معلمة الرياضيات التي حطّمَت شماعة المبررات 👩‍🏫 | نشرة أصباح وأمسية البريدية - العدد #6

بواسطة أصباح وأمسية #العدد 6 عرض في المتصفح
صباحُ الخير قُراءنا الأعزاء😍، انضمّت "أصباحٌ وأَمسية" إلى مجتمع تويتر مؤخراً 💙، هل يمكن بأي شكلٍ من الأشكال أن نلتقيكم هناك ؟! 👀 

حين كنت في الثانوية العامة، مرت علينا معلمة رياضيات أقل ما يقال عنها أنها صارمة، لا أستطيع أن أسرد كمية التوتر النفسي الذي كان يصيب الجميع لمجرد الحديث عنها، حتى أني سمعت زميلة لي تحكي عن إصابتها بنوعٍ من أنواع الفوبيا كلما تذكرتْ مادة الرياضيات، أخبرتنا أنها ترى المعلمة في مناماتها، كان أسلوب المعلمة مرعب أكثر من مادة الرياضيات ذاتها؛ أول دخول لها لغرفة الصف يشبه صفارة الإنذار؛ حيث تأمرنا بأن نضع واجب البارحة على الطاولة، ولا أخفيكم كم كانت الوجوه تتلون، والنظرات تترقب، والحناجر تبتلع ريقها، ما ينبؤ الناظر عن خفقان القلوب المتتالية، كانت الواجبات يومية وتفتيش الدفاتر يومي، ويحدث كثيراً أن تصادف حصتين في اليوم الواحد، حصص الرياضيات لا تختفي إلا الجمعة والسبت، هناك تحظى أدمغتنا ونفوسنا ببعض المستراح، بعضنا يتجهز لأسبوع قادم ويظل يجتهد في حل واجباته، وبعضنا يلعب ويلهو ويظن أنه نجى أو ربما لم يكن ليبالي بانطفاء روحه (هؤلاء من أسميهم بالشجعان)، ومما لاشك فيه أن بعضنا الآخر يراها في المنامات!

وعلى الرغم من الصيت البالي والموتر الذي تتمتع به هذه المعلمة في الوسط الطلابي، إلا أنها علمتني درساً مهماً عشته في جميع جوانب حياتي لاحقاً، "لا للمبررات" الواجب يجب أن يُقَدم ويُحَل، جميع الأعذار مرفوضة: نسيت دفتري ، كنت غائباً البارحة، كنت مريضاً، كتابي ضاع .. جميعنا خضنا مثل هذه المواقف في العديد من المقررات، إلا في مقرر الرياضيات ذاك العام، فقد تم نسفها نسفاً! صرت لا أؤمن بالمبررات!

ماذا يعني أن تؤمن بالمبررات والأعذار ؟ 

اعتياد تقديم المبررات فرصة للتأجيل والتسويف، وإلقاء فشلنا على الظروف والأشخاص الآخرين.

اعتياد التبرير يعني تأجيل النجاح، حتى يبتعد الهدف وتبرد العزيمة، ثم يتلاشى العمل؛ وهكذا نؤجل صقل مهاراتنا، نؤجل قمع الملهيات فتصير عادات، نؤجل إحراز الأهداف حين تحين فرص تسديدها لأننا لم نكن مستعدين للحظة التسديد تلك، ويمضي الوقت حتى نسمع صفارة الحَكَم تعلن نهاية المباراة!

اعتياد التبرير يؤدي إلى تجذير صفات التكاسل والمماطلة والدعة، أجل.. تصنع لها جذوراً في نفسك، وتنبت شجرة صغيرة تثمر وتتضخم بمرور السنين!

والأهم من بين ذلك كله تأخير نضجنا، وهكذا يفوتنا موسم الحصاد، وقد تفوتنا عدة مواسم نظل فيها بذوراً أو براعمَ تستهلك وقتها في التمايل مع الرياح، وتمر بها مروراً عابراً عواملُ الطبيعة، بينما مثلنا يوشك أن يعيشه عصره الذهبي الرابع أو الخامس!

لست بصدد وضعك ضمن المقارنات، ولكن تلك المقارنات التي تُحَكّم بظروف نصنعها نحن، وفرصٍ نضيعها بإيدينا ووقت نهدره بكسلنا، لا بأس باستخدامها "قرصةَ أُذُن".

معظم الذين يحترفون التبرير وتقديم الأعذار لا يشعرون في الأساس بمشكلتهم هذه، ولكنهم بالتأكيد ينتقدونها في غيرهم حين يكونون أول المتضررين منها!

حين حطمت تلك المعلمة "شماعة مبرراتي" في مرحلة الثانوية العامة كمرحلة مبكرة لصقل المهارات، رأيت أثرها يتجلى يوماً بعد يوم، وسأفرده على وجهين: 

صرت أكثر قدرة على تحمل مسؤولية عواقب قراراتي ومحدثات نفسي؛ لا يمكن أن تُصقل شخصيتك دون أن تجرب شعور ثقل المسؤولية.

 تحمل المسؤولية ينعكس بداية من ترتيب سريرك وانتهاء بالأمور التي تظنها كبيرة؛ كالحصول على علامة تليق بمشروع تخرجك، أو تحقيق معدل تقييمِ أداءٍ ممتاز في وظيفتك نهاية العام، فائدتها أننا نشعر بالالتزام والقدرة على السيطرة.

سيساعدك تحمل المسؤولية على الخروج من منطقة الراحة؛ على الرغم من تحفظي اتجاه كثرة استخدام عبارة "الخروج من منطقة الراحة" خلال الآونة الأخيرة، إلا أني لا أنكر تأثيرها وحجم المكتسبات المردودة إليك وإلى عملك.

بمرور الوقت صارت مراجعتي لنفسي حازمة وأكثر جدية، ولكن دعني أخبرك ماذا حصل على الجانب الآخر: 

  1. تقريع وجلد الذات: كنتيجة متطرفة عن كسر شماعة المبررات تلك، عدم وجود الشماعة جعلني أنسى كيف تُقَدّم الأسباب وكيف تُطرح الحُجج، جميلٌ أن تكون صادقاً مع نفسك وتعترف بعدم جدوى المبررات للتملص من مهامك ولكن من السيء أن تظلمها!
  2. عدم القدرة على الدفاع عن مبادئك وقناعاتك: قد يحصل ذلك مع الوقت، دكتاتورية تمارس ضد احتياجاتك وصوتك الذي ينادي بها لإتمام أي مهمة موكلة إليك من جهة مسؤول عملك، لقد انقطعت عن أداء مهمتك لأن الأدوات المفترض توفرها من قبل رب العمل ناقصة!
  3. أنت لست آلة؛ قد تستيقظ يوماً لتجد أنك تعاني من الاحتراق، وصدأ مفاصل الإبداع لديك، وسدادةً في حلقك تمنعك أن تبرر أو تحلل أو تدلي بوجهة نظرك وأسبابك.

جوهر الموضوع الذي أريد إيصاله من هذا العدد هو : إعادة إصلاح شماعاتنا وإعادة توظيفها.

فائدة المبررات لصحتنا النفسية 

القدرة على التعبير؛ لا يمكنك أن تدافع أمام لجنة تحكيمية أو تقييمية عن حقوقك وأفكارك وتوجهاتك في العمل.

المبررات الصادقة، عندما تكون في محلها، هي أداة وقائية ضد التوتر والضغوطات، مايقع ضمن صلاحيتك في التغيير أنت مسؤول عنه، لكن تلك الأسباب التي ليس لك يد فيها ولا يمكنك السيطرة عليها، تحرر منطقياً من حمل همها! 

كسر دائرة كسل الجدال، لن أجادل رئيسي ولن أخبره بأسبابي ولا أعذاري لأني أشعر بكسل الجدال وصعوبة في عرض مبرراتي، وببلعك مبرراتك يشعر رئيسك المباشر بكسل الجدال لتوضيح أسباب أخطاء الفريق لدى مديره فلا تُصَوّب الأخطاء ولا تُوضع الأمور في مواضعها الصحيحة.

لماذا نخاف من تبني عقلية "قبول المبررات

بسبب عدم مقدرتنا على تمييز المبررات الصحية والظروف القاهرة من الأعذار الواهية المعرقلة، ولذا لا نقبلها على أنفسنا ولا يقبلها الأهل من أبنائهم ولا يقبلها المدير من موظفيه، لأنه لايعلم كيف يتعامل معها، وأحياناً لا يرغب بتكلف بعض العناء في سبيل فلترتها.

وهكذا يتم غرس صفة الخنوع والخضوع في طاقم العمل، إذا كنت تعمل مديراً لفريق أو شخصٍ ما، فإن عدم قدرتك على قبول "المبررات الصحية" للدفاع عن فريقك هو أسهل طريقة للكشف عن فقدانك للأدوات القيادية في الحكم والموازنة؛ حينما يتم محاسبة فريقك على أخطاء ليس لهم يد فيها .. هكذا تتراجع الإنتاجية ويقل تحقيق أهداف شركتك.

بعد أن تفلتر مبررات وأعذار فريقك، أصغِ إلى هذه المبررات، فخلفها تكمن تلك الثغرات التي تحتاج أن تكتشفها لتسدها وليكتمل عملك.

أراهن أن المدير الذي يسفّه من جميع مبررات موظفيه ولايمتلك مهارة "فلترتها"، هو أكثر شخصٍ مُنفّر للموظف الذي يُعد مكسباً ونجاحاً لشركته!

أما على صعيد علاقاتنا، فجميع الإسقاطات السابقة التي نتعامل بمثلها مع من حولنا قد تُحوّل التبرير من أداةٍ للالتزام وتحمل المسؤولية إلى أداة لقمع الآراء وجلد الذات.

هل تستطيع أن تكتشف مبرراتك الصحية من الأعذار الواهية؟ اختبر نفسك أو أخبرنا كيف تفرق بينهما؟

***
تابع "أصباح وأمسية" على تويتر 🐦💙


تجربة1 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة أصباح وأمسية البريدية

نشرة أصباح وأمسية البريدية

عن الحياة، الوالدية، والمواقف الشعورية! لا بأس أن تقرأها مع تسرب خيوط الشمس الأولى فلربما تلهمك! نسمات الليل الهادئ فلربما تطمئنك! ولا تنسَ أن تحتسي مشروبك المفضل معنا 😉

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة أصباح وأمسية البريدية