نعيش في حالة ركض دائم. نستيقظ كل صباح وعقولنا تضج بسؤال واحد يجلدنا بصمت: "ماذا سأفعل اليوم لأثبت قيمتي؟ ما هو المنشور القادم؟ ما هي الخدمة الجديدة؟ متى سأحقق تلك القفزة التي أنتظرها؟"
مرحبا
كم ربطنا استحقاقنا بما سننجزه "غدا"، وننسى كل ما تركناه خلفنا.
ولكن، دعني أشاركك قصة حقيقية تناقلتها وسائل الإعلام الأيرلندية الشهر الماضي..
.
قصة ستجعلك تتوقف عن الركض للحظة، وتلتقط أنفاسك.
قبل 7 سنين، كانت الشاعرة "إيميلي كولين" تمر بنفق مظلم.
والدتها في المستشفى، مستقبلها المهني ضبابي ومربك، والأخبار من حولها لا تبشر بخير.
بوسط تلك الفوضى الروحية، وفي يوم عادي جدا، لمحت ولدها الصغير يمسك طباشير ويكتب على رصيف الشارع عبارة بسيطة جداً:
"العالم جميل".
شيء ما تحرك داخلها.
عادت لغرفتها، وأفرغت تلك المشاعر في قصيدة أسمتها (Envoi in Chalk).
نشرت القصيدة في زاوية صغيرة بصحيفة محلية، ثم انضمت إلى ديوانها الشعري في عام 2019.
.
ثم ماذا؟
لم يحدث شيء. لا مقابلات تلفزيونية، لا عقود بملايين الدولارات، ولا قوائم للأكثر مبيعاً.
مجرد قصيدة أخرى انضمت إلى مئات الأوراق التي كتبتها في عزلتها. انتهت القصة هنا، أو هكذا ظنت إيميلي.
ولقد مضت في حياتها معتقدة أن هذا العمل "مر مرور الكرام".
.
لكن الحياة -كما تعلم- لها طريقتها الساحرة في ترتيب التوقيت.
بعد 7 سنين كاملة من كتابة تلك الكلمات، دخل ولدها (الذي أصبح مراهق الآن) ليؤدي الامتحان الوطني للغة الإنجليزية في أيرلندا.
.
فتح ورقة الامتحان الرسمية..
فتجمد في مكانه....!!!!!!!!!!!!
قصيدة أمه كانت هناك.
القصيدة ذاتها التي استلهمتها من كتابته بالطباشير قبل 7 سنين، اختارتها وزارة التعليم لتكون جزءا من امتحان يقرأه 70 الف طالب و طالب في فقرة ( نص خارجي ).
.
و بين ليلة وضحاها، اشتعلت وسائل الإعلام.
تقارير على الـ BBC، نفاد تام لنسخ ديوانها من الأسواق، وعروض اعادة طبع اصادارتها المتواضعه، وعقود شراء اصدارات القادمة، دعوات مستمرة، للشاشات، و للجامعات و البودكاست بشل لا يعد ولا يحصى. على مستوى دول الكوومن ويلث.
.
ليس لأن إيميلي كتبت شيئا "جديداً" بالأمس..
بل لأن العالم احتاج 7 سنين كاملة ليكتشف البذرة التي زرعتها في صمت.....
إذا قدمنا استشارة ولم تغير الكون في يومها، نشعر أننا مدّعون.
.
هذا التفكير يرهقنا، لأنه يقيس القيمة بـ "التصفيق الفوري".
لكن الحقيقة التي يجب أن تطمئن قلبك اليوم هي:
في أغلب الأحيان، القفزة الكبرى في مسيرتك لن تأتي من العمل المضني الذي ستنجزه غداً. بل ستأتيك من عمل أنجزته بصدق قبل سنوات.. عمل ظننت أن أحداً لم يلتفت إليه.
.
كم منشور كتبته من قلبك، وظنيت أنه كان "عادي" ولم ولن يقرأه أحد؟
كم عميل ساعدته بصدق، ونسيت القصة، بينما هو لا يزال يطبق نصيحتك حتى اليوم؟
كم فكرة عظيمة أودعتها في أرشيفك لأنك ظننت أن توقيتها كان خاطئاً؟
.
لا تستصغر سعيك الهادئ.
.
ولا تقلل من قيمة خبراتك المتراكمة لمجرد أن السوق لم يكافئك عليها فوراً.
.
الأفكار العظيمة والأعمال الصادقة تشبه البذور؛ أحياناً تحتاج أن تنام تحت التربة لسنوات، في العتمة، حتى تبني جذوراً لا تكسرها العواصف.
ليس كل إنجاز عظيم يولد تحت أضواء المسرح. بعض إنجازاتك تكتمل في الظل، وتنتظر فقط "توقيتها المناسب" لتغير مسار قصتك بالكامل.
.
ربما يكون أعظم إنجاز لك، قد أنجزته بالفعل.. وأنت لا تدري.
التعليقات