غرقانة طعم

30 يناير 2023 بواسطة محمد إبراهيم #العدد 3 عرض في المتصفح

لما كانت الدنيا بخير 😏

لما كانت الدنيا بخير 😏

يدعي بعض الناس أن فلامنكو قد حققت مبيعات ونموًا دون تسويق!

يقولون إن المنتج لم يُروَّج له. ذلك أمرٌ صحيح. لكن من قال إن الترويج هو التسويق؟!

على عكس فلامنكو، روَّج لهذه المقولة كثيرٌ من الناس. هؤلاء الناس واحد من اثنين:

الأول شخص ليس له علاقة بالتسويق من قريب ولا من بعيد. إلا أنه يتفنن في تفسير الظواهر التسويقية. لا أدري لمَ لا يعملون في المجال، إذن… لعلهم إذا عملوا علَّمونا كيف ننمو دون تسويق.

الثاني شخص يعمل في التسويق لكنه لا يحب عمله. توقف أمام صورة لفلامنكو مكتوب عليها: «هو ده ال growth اللي بجد. بيبيع في مصر كلها من غير ما يصرف جنيه على التسويق 🤡.» توقف الشخص ليسأل نفسه: ما جدوى حياتي؟ لماذا أعمل؟ فلامنكو تكبر دون مجهود وأنا أبذل غاية جهدي في الحصول على ٧ إعجابات على الفيس بوك!

في السطور القادمة نستكشف معًا عوامل نجاح واحد من أحب المنتجات إلى قلبي: فلامنكو بالفول السوداني🥜 وننظر في فرص النمو المتاحة أمامه.

طعم وكمية ٢٠٠ الميّه

المنتج هو أهم عنصر في عناصر المزيج التسويقي. فلن يفيد الترويج في شيء إذا كان المنتج رديئًا. في الحقيقة إن الترويج الجيد لمنتج سيء قد يقضي عليه، إذ أنه سيلفت أنظار الناس إليه فيكتشفون عيوبه.

ليس هذا حال فلامنكو. لم يذُق أحد منتج الذرة بالفول السوداني هذا إلا وأحبه. طعمه غريب. مختلف. طعمه مسلّي.

لم يتوقف فلامنكو عند الطعم فقط. فكميته أيضًا لا تُنافس. خاصة عندما كنا صغارًا ولم يكن هناك إلا شيبسي وقلبظ وفلامنكو تقريبًا. كمية فلامنكو كانت الأكرم بلا منازع. تشتري كيسًا من الفلامنكو وتستمتع به قُرب الساعة لأنه كيس كبير ولأن الأصابع لا تمضغ بسهولة 😅.

هذه الأمور جعلت من منتج فلامنكو صاحب تجربة مختلفة. لكن الإحسان في تسويق هذا المنتج لم يتوقف عند ذلك…

قريب من العين قريب من القلب

وأنا صغير كنت أجد فلامنكو في كل كشك بجوار بيتنا. وعندما كنت أذهب مع أمي إلى الفيوم في الصيف كنت أجده هناك أيضًا. نعم لم يكن له أطعم كثيرة مثل الآن. لكنه كان منتشرًا انتشارًا كبيرًا في أنحاء الجمهورية.والانتشار Physical availability هو واحد من شيئين قال عنهما بَيرون شَرب Byron Sharp، دكتور التسويق ومؤلف كتاب كيف تنمو الماركات، قال عنهما إنهم أساس التسويق الناجح لأي منتج. وهما ببساطة الانتشار على أرض الواقع والحضور في أذهان الناس.

نعم، لم يكن لفلامنكو حضور طاغيًا في أذهان الناس بسبب قلة ترويجهم للمنتج. لكنهم قد حققوا انتشارًا متميزًا على أرض الواقع.

شكلها غير الباقي

على ما أتذكر، لم يكن هناك كيسًا واحدًا يشبه كيس فلامنكو ونحن صغار. أكياس شيبسي وقلبظ وتايجر كانت متشابهة. ألوان قوية، رسومات، علامة "جديد وزيادة ٢٠٪"… إلا أن كيس فلامنكو لم يكن يحاول أن يبهرنا. لكنه كان شفافًا. كنت ترى أصابع الذرة وهي غارقة في طعم الفول السوداني! هذا الكرم غير المعتاد كان يأثرني وأصدقائي. الطفل يعلم معنى أن يكون المنتج غارقًا في الطعم. يعلم أن التجربة لن تخيب وأن اختياره سيكون صحيحًا.

اختلاف كيس فلامنكو جعل منه منتجًا مميزًا. لم نكن نعلم اسمه في البداية فكنا نقول لصاحب الكشك إننا نريد «كيس البوزو الشفاف اللي بالفول السوداني». وهذا يبرز أهمية أن يكون منتجك مميزًا. فمميزاته ستساعد الناس أن تشتريه في مناسبات مختلفة. حتى وإن لم يتذكروا اسمه.

يا بلاش

لا أتذكر تحديدًا سعر كيس فلامنكو عندما كنت صغيرًا. لكني أتذكر أنه كان بمثابة العرض أو التخفيض مقارنة بالمنتجات الأخرى. كان رخيصًا حتى إن بعض الأمهات كانت تقول إنه مؤكد أنه مضر. كيف يضعون كل هذه الكمية مقابل هذا السعر الزهيد؟ فيه إنَّ! أو هكذا كن يقولن.

ما سبق ذكره كله تسويق. المنتج الجيد تسويق. والانتشار تسويق. والتعبئة المختلفة تسويق. والسعر الزهيد تسويق. هذه يا عزيزي ثلاثة أرباع التسويق. بقي ربع…

لما تغيب الإعلانات

وظيفة الإعلانات الأولى هي أن تجعل الماركة مشهورة وعليها تزيد مبيعاتها. من دون الشهرة لن تزيد المبيعات من خلال الإعلانات. من أجل ذلك تفنن الناس في طرق صناعة الشهرة للماركات. ولذلك نجد أسماء وكالة الدعايا والأشخاص المسؤولين فيها مرتبطة بماركات مشهورة. مثلا اسم ويليام برِنباخ مرتبطًا بماركة جولف للسيارات. واسم ديفيد أوجِلفي مرتبط بماركة رولز رويس. ذلك أن الحملات الإعلانية التي قام بها هؤلاء الأشخاص كانت السبب الرئيسي في شهرة هذه الماركات. 

الشهرة. نحن في صناعة إشهار الماركات. فكّر في ذلك يا صديقي كلما عملت على ماركة جديدة. كيف أجعلها مشهورة؟ كيف أجعل الناس تتحدث عنها؟ الآن ليس مجالًا للحديث عن هذه المسألة. لكن لعلنا نستفيض فيها لاحقًا.

فلامنكو منتج معروف. لكن الفرق بين أن يكون المنتج معروفًا وأن يكون مشهورًا كبيرًا جدًّا.

المنتج المعروف ليس حاضرًا في أذهان الناس. نعم إذا رأوه عرفوه. لكنهم قلّما يذهبو إلى الكشك ليشتروه.

أما المنتج المشهور فهو المنتج الذي تتكلم عنه الناس فيما بينهم. يتحول المنتج من كونه سلعة إلى حالة اجتماعية تتشاركها الناس فيما بينهم. 

منذ بضعة أيام وقفت عند الكشك أشتري شيئًا وكان هناك مندوب شركة شيبسي يعيد تعبئة الكشك وسيدة تشتري شيبسي الجديد بطعم زنجر كنتاكي. المندوب رأى السيدة تبحث عن شيء فسألها: «بتدوري على الزنجر ولا التاني؟ الزنجر ده الحرّاق.» ثم أتى لها بما تريد. العجيب أنهم كانوا يتحدثون عن شيبسي زنجر وكأنه شيء أساسي على الجميع أن يعرفه. 

هذا الموقف البسيط يعكس أمورًا هامة. أولًا أن شركة شيبسي جعلت من تعاونها مع كنتاكي حالة يتشارك فيها الناس. فيتحدث المندوب مع المشتري وهو على علم بأنه قطعًا قد رأى الإعلان. حتمًا يفهم المشتري مراد المندوب. مؤكد أن الناس ستأتي للكشك لتسأل عن الشيبسي الجديد. وإذا قال لهم صاحب الكشك إنه لا يعرف. فسينظرون إليه شزرًا مستنكرين عليه أنه لا يشاركهم الحالة الاجتماعية الجديدة.

أين البراند أنا لا أراه؟

منذ مدة جددت فلامنكو شكل أكياسها. وطرحت في السوق أطعمة جديدة. كل ذلك حلو. جميل. لكن فلامنكو لم تصبح مرتبطة في أذهاننا بشيء معين. المزيج التسويقي الذي ساعدها على النجاح وأنا صغير لم يعد كما هو. كما أن المنافسة اشتدت بينها وبين الشركات الأخرى التي تقدم المنتج نفسه تقريبًا مثل "جاجوار" مثلًا.

قول كمان

أزيدك من الشعر بيتًا. لغياب الإعلانات أثر في بناء العادة الشرائية لفلامنكو (أو في عدم وجودها أصلًا إن أردت الدقة). لتتحقق من هذا الأمر لا تحتاج إلى إحصائية. اسأل نفسك كم مرة اشتريت فيها شيبسي مقابل عدد المرات التي اشتريت فيها فلامنكو؟

أغلب الناس تشتري شيبسي أضعاف ما تشتري فلامنكو. أسباب ذلك كثيرة. لكن السبب المرتبط بالإعلانات هو غياب الحضور الذهني لفلامنكو وتفوق شيبسي عليه.

الحضور الذهني Mental availability هو ثاني أهم عامل من عوامل نجاح مزيجك التسويقي. وغيابه يؤثر بشكل مباشر على:

١- شهرة الماركة

٢- تفضيل الماركات الأخرى عليها

٣- قلة تكرار شراء الماركة بالمقارنة مع فئتها الاستهلاكية

تريندات قوقل بتقول إيه؟

فلامنكو بالأزرق. كرانشي بالأخضر. شيتوس بالأصفر. وشيبسي بالأحمر.

فلامنكو بالأزرق. كرانشي بالأخضر. شيتوس بالأصفر. وشيبسي بالأحمر.

في هذه المقارنة ستجد الفرق بين اهتمام الناس ب فلامنكو وشيبسي وشيتوس وكرانشي خلال ١٢ شهر.

انظر ماذا ترى؟

شيبسي هو الأشهر يليه شيتوس ثم تتنافس فلامنكو وكرانشي على المركز الأخير.

لا أقول بأي حال إن بحث بسيط على ترندات جوجل يعكس الصورة الحقيقة بدقة. لكنه مؤشر. وقد توسع في ذلك الناس في العامين الماضيين وقالوا إن حصة البحث Share of search تتناسب تناسبًا طرديًّا مع حصة السوق Share of market في أحيان كثيرة.

بناء على ما مضى دعنا نختم بأمرين…

قالك من غير تسويق. خالص.

لعله قد اتضح لك الآن أن فلامنكو قد أحسنت في مزيجها التسويقي. إلا أنها قد قصرت في جزء منه وهو بناء الماركة والإعلانات. وأثر ذلك التقصير واضح لمن يريد أن يبصر ويفهم. المنتج ساهم في نجاح فلامنكو. وكذلك التسعير. والتوزيع والانتشار. إلا أن النجاح دون بناء ماركة ودون إعلانات له حدود. ولكن لحسن الحظ فإصلاح الأمر سهل يسير.

١ ٢ ٣

في رأيي أظن أن فلامنكو تحتاج إلى فعل ٣ أمور لتبني ماركة قوية وتزيل حدود النمو من أمامها.

ألا أونا 🔔

على فلامنكو أن تعود إلى ما أحبه الناس منها. السعر المعقول. الكمية الكبيرة. الكيس مليان طعم. الاختلاف. قد تكون هناك أشياء أخرى. على فلامنكو اكتشافها والعودة إليها.

ألا دو 🔔🔔

اتخاذ ما يعجب الناس قاعدة أساسية لاستراتيجية ماركة جديدة. كل الاختيارات التي ستتخذها فلامنكو يجب أن تأتي من استراتيجية قائمة على مميزاتها التنافسية. تلك المميزات التي كلما استثمرت فيها الشركة نالت حصة أكبر من السوق وابتعدت عن منافسيها. أعلم أننا لا نتحدث عن منتج معقد وأن أي شيء في هذا المجال سهل تقليده. لكن من يقلدك في شيء لن يستطيع تقليدك في كل شيء. لن يعلم قراراتك واستثماراتك وأولوياتك. والأمثلة المؤيدة لكلامي كثيرة.

ألا تري 🔔🔔🔔

البدء في صناعة إعلانات توصّل للناس أن الشركة عادت إلى الاهتمام بالأمور التي طالما أعجبت الناس في فلامنكو.

يجب أن تحدد الشركة الأوقات التي يفضل الناس أكل فلامنكو (أو ما يشبهه من منتجات) فيها. ثم تربط نفسها بتلك الأوقات لتكون أول ما يحضر في أذهان الناس حينها.

الأمر ليس بسيطًا. لكن إذا أرادات الشركة تنفيذ ذلك فقد أساعدها مقابل أن يقدموا لي فلامنكو بالسوداني مجاني لمدة ١٠ سنين. لننتظر ونرى.

مشاركة
مدونة محمد إبراهيم

مدونة محمد إبراهيم

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من مدونة محمد إبراهيم