علي

26 مايو 2023 بواسطة محمد إبراهيم #العدد 6 عرض في المتصفح

يوم الثلاثاء، حيث ينتصف الأسبوع. إن كنت محبًّا للمدرسة فستشعر بإرهاق تصحبه المتعة. أما إن كنت كارهًا لها فستشعر أن الأسبوع لا ينتهي. في الواحدة ظهرًا حان موعد خروج المدرسة.

تريَّث علي في المغادرة مع صديقه مؤمن فلا داعي للعجلة على أي حال. بالإضافة إلى أن عليًّا لا يحب مرافقة المسرعين في المغادرة. يتسرَّب إلى قلبه خوف حين يراهم مسرعين هكذا. لذلك يفضِّل التظلُّل بالشجرة الكبيرة على جانب المدرسة، ثم يغادر على مهل.

بادر مؤمن قائلًا: أقسم بالله أني لم أفهم من الأستاذ سوى ما سبَّنا به. أخي مالك بارعٌ في الرياضة. كيف لا وهو في كلية الهندسة! سأستعين به على فهم هذا الدرس اللعين. 

قابله علي بابتسامة يؤكد له بها على عدم فهمه أيضًا. 

توقفا عند عربة الفول لتناول سندوتشين طعمية. نظر علي في الأرض ليحتذر من أن تطئ قدماه شيئًا من بقايا الطعام. رأى حجرًا فأخذ يلعب به وقال: زارتنا بالأمس عمتي. وطبعًا أخذت تقول لي إني في مرحلة مهمة من عمري، وأنه يتوجب علي أن أجتهد حتى أحصِّل درجة عالية هذا العام تفتح أمامي باب كليات القمة على مصراعيه.

سألتها: لمَ يتوجب علي أن أدخل كلية من كليات القمة؟ ألا يمكن أن أكون ناجحًا في كلية عادية؟ وماذا يحدث إذا دخلت كلية قمة ولم أحبها؟ كيف سيفيدني مجموعي حينها؟

إجابتها كانت غريبة جدًّا. قالت لي إن عائلتنا كلها متفوقين. وذكرت أني صاحب عقل يقظ وذلك يحتِّم عليَّ أن أسعى لكلية قمة. فتبسًّمت لها وهززت رأسي.

قال مؤمن: سأطلب رغيفًا آخر. لدي درس بعد ساعتين ولا أظن أني سأجد بالبيت من يعد لي طعامًا. هل تريد المزيد؟ أجابه علي بأنه قد شبع. أنهى مؤمن طعامه ثم ركبا العربة.

بيت مؤمن يسبق بيت علي بشارعين. نزل مؤمن من العربة وركبت مكانه سيدة خمسينية. مدّت السيدة يدها ثم نظرت لعلي حتى يأخذ بها، فبادر بيده مسرعًا. وما أن وطأت قدماها العربة وكأنما أصابها مسٌ. صرخت في السائق: «كم ستأخذ في هذه المسافة الصغيرة؟ إياك أن تظن أني سأعطيك الأجرة كاملة!»

أخذت السيدة تنظر إلى راكبي العربة من حولها. على يسارها شابة جميلة أيَّما جمال! وعلى قدر جمالها كان قدر اشمئزاز السيدة منها وكأن كل هذا الجمال تحوَّل إلى غيرة ممزوجة بحزن على العمر الذي فات والجمال الذي تاه في مغارات وجهها المتشقق. أمامها تجلس عائلة جديدة، أب وأم وطفل رضيع على كتف أبيه. نظر لها الطفل وابتسم، لكنها أعرضت بوجهها ولم تكترث. 

تنهدت السيدة ثم نظرت إلى يمينها لترى عليًّا الذي بادلها النظر في صمت وترقب. رفعت رأسها وقالت بصوت عالٍ: يا رب حُسْن الختام! لم يعد لنا في هذه الدنيا شيء. توجهت نحو علي وقالت: «تغيرت الدنيا كثيرًا. لم يكن الأمر كذلك. كنا قديمًا نحترم الكبار. كان هناك حشمة —ناظرة إلى الفتاة التي لم تكن ترتدي أي شيء لافت. كان الرجال رجالًا بحق والنساء كانت عاقلة تدري كيف تربي أبناءها. أما اليوم! وما أدراك ما اليوم!» تلوَّن وجهها بالغيظ كما يتلوَّن الماء بالدم وطأطأت برأسها شيئًا قليلًا.

سألها علي: أخبريني يا جدَّة، كيف كان الناس قديمًا؟

رفعت السيدة رأسها سريعًا، ربما أسرع مما نتوقعه من امرأة في عمرها، ونظرت إلى علي نظرة تمنى إثرها لو أن مؤمنًا لم يكن قد نزل وركبت مكانه، وبينما هو مرعود من عيني المرأة إذ بأصبعي المرأة يقرصان كتفه قرصة تزرَّق مكانها، ثم صرخت في وجهه: «لمَ تتدخل فيما لا يعنيك؟ أهذا ما رباك عليه أبويك؟ لا، والله لم ترَ تربية في حياتك قط.»

نحَّى علي وجهه نحو النافذة ولم ينظر إلى السيدة حتى نهاية الطريق. نزل من العربة وهو يشعر بأثر القرصة لا في كتفه، ولكن في قلبه. ندم على عفويته وحزن من أنه وثق في تلك السيدة الكبيرة. هكذا هم الأشرار إذن.

شعر عليٌ بالراحة لاقترابه من البيت أخيرًا. ابتهج لأنه وجد أباه في المنزل. قبل أن يفعل أي شيء توجه إليه وحكى له ما دار بينه وبين السيدة. كان يبحث عن تفسير لما حدث معه. لكنه كان يبحث كذلك عمن يجبر بخاطره ويخبره بأن الدنيا لا يزال بها خير، وبأنه صاحب قلب لطيف، وبأن هذا اللطف سيعرضه إلى كثير من تلك المواقف المؤلمة، وبأنه مهما أذته تلك المواقف عليه أن يستجمع قوته ويدفع الأذى عن نفسه ويحافظ على سلامة قلبه، وبأن هذا اللطف الذي يجده بين جنبيه هو أعز من الكبريت الأحمر —لكن أباه اكتفى بإخباره أنه يتوجب عليه ألا يتكلم مع الغرباء في الشارع.

انطلق الأب إلى عمله وصلَّى علي الظهر لينظر بعدها من النافذة طويلًا وفي باله سؤال واحد: هل بوسع البشر أن يسمع بعضهم بعضًا؟ 

Sarah azab1 أعجبهم العدد
مشاركة
مدونة محمد إبراهيم

مدونة محمد إبراهيم

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من مدونة محمد إبراهيم