نشرة مُلهِم البريدية الموسم الثاني - العدد #7 - الرجل الألف (3/3)
خطوة نحو الفاعلية:
كما يُراد بالبذرة الحصاد والثمر، فيُراد بالعلم النشر والأثر، وبين العلم وأثره مسافة لا يقطعها إلا من آثر أن يُعلّم ما تعلّم، ويبني ما أدرك، ويُصلح ما أبصر فساده، وقد يكتفي طالب العلم بأن يعرف ولا يُعرِّف، وأن يفهم ولا يُفهِّم، وأن يرى ولا يُري ، مستحسناً فعله، وما علم أن العلم ما هو إلا البناء والإصلاح والتعليم، وإلا كان بذرةً وضعت في أرضٍ بور لا حصاد لها، فهل يُحمد غرسها ؟
مدرسة السميط:
لا ينبغي لنا أن نخرج من مدرسة السميط، إلا وقد تخرّجنا منها بعدد من الدروس التي نجعلها مشكاةً ومنهاجًا لنا في مشروعاتنا وبذلنا وعطائنا.
والحق أن دروس هذه المدرسة أكبر من أن تُذكر وأكثر من أن تُحصر، لكنّ المقام والمقال لا يتسع إلا بأن نقتصر من تلك الدروس على أهمها وأبرزها:
الدرس الأول:استثمر طاقتك في محل الاستثمار الأكبر:
كان شيخنا السميط -رحمه الله- في مبادئ أمره طبيبًا يعالج المرضى، لكنه حين رأى أن المشكلة الأكبر هي موجة التنصير تتخطّف الناس إلى العقائد الضالة والأديان الباطلة؛ انتقل من علاج المرض الأصغر إلى معالجة المرض الأكبر؛ فانتقل من معالجة المرضى وإطعام المساكين، إلى تصحيح العقائد والدين.
وهذه من أهم قواعد الفاعلية: ابحث عن موضع التأثير الأعلى؛ فقد يبذل الإنسان جهدًا كبيرًا في أعمال نافعة، لكنها ليست في نقطة التأثير الأعظم.
ولذلك لا تسأل نفسك ماذا أستطيع أن أفعل؟ بل اسأل: أين يكون أثر ما أستطيع أعظم وأنفع؟
الدرس الثاني:لا تتخلّ عن مهاراتك الجانبيَّة بل اجعلها بوابةً ومدخلاً لمشروعك ورسالتك:
لم يترك شيخنا السميط -رحمه الله- خبرته الطبية وراه ظهره، أو يتنكّر لها أو يتخلّى عنها، بل أعاد توظيفها داخل مشروعه الدعوي فأثمرت بفضل الله ما قرأت ورأيت.
وهذا درس مهم للكفاءات الفاعلة: لا تتخلص من مهاراتك السابقة التي تمتلكها باعتبارها عبئًا، بل اجعل كل ما عندك خادمًا لرسالتك الكبرى؛ فالهندسة، والإدارة، والإعلام، والطب، والمال، والعلاقات؛ كلها يمكن أن تتحول إلى أدوات لخدمة مشروع يخدم الإسلام والأمة والمجتمع.
الدرس الثالث: الإنجاز الكبير يحتاج تضحيات كبيرة:
من الظنون الخاطئة عند بعض الفاعلين والعاملين أنهم يريدون أثرًا استثنائيًا مع تضحيات اعتيادية، وهذا خلاف الواقع وسنن الحياة والكون.
فقاعدة الأثر -التي يشهد لها الواقع وتثبتها التجارِب-: أن المشاريع والأهداف العظيمة لا تنال ثمارها إلا ببذل يناسب قدرها وعظمتها؛ فإذا أردتَ أثرًا عظيمًا فلا بُدَّ أن تبذل ثمنه بذلاً وجهدًا وتضحية، و"من طلبَ عظيمًا خاطرَ بعظيم".
الدرس الرابع: وسّع أثرك بأن تكون مؤسسيًا لا فرديًا:
من يتأمل هذه الأرقام الضخمة يجد أن من أهم أسبابها بعد توفيق الله: أن الشيخ -رحمه الله- لم يكن يعمل وحده، بل كان يبني مؤسسات وفرق عمل ومشاريع مستدامة؛ ولهذا كان أثره أكبر من عمره، ولا زال باقيًا وممتدًا حتى بعد رحيله.
وهذا درس مهم للباذلين والفاعلين: لا تجعل أثرك معلقًا بحضورك الشخصي، بل ابنِ أفراد ولجان ومؤسسات توسّع أثرك في حياتك وتحمله بعد مماتك؛ فالعمر قصير والجهد محدود، أما العمل المؤسسي فقد يعيش بعد صاحبه عشرات السنين.
الدرس الخامس: يُنال بالافتقار ما لا يُنال بالاجتهاد:
كان الشيخ السميط -رحمه الله- آيةً في العمل والبذل، بارعًا في التخطيط والإدارة، حريصًا على بناء المؤسسات والفرق؛ لكنه مع ذلك كله لم تحجبه الأسباب عن رب الأسباب، ولم تُنسه نجاحاته المتراكمة فقره الكامل إلى الله، وربما كان ذلك -والله أعلم- هو سرُّ نجاحه الأعظم؛ فقد تَنالُ بالانكسارات ما لا تناله بالاجتهادات والقدرات، وتُدركُ بالدَّعوات ما لا تُدركه بالتخطيط والمؤسسات.
ختامًا: ليس المطلوب من هذا المقال أن يعلمنا كيف نصبح مثل الشيخ السميط أو نحقق نحو أرقامه؛ فلكل إنسانٍ طريقه وقدره وظروفه، وإنما المقصود: أن تحركنا هذا الشخصية الفاعلة بمجموعها نحو أصل البذل والفاعلية، ولو أن تدفع القارئ إلى خطوة واحدة صادقة في طريق البذل والعطاء، أو أن توقظ في نفسه مشروعًا نائمًا، أو أن تبعث فيه همةً كانت مشتعلة ثم خدمت وعلاها الرماد؛ فإن حصل شيءٌ من ذلك فقد أدّى هذا المقال مقصوده وحقق ثمرته بحمد الله.
ثم يجتهد المرء بعد ذلك في الازدياد من هذا المعنى بحسب وسعه وطاقته التي وهبها الله ومكنه منها، حتى يصل إلى مرحلة يخرج فيها أفضل ما لديه وأقصى ما يستطيع.
وهذا هو المعيار الصحيح الذي يحاسب المرء نفسه عليه: البذل، لا النتائج؛ لأن البذل بأيدينا ونستطيعه، أما النتائج فبيد الله وحده ولسنا نملكها، وربُّنا العدل لا يحاسبنا إلا على ما نستطيعه وما نملكه.
فلا تشغل نفسك كثيرًا بالأرقام والنتائج، ولكن اشغلها بسؤالٍ واحد: هل بذلت حقًّا أقصى ما أستطيع تجاه ديني وأمتي ومجتمعي؟! ثم لا يضرك ما كانت الأرقام والنتائج، ولو أن تأتي يوم القيامة وحدك ليس معك إلا جهدك وبذلك الذي يرضى ربك به عنك.
رحم الله الشيخ السميط بما يرحم به عباده الصالحين، وجزاه خيرًا عن الإسلام والمسلمين، وجعلني الله وإياك من الباذلين لأمّتهم ومجتمعهم وهذا الدين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد والآل والصحب والتابعين.
هي نشرات بريدية ترسل أسبوعيًا على مشتركيها ومحتوى هذه النشرة تعظيم أثر طلاب العلم، يشارك في كتابة محتواها كُتّاب مميزون، مهتمون بمجالات تعظيم أثر طلاب العلم.
التعليقات