نشرة مُلهِم البريدية - العدد #8 - قصة فتنة، ينجو منها طالب علم!
خطوة نحو الفاعلية:
طالب العلم ليس طبيباً يُشخّص المرض، ويهدي إلى الدواء مجرداً تاركاً من خلفه بين خياري السير في طريق العلاج، أو الإعراض، فالأمة لا تحتاج إلى من يعرف دواءها فحسب، بل تحتاج ناصحاً باذلاً، يسير مع أفرادها في طريق الإصلاح، ويبذل كلّ عِلمٍ ومعرفةٍ ومهارةٍ اكتسبت ليوصلها إلى أقصى مراحل البرء والمعافاة.
بسم الله الرحمن الرحيم
نحن بين يدي نموذج، لتابعي جليل روى عن عدد من كبار الصحابة، إمام في الحديث والفقه واللغة، ولي القضاء في مرو، قال عنه الذهبي: " «وكان من أوعية العلم، وحملة الحجة.»" (1).
انتشرت في بلد هذا الإمام أيام طلبه للعلم بدعةٌ، وأي بدعة، وبين من انتشرت، بين طلاب للعلم جادين في تطلبه، فما كان منه إلا أن فزع هو وأخ له في طلب العلم إلى أئمة العلم من الصحابة، ليستعصموا بما لديهم من العلم والسنة من دخان هذه البدع والمحدثات.
والبدعة هنا هي إنكار القدر، إنكاره كله! في أواخر زمن الصحابة، وممن؟ من طلبة للعلم ذكرنا شأنهم فيه، وإنكار القدر مراتب أشنعها وأكفرها هو قول هذه الطائفة الذين ظهروا في البصرة في قصة صاحبنا هذا، وهم ينكرون علم الله السابق بالمحدثات، وهو كفر أجمع السلف على إكفار صاحبه.
فلما ظهرت هذه المقالة في البصرة وهي الناحية التي كان فيها صاحبنا الإمام التابعي يحيى بن يعمر، -بفتح الميم وقيل بضمها-، وصاحبه حميد بن عبدالرحمن الحميري، وشاعت بين طائفة من طلبة العلم كان شيخهم في هذه البدعة رجل مفوه بليغ، هو معبد الجهني.
فلما رأوا هذه الفتنة في بلدهم قالا لبعضهما لابد لنا من الذهاب إلى صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، نسألهم عن هذا الأمر، فكانت هذه الحادثة سببا في لقائهم بعبدالله بن عمر رضي الله عنهما، فأجابهما، وأقر أعينهما، وحكى لهما ما رواه له أبوه من حديث جبريل الطويل المعروف.
ونحن في هذه المقالة، نقف مع لقطات من هذه القصة، نستخرج منها لطائف وفوائد من ثنايا حكاية يحيى رحمه الله لهذه الرحلة في طلب دفع الشبهات والأهواء!
ولن نسرد الحكاية كاملة، فستجدها في أول حديث في صحيح مسلم في كتاب الإيمان، وثاني حديث في جامع العلوم والحكم، وقد جمع ابن رجب فيه كل طرق الحديث وألفاظه، ولكنا سنلتقط اللقطات التي تناسب هذا المقام.
الفزع إلى أهل العلم عند ظهور البدع والأسئلة والشكوك.
قال يحيى بن يعمر رحمه الله: "فانطلقْتُ أنا وحميدُ بنُ عبد الرحمنِ الحِميريُّ حَاجَّين أو مُعتَمِرينِ، فقلنَا: لو لَقِينَا أَحدًا مِنْ أصحاب رسولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم، فسألناه عمَّا يقولُ هؤلاءِ في القدرِ".
هذا أول ما يفعله العاقل كلما شعر بخطر على دينه، وهو الفزع إلى أهل العلم، والتترس بحصن العلم، والتبري من العقل والرأي الشخصي، وطلب القول الفصل الذي يزهق به الباطل.
وهذا كان شأن الصحابة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو ما أمر به الصحابي الجليل سهل بن حنيف من معه في جيش علي -رضي عنهم أجمعين- أيام الفتنة، حيث قال: "يا أيها الناس اتهموا رأيكم على دينكم، لقد رأيتُني يوم أبي جندل، ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته!"(2) ، فلا تستسهلن نظرك المجرد في حقائق الشريعة، وإنما تزود بزاد العلم، وتحصن بحصن النصوص، ولذ إلى الأئمة الراسخين في العلم والديانة، لا إلى نفسك ولا إلى كل من تزيى بزي العلم، ولمعت منه كلمات تشبه كلمات أهل العلم، مهما تفاصح أو ادّعى، فالفرق بين الأئمة والمجاهيل المدّعين يعرفه كل صادق ناصح لنفسه وأمته.
فإذا ادلهمت الأمور، وظهرت المقالات المعارضة للشريعة، وماجت العقول، فاعتصم بالعلم، وافزع إلى أهله المتحققين به، ولا تنس هذا، فما أكثر ما ينسى الإنسان ما يجب عليه.
أدب الطلب ليس أجنبيا في رحلة الطلب.
ظهر فيما حكاه يحيى رحمه الله تأدبه وصاحبُه بأدب الطلب ومروءته، وذلك في مشهدين، مشهد مشيهما مع ابن عمر، ومشهد تقدم يحيى بالكلام عن صاحبه.
يقول يحيى: "فوُفِّقَ لنا عبدُ اللهِ بنُ عمرَ بن الخطَّاب داخلًا المَسجدَ فاكتنفته أنا وصاحبي".
قال الإمام النووي: "يعني صرنا في ناحيتيه ثم فسره فقال أحدنا عن يمينه والآخر عن شماله وكنفا الطائر جناحاه وفي هذا تنبيه على أدب الجماعة في مشيهم مع فاضلهم وهو أنهم يكتنفونه ويحفون به».(3)
وقال أبو العباس القرطبي: «وإنَّمَا جاءاه كذلك تأدُّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه، لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانبٍ واحد، لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئةُ أحسنَ ما أمكنهما.»(4)
والمشهد الثاني هو في الملاحظة التي أشار إليها يحيى رحمه الله حيث ذكر سبب ابتدائه هو بالكلام، فحينما لقيا ابن عمر لم يبتدر بالسؤال إيثارا لنفسه على صاحبه، وإنما كان ذلك لسبب، وهو أنه غلب على ظنه أن هذه هي رغبة صاحبه، وإلا لكان ثم شأن آخر، يقول رحمه الله: (فَظَنَنتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ)، ولأجل ذلك بادر، أما عن سبب ظنه هذا فقد جاء عنه في رواية أنه قال: "لأني كنت أبسط لسانا"(5).
ويقول أبو العباس القرطبي في التعليق على هذا التنبيه وأسبابه المحتملة: "هذا منه اعتذارٌ عن توهُّمِ اعتراضٍ يُنسَبُ إليه فيه قلَّةُ المبالاةِ بصاحبه، واستِئثَارُهُ عليه بالمسابقة إلى الكلام؛ فبيَّنَ وجهَ اعتذارِهِ عن ذلك؛ وذلك أنَّهُ عَلِمَ من صاحبه أنَّهُ يكلُ الكلامَ إليه: فإمَّا لكونه أحسنَ منه سؤالاً وأبلغَ بيانًا، وإمَّا لحياءٍ يَلحَقُ صاحبَهُ يمنعه من السؤال، وإمَّا إيثارًا له، والله أعلم».(6)
النباهة والحرص على العلم وبذل الجهد فيه: ليس كافيا للنجاة من الفتن!
وذلك أن يحيى بن يعمر وحميد بن عبد الرحمن حين ذكرا القوم الذين ظهرت فيهم هذه المقولة الكفرية وهي إنكار القدر وإنكار علم الله سبحانه السابق بخلقه، ذكرا ما وُصِف به هؤلاء من شدة الحرص على طلب العلم، والتعمق فيه، والسعي في تحصيله، حيث وصفوهم بقولهم: (ظهر قبَلنا ناس يقرؤن القرآن ويتقفرون العلم)، يعني يطلبونه ولو في القفار، وجاء في لفظٍ: يتفقرون، وفي لفظٍ: يتقفون، وفي لفظٍ: يتقعرون، أي يطلبون قعره أي غامضه، وفي لفظ: يتفقهون. وكل هذه الألفاظ متقاربة في المعنى(7).
ثم قال الراوي: "وذكر من شأنهم".
أي قال إنهم يقرؤون القرآن ويحرصون على تتبع العلم وتحصيله، ثم ذكر من شأنهم، فطوى مزيدا من الأوصاف الدالة على مكانهم من العلم!
قال الشيخ محمد الأمين الهرري رحمه الله: "وهذه الطائفة كانت من الذكاء وصحة القريحة بمنزلة رفيعة لأن معنى (وذكر من شأنهم) عظم أمرهم وشأنهم في العلم بحيث يكترث بقولهم"(8).
وهنا وقفة..
إذ كيف تشيع هذه المقالة الكفرية التي تبرأ منها ابن عمر، وأشار إلى كفر صاحبها، والتي أجمع السلف على كفر قائليها، كيف تشيع ولا يزال الصحابة موجودون، والعلم وأهله متوافرون والحق واضح وأدلته كثيرة قاطعة، والعهد قريب!
والطائفة ليست أجنبية عن العلم، فهم متتبعون له شغوفون به، قارئون للقرآن.
ومن هنا، ينبغي للإنسان أن يتقي الله عز وجل فيما يقول ويعتقد، فليس كل ما عنّ لذكي فهو صحيح، ولا يخلو الحكيم من الزيغ، فقد قال معاذ بن جبل رضي الله عنه: "وأحذركم زيغة الحكيم"(9). ولا كل من أتقن شيئا من مسائل العلم، وتزيى بزيه صار أهلا لأن يُسمع منه كل شيء، ولا كان التخصص والتفرغ للعلم عاصما للإنسان من أكبر الكفريات.
إن للشبهات إلى القلوب والعقول طريقا، فهي لا تظهر للإنسان في مظهر الكفر المحض، ولا الباطل الصريح، ولا الرد العابث للأدلة، بل هي متشبهة بالحق، متزينة باسمه وببعض ألفاظه.
فكثيرا ما ينجرف بعض الناس إلى اتباع أهل البدع والضلالات الفكرية، دون دليل ظاهر، ولا سؤال جاد، وإنما هي شهوة أو غفلة صاحبت ضعفا في الديانة، وتساهلا في تلقي الحقائق، في ظل اغترار بدعاة الضلالة وتأثر بأسلوبهم أو مظهرهم، وربما صاحب ذلك وقوع أهل الحق في التقصير، وسوء تعامل بعضهم، وتهاون بعضهم في القيام بواجب الحق والإصلاح.
والحق لا يكون حقا بجمال ظاهر الدعاة إليه، فقد قال الله عن المنافقين "وإذا رأيتهم تعجبك أجسامهم"، ولا ببلاغة وحسن قول المدافع عنه، فالمنافقون كذلك "وإن يقولوا تسمع لقولهم".
المحكمات، حصنٌ ضد الشبهات.
وهذه القاعدة نستفيدها من جواب أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنهما، فلم يطِل الكلام في تفنيد الشبهة، ولم يتحج إلى تكثير الكلام، واكتفى بإيراد حديث جبريل الذي أثبت فيه النبي صلى الله عليه وسلم أن إثبات القدر من الإيمان.
فمحكمات الشريعة حافظة لعقل الإنسان وقلبه، وحصن حصين من الخرافات والقبائح، فبقدر يقين الإنسان بها وثباته عليها، تتساقط الأهواء في طريقه، وتأخذ الأسئلة العقدية والفكرية حجمها الطبيعي، ويتعامل مع العلم وأسئلته بقلب مطمئن وعقل متزن، ويتلقى حقائق الكتاب والسنة بمنهج مطرد مستقيم، لا تتعبث به الأهواء.
وإذا اضطربتَ في فهم عقيدة من عقائد الإسلام وحكم من أحكامه وأثّرت شبهة من الشبهات في قلبك وعقلك: فتمسك بالجمل الثابتة الصريحة من الكتاب والسنة، التي لم يُحفظ في فهمها خلاف حقيقي بين الصحابة والسلف وأئمة الدين الثقات الراسخون.
قال ابن تيمية رحمه الله: «فالواجب على المسلم أن يلزم سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين والسابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان. وما تنازعت فيه الأمة وتفرقت فيه إن أمكنه أن يفصل النزاع بالعلم والعدل وإلا استمسك بالجمل الثابتة بالنص والإجماع وأعرض عن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعا فإن مواضع التفرق والاختلاف عامتها تصدر عن اتباع الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى.»(10)
فإذا عرضت لك شبهة، وتزينت لك فكرة تخالف اعتقاد أهل السنة، فافزع إلى المحكمات، وتحصن بحصن العلم وأهله الراسخين فيه، واتق الله عز وجل أن تقول في دينه قولا تُكَبّ به في النار فتهلك.
سلمني الله وإياك من الشر الفتن ما ظهر منها وما بطن.
حاشية:
(1)سير أعلام النبلاء (4/442)
(2) صحيح البخاري (7308)
(3) شرح مسلم (1/155) نشر دار إحياء التراث العربي.
(4)المفهِم (1/134) نشر دار ابن كثير.
(5)انظر شرح النووي على مسلم (1/155).
(6)المفهم (1/134).
(7)انظر: الكوكب الوهاج للشيخ محمد الأمين الهرري رحمه الله (2/24)
(8)الكوكب الوهاج (2/24)
(9) صححه الألباني موقوفا، صحيح سنن أبي داود (4611).
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات