لا بد أن تخرج للناس فتهديهم وتصلحهم وتجذبهم للمعروف وتباعدهم عن المنكر. هذا الأمر ينبغي أن ينطبق على كل فرد من أفراد الأمة كما قال عمر -رضي الله عنه-: "من سرّه أن يكونَ من تلك الأمة، فليؤدِّ شرطَ الله منها".
لقد دخل الإسلامِ في إندونيسيا -التي يوجد فيها أكبر عدد من المسلمين في العالم- عن طريق تجارِ حضرموت الذين لم يعرف عنهم كبيرُ علم.
ودعاة الجن الذين حكى الله لنا خبرهم، ما إن سمعوا ببعض آياتِ القرآن، حتى انطلقوا منذرين إلى قومهم، فخلد الله دعوتهم.
فإذا كانت هذه النتائج الكبيرة قد تحققت على أيدي أقوام حازوا القليل من العلم ثم بلغوه للناس، فما ظنكم بالنتائج التي يمكن أن تحصل على أيدي طلبة علم يصرفون جل أوقاتهم وأذهانهم في تعلم الأصول والفروع، وجليل المسائل ودقيقها؟!
طالب العلم لديه مستودع مليء بالمصابيح المشعة، والسرج المضيئة، فإذا أراد الخير لنفسه وللناس الذين أخرج لهم، فليبعث تلك السرج والمصابيح إلى خارج مستودعه، ويضيء بها طرق الناس؛ وإلا فلن تلبث كثيرا حتى يخفت ضوؤها، ويبهت لمعانها، ويذهب شعاعها.
قال الزمخشري: "الرباني: العالم العامل المعلم بِما كُنْتُمْ بسبب كونكم عالمين، وبسبب كونكم دارسين للعلم أوجب أن تكون الربانية التي هي قوّة التمسك بطاعة اللَّه مسببة عن العلم والدراسة، وكفى به دليلا على خيبة سعى من جهد نفسه وكدّ روحه في جمع العلم، ثم لم يجعله ذريعة إلى العمل، فكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء تونقه بمنظرها ولا تنفعه بثمرها"
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات