|
|
|
سلام عليكم
|
|
|
في نهاية العدد الماضي، شاركتكم اعترافًا صغيرًا: انسحابي المؤقت من كتابة المحتوى للتركيز على هذه النشرات وتغيير الجو قليلًا.
|
|
|
وصلتني بعدها رسائل لطيفة من بعضكم، وبعضها كان يسألني سؤالًا مباشرًا:
|
|
|
ليش قررت تتوقف؟
|
|
|
والحقيقة أن السؤال أعجبني، لأنه ذكرني بشيء مهم جدًا:
|
|
|
أغلبنا يظن أن أصعب جزء في اتخاذ القرار هو معرفة الخيار الصحيح.
|
|
|
لكن بعد سنوات من القرارات الجيدة والسيئة، بدأت أعتقد أن المشكلة ليست في معرفة الطريق دائمًا.
|
|
|
بل في امتلاك الشجاعة للمشي فيه.
|
|
|
لأن كثيرًا من القرارات التي نؤجلها، أو نهرب منها، أو نقنع أنفسنا بعدم مناسبتها لنا لا تكون قرارات غامضة أصلًا.
|
|
|
في أعماقنا، نعرف غالبًا ما نريده.
|
|
|
لكننا نخاف من الثمن الذي قد ندفعه إذا لم تسر الأمور كما نخطط.
|
|
|
وهنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
|
|
|
نحن نقضي جزءًا كبيرًا من حياتنا نتخذ قرارات، لكننا نادرًا ما نتوقف لنسأل أنفسنا: لماذا اتخذناها أصلًا؟
|
|
|
خذ مثالًا بسيطًا.
|
|
|
كم مرة كنت تعرف في داخلك ما الذي تريده فعلًا، لكنك اخترت شيئًا آخر؟
|
|
|
ليس لأن الخيار الآخر أفضل، بل لأنه أكثر أمانًا.
|
|
|
وظيفة لا تحبها، لكن راتبها مطمئن.
|
|
|
فكرة مشروع جميلة، لكن تأجيلها أكثر راحة.
|
|
|
فرصة جديدة، لكن البقاء في مكانك يجنبك احتمالات الفشل.
|
|
|
هنا تبدأ اللعبة الحقيقية.
|
|
|
نحن نحب أن نعتقد أن قراراتنا عقلانية بالكامل.
|
|
|
نجلس، نفكر، نحلل، نوزن الإيجابيات والسلبيات، ثم نقرر.
|
|
|
لكن الواقع أكثر تعقيدًا بقليل.
|
|
|
في كثير من الأحيان، يكون الخوف قد اتخذ القرار مسبقًا
|
|
|
بينما يأتي المنطق لاحقًا لكتابة التقرير وتبرير ما حدث.
|
|
|
أعرف أن العبارة قاسية؛ لكن تأمل بعض قراراتك السابقة، كم قرار اتخذته لأنك أردته فعلًا؟
|
|
|
وكم قرار اتخذته لأنك كنت تخشى الندم أو الفشل أو نظرة الآخرين؟
|
|
|
والمثير للاهتمام أن هذه الفكرة لا تظهر في حياتنا الشخصية فقط، بل تراها حتى في عالم الشركات والمشاريع.
|
|
|
أحيانًا تكون هناك فكرة ممتازة على الطاولة.
|
|
|
الجميع مقتنع بها ومتحمس لها، ثم تأتي لحظة التنفيذ، وفجأة يبدأ البحث عن الخيار الأكثر أمانًا.
|
|
|
ليس لأنه الأفضل، بل لأنه الأقل خطورة إذا سارت الأمور بشكل مختلف عما نتمنى.
|
|
|
والحقيقة؟
|
|
|
نحن نفعل الشيء نفسه مع أنفسنا.
|
|
|
نركن بعض أحلامنا في الأدراج نفسها التي نركن فيها الأفكار المؤجلة، ليس لأنها سيئة، بل لأننا لا نريد تحمل تكلفة المحاولة.
|
|
|
وهنا يعود بنا الحديث إلى العددين الماضيين.
|
|
|
الخوف من أنك لست جيدًا بما فيه الكفاية.
|
|
|
ثم الركض المستمر لإثبات قيمتك.
|
|
|
ثم الخوف من اتخاذ قرار قد يكشف لك أن الطريق الذي تريده فعلًا أصعب من الطريق الآمن.
|
|
|
كأن الخوف يغيّر ملابسه في كل مرة، لكنه يبقى الشخص نفسه.
|
|
|
مرة يظهر على هيئة شك.
|
|
|
ومرة على هيئة انشغال دائم.
|
|
|
وأخرى على هيئة "تفكير منطقي".
|
|
|
تعلمت شيئًا خلال السنوات الماضية، وهو أن بعض القرارات الخاطئة يمكن إصلاحها، لكن هناك قرارات أكثر قسوة من القرار الخاطئ نفسه وهي:
|
|
- القرارات التي لم نتخذها أصلًا.
- الفرص التي تركناها تمر.
- الأبواب التي لم نطرقها.
- والأحلام التي بقينا نؤجلها حتى اعتدنا تأجيلها.
|
|
|
وبعد سنوات نبدأ بندب حظوظنا والبدء باللولوة ( أي نكرر كلمة لو لو لو (لا أظن أن لها أصلا لكن راق لي التطوير) )
|
|
|
البعض يقول أنها ليست مكتوبة، والآخر يخترع أعذارا تناسبه.
|
|
|
كم ثريدًا أجلت؟
|
|
|
كم مرة قلت سأبدأ لينكدإن؟
|
|
|
كم مرة وعدت نفسك أن تبدأ الرجيم أو الاستثمار أو مشروعًا صغيرًا؟
|
|
|
قد تختلف التفاصيل.
|
|
|
لكن السؤال واحد:
|
|
|
هل كانت المشكلة فعلًا في الظروف؟
|
|
|
أم في الخوف من المحاولة؟
|
|
|
إذا وجدت نفسك تؤجل شيئًا منذ أشهر أو سنوات، فربما المشكلة لم تعد في الوقت أو الظروف.
|
|
|
ربما حان الوقت لتسأل نفسك عمّا تخشاه فعلًا.
|
|
|
لذلك
|
|
|
اعقد العزم وتوقف عن اللولوة.
|
|
|
وتحرك.
|
|
|
تحرك، فأنت لست شجرة
|
|
همسة ما بعد النهاية، لي ولكم:
|
|
|
في المرة القادمة التي تتردد فيها أمام قرار مهم، اسأل نفسك بهدوء:
|
|
|
هل أنا أبحث فعلًا عن الخيار الأفضل؟
|
|
|
أم أنني أبحث عن الخيار الذي يحميني من اللوم إذا فشلت؟
|
|
|
قد تفاجئك الإجابة.
|
|
|
وترقب العدد القادم.
|
|
|
اللَّوْلَوَة: مصطلح غير موجود في القواميس على ما أظن، ابتكرته للتو، ويعني أن تجلس مع نفسك وتردد: لو فعلت، لو بدأت، لو جرّبت... حتى يبرد الشاي وتضيع الفرصة.
|
|
|
(وفي حال اعتمدته مجامع اللغة العربية يومًا ما، أرجو حفظ حقوق الملكية الفكرية 😅)
|
|
التعليقات