قصة قصيرة |
| 29 يناير 2026 • بواسطة مودة • #العدد 26 • عرض في المتصفح |
|
ما الذي يجعل الإنسان يبحث عن احتمالاته في أماكن أخرى؟
|
|
|
|
الساعة التاسعة صباحًا، الرياض |
|
تجلس وحدها، تضع الكيس القماشي بجانبها، وتلقي نظرة سريعة على طاولتها؛ قهوة اليوم وبسكوت التمر المنزلي. تختار المقهى المحلي لأنها معجبة بقصته. تفتح كتاب «الضوء الأزرق» للبرغوثي. تشدّها الكلمات فتتموّه داخلها، لكن حركة المارة المتأخرين عن أشغالهم تسرق انتباهها، فتسرح في سرّها: «السرعة دائمًا ما تسرق منك سكونك». |
|
هكذا تجد حصة نفسها جالسة في المقهى المجاور للحرم الجامعي، تَنحِت من الوجوه العابرة أقدارًا لا تعرف حقيقتها، وتسمّيهم شخصياتٍ بأسماء لم يولدوا بها. حتى إنها تميّز أطباعهم من أسلوبهم في طلب القهوة. |
|
تقف أمام صانع القهوة تلك الفتاة، لِنَسْمِها ليلى. تبتسم له، تجامله بالسؤال عن أحواله، ويجاملها بالسؤال عنها. تتأمل القائمة كأن هناك احتمالًا بإضافة مشروب جديد كل يوم. تنتظر منه أن يقرأ مزاجها لهذا الصباح. بكلام طويل تسأله عمّا ينصحها به؛ يقترح خيارات، تقبل، ثم تتراجع لتعود إلى مشروبها المعتاد: — لا، لا أغامر اليوم، سأطلب لاتيه حارًا. |
|
تبتسم حصة لأن المشهد يتكرر مع ليلى كل صباح. تسترسل في حوارها الداخلي: «لا عجب، ربما قضت هذه الفتاة سبع سنين تتنقل بين ثلاثة تخصصات جامعية، وتفكر اليوم في فتح مشروعها الخاص!» |
|
أما ذلك الشاب، فيبدو أنه فخور بنفسه؛ خطواته مصطنعة وسريعة، وكلماته قصيرة: — قهوة اليوم… بس. شكرًا. |
|
تتخيل ملامحه حين يأتيه التقييم السنوي في العمل، كيف سيُحبط ويصرخ كالطفل. |
|
ثم تكتب على منديل الكوب: «كم الإنسان متوهّم بنفسه». |
|
تسمع صوتًا يناديها: — حصة… حصة. |
|
ترفع رأسها لتتفاجأ به؛ لم تميّزه بنظارته. تبتسم محاولة إخفاء ارتباكها: — أهلًا ماجد، ما عرفتك. |
|
تعود إلى الكتاب، تتأمل عبارة البرغوثي كأنها تشبهها بوصفه؛ هي التي لم تحسم حياتها ولا قلبها، بل تعيش بشتاتها. ثم تسرح مرة أخرى في وجوه المارة. |
|
الساعة التاسعة وعشر دقائق صباحًا، سالسوبرغ |
|
على طاولتها كأس ماء وقهوة، وكتاب مفتوح، وحقيبة ظهر إلى جوارها. سماعة في أذنها، مقطوعة جاز. تتأمل المشاة من خلال النافذة على الطريق المخطّط عرضيًا؛ يفصله خط أصفر، يليه مسار للحافلات، وفي الجهة المقابلة مسار للدراجات، ولوحات إرشادية في كل اتجاه. هكذا يبدو الصباح في هذه المدينة: حركة مستمرة. |
|
المسنّون هنا يبدون بصحة جيدة. زوجان يتناولان إفطارهما؛ رأتهما البارحة في حفلة نهارية صغيرة لمقطوعات موزارت، وتخمّن بأن لديهما خطة لاستكشاف الغابات المحيطة بهذه المدينة الصغيرة. |
|
إلى جوارها تجلس شابتان في منتصف الثلاثينيات، تتناولان طبق فاكهة، وعصير برتقال، وكعك شوكولاتة. يبدو أنهما في رحلة قصيرة لنهاية الأسبوع، وأحاديثهما القصيرة تدور، على الأرجح، حول نشاط اليوم. |
|
وماذا عنكِ يا حصة؟ كيف تبدين من بعيد؟ امرأة ثلاثينية تسرح بنظراتها عن كتابها وقهوتها. هل تنتظر أحدًا، أم أنها تستأنس بوحدتها؟ ثم تعودين بصمت وابتسامة إلى كتابك. |
|
توقفت امرأة عند طاولتها لحظة، قالت شيئًا لم تسمعه جيدًا. ابتسمت لها حصة، وارتعشت من برودة قهوتها التي انشغلت عنها. |
التعليقات