حضرت معسكرًا منذ شهر للصحة الشمولية مع نامان، وقدم فيه الدكتور ريان عبدالواحد الكثير من المعلومات القيمة، وبعد كل ورشة من الورش الخمسة خلال الأسبوع، كنت أتفكر في معنى أننا نعرف الكثير من هذه المعلومات، بل إن البعض منا يعرف المزيد عن ذلك. لكننا ربما لم نمارس معظمها حتى نسيناها!
شخصيًا لم يكن هاجسي أن أعمّر طويلًا في هذه الحياة، لأنها ليست دائمة! بل ما يدفعني في هذه الحياة أن أكون إنسانًا مؤمنًا وقويًا، وأحب أن أعيشها بالصبر والتمتع بما جاد الله علينا من خيرات ونعم. لذا أحرص كل فترة على تعلم طريقة أو أسلوب أو ممارسة تُحسّن عيشي، وكلما سمعت قصص أجدادنا وأسلوب عيشهم، أحزن على نفسي لأنني ابتعدت كثيرًا عمّا كان طبيعيًا وسهلًا، لذا أحتاج أن أتذكر في كل مرة: كيفية العيش بتروّي وأجاري سننها الطبيعية من شروقها وغروبها، ومواسمها، ومحنها ومنحها.
كان المعسكر بمثابة حالة من "التذكّر"، لأننا انشغلنا كثيرًا بالحلول التقنية وانغمسنا في مدننا السريعة، لذا أتمنى أن تكون هذه النشرة ذكرى لنا جميعًا:
أولًا: أن نتذكر الشروق والغروب: لو حددت أهم مفهوم للوقت خلال اليوم فسأختار وعينا بالزمن من خلال الشروق والغروب، وكم من بركات حرمنا أنفسنا بمجرد غيابنا عن استشعارها، والتلامس المباشر لضوء شروقها وغروبها.
مجرد أن أصبحت أخرج للسطح في بيتي لحضور الشروق، تغيّر إحساسي تجاه الرياض، بل تجاه الصيف نفسه، إذ أصبحت أستشعر بنسمات مباركة ومنعشة حتى في عز يوليو.
ثانيًا: أن نتذكر تقنين التقنية: ربما شكواي ليست من الساعات الطويلة لأن متوسط استخدامي للأجهزة بشكل إجمالي من ساعتين إلى ثلاث ساعات، وأجد هذا الوقت طويلًا، لكن ما لم أستوعب أثره الحقيقي حين انعزلنا في الجبل وقام الفريق بمصادرة جميع الأجهزة الذكية والساعات، شعرت بالأثر السلبي العميق إثر تعرضنا لهذه الكمية من الإضاءة الزرقاء من أجهزتنا، واحسب معي كم عدد الشاشات التي نتعرض لها كل يوم مما بين أيدينا أو المعروضة علينا في كل مكان؛ في الشوارع، والأسواق، والمستشفيات، والحدائق. وهذا الإدراك جعلني أكثر رأفة تجاه نفسي، لأن التشتت وصعوبة استعادة التركيز لم يكونا مجرد عرضين عابرين، بل نحن مكبّلون باعتمادنا على هذه المشتتات التقنية، وأعمل بهدوء وصبر على تقنينها.
ثالثًا: أن نتذكر الوعي بالطعام: ليس بالكمية والنوع وإنما باستجابة أجسادنا للمثيرات والمؤثرات الداخلية والخارجية، قام الفريق بتركيب جهاز قراءة السكري freestyle حتى نتابع تأثير الأطعمة على سكر الدم، وسأكتب تدوينة لاحقة عن تجربتي، وسأحرص أن تكون التدوينة القادمة مُشجّعة على الوعي الحدسي بالجسد، أكثر من كونها توصية طبية، وحتى في توقيت نافذة الطعام، تخيّل معي لو حددنا احتياجاتنا ونظمنا وجباتنا وفقًا لتوقيت الشروق والغروب. كم من صحة وراحة سننعم بها؟ وكم من مجاملاتنا الاجتماعية ونزواتنا المتأخرة سنكون مستعدين للتضحية بها حقًا؟
لأكون صادقة وصريحة، لن ألتزم تمامًا بذلك، وأجاهد نفسي على ذلك. لكن ماذا لو قررنا حقًا أن نعيد تصميم علاقتنا بالطعام وسمحنا بالمرونة لبعض المناسبات الاجتماعية المهمة، مع الوعي باختياراتنا خلالها.
رابعًا: أن نتذكر الحقيقة المرّة: مهما وضعنا من الخطط والبرامج، فالحياة جُبِلت على التغيير، فاختباراتنا الصعبة لم نخترها، لذا الإيمان بالله والاستعانة به والتوكل عليه هو من الركائز التي تجعلنا أقوى على مواجهة الحقيقة المرة، ونتذكر أن مع كل عسر يسر، وبعد القاع يبدأ الصعود، وكم من لطائف مررت بها لم أكن أتصور تجاوزي لها ولو فكريًا لولا رحمة الله ورعايته وسكينته علي. فالحقيقة المرة ليست هي ما توجعنا، بل ردة فعلنا ونظرتنا للمواقف هي ما تحدد تعاملنا معها.
خامسًا: أن نتذكر التضحيات والتنازلات: عند كل قرار نتخذه هناك تكلفة من التضحية والتنازل سواء استوعبناها أو لم نحسب حسابها، فهنا تأتي فضيلة الصبر والمجاهدة تجاه ما نقوم به، لم تكن خطواتي الأخيرة في حياتي من ترك المسار المهني والعودة لكرسي التعلم سهلة، بل كشفت جوانب عن ذاتي كانت خفية عني. وهنا أتعلم الصبر على نفسي وتذكر ثمرة التعب لاحقًا.
سادسًا: أن نتذكر التنفس العميق: كم يبدو بديهي أن نتنفس! لكن التنفس الصحيح يعيد ترتيب الداخل والخارج، لا زلت أحاول أن أتذكر وأتعلم وأجرب تقنيات وأعود للأشياء البسيطة، حتى أدركت أنني أنام بفم مفتوح، وأحضرت لصقات للفم، وارتحت كثيرًا بهذه الإضافات الصغيرة.
سابعًا: أن نتذكر الإيمان والنفس: عندما نقرأ كل يوم آية الكرسي ونستشعر اسم الله الأعظم (الحي القيّوم) بكمال صفاته وكمال أفعاله وتدبيره لهذا الوجود، وما يجعلني كل يوم أعيش ليس لأشبع أو لأكنز الكثير من المال أو المكانة، بل أن أتذكر حقيقة عبوديتي لله، ألا أكتفي بما قلّدته عن أهلي ومجتمعي، بل أجدد إيماني بالله وأتعرف عليه كأنني لم أعرفه من قبل بصدق وإخلاص، وهذه رحلة طويلة.
هذا ما تذكرته من تأملات مررت بها من قريب، وأسعى لممارستها في حياتي، وأنت يا أنيسي ماذا تتذكر؟
التعليقات