العلاقة بين التسويق والفلسفة ورقم ٣

28 يناير 2023 بواسطة محمد إبراهيم #العدد 1 عرض في المتصفح

في عام ١٩٦٠ نشر ثيودور ليفيت مقاله «قصر النظر التسويقي» Marketing Myopia ليصبح واحدًا من أشهر المقالات التسويقية وأشدها تأثيرًا إلى يومنا هذا. لكن ما سبب استمرار تلك الشهرة أكثر من ٦٠ عامًا؟

هل عند المسوقين عقول؟ (أو: العلاقة بين أرسطو والتسويق)

بيَّن ليفيت في مقاله أن فشل المسوقين في تحديد مجال عمل شركاتهم يؤدي إلى تراجعها وأحيانًا.. إلى انهيارها تمامًا. وحدد لنا سؤالًا نطرحه على أنفسنا كلما شعرنا بقصر نظرنا التسويقي: 

في أي مجال نعمل؟ What business are we in?

السر في قدرة هذا السؤال على تخليصنا من قصر النظر يكمن في أنه يحررنا من قيود الإنتاجية اليومية. بالله عليك كيف ستفكر في اتجاه الشركة خلال الخمس سنين القادمة وأنت مشغول في نتائج إعلانات الفيسبوك وتصميم الموقع الجديد وصناعة تقارير الأداء الربع سنوية؟! عندما يكون ذهنك خاليًا من المشاغل اليومية تستطيع التفكير في الأمور الاستراتيجية والتي تميل بطبيعتها إلى التجريد والتفكير العميق، وكأنها فلسفة.

على ذِكر الفلسفة، أتعلم أن هناك من يصفون أرسطو بالمسوق الأول the first marketer؟ أنا أويدهم صراحة. فالرجل كان فيلسوفًا متقنًا لفنون اللغة والمنطق. لكن الأهم أنه كان قادرًا على فهم الجمهور الذي يخاطبه وبناء على ذلك كانت لديه قدرة كبيرة على الإقناع.

قسَّم أرسطو مراحل الإقناع إلى ٣: المبادئ ethos والعاطفة pathos والمنطق logos. فكان يرى أنه لا بد من إبراز المبادئ التي سترفع شأنه عند جمهوره، ثم يستخدم العاطفة والمنطق من أجل أن تميل معه قلوب المستمعين وعقولهم. جاء بعد ذلك الفيلسوف مورتيمر أدلر واستخدم نفس التقسيم في بيع عدد كبيرة من سلسلة The Great Books of The Western World حيث حقق معدل تحويل conversion rate ٢٥٪! وجاء بعده أندي مالسن ليمدح هذا النموذج في كتابه persuasive copywriting ويشرح كيف يستطيع المسوِّق المعاصر أن يستخدمه في عمله.

اللافت للنظر في أمر أرسطو وعلاقته بالتسويق أنه كان يقوم بمراحل التسويق الأساسية: يحلل الموقف ويعرف جماهيره حق المعرفة ثم يتواصل معهم بأفضل شكل يناسبهم. إن لم يستطع ذلك إقناعك بأن هناك علاقة وثيقة بين التسويق والفلسفة فلا أدري ماذا قد يقنعك!

لكنك ستكون خاسرًا خُسرانًا مبينًا إذا ظننت أن الفلسفة ليست جزءًا من التسويق. انظر بعين منصفة إلى أنجح الشركات وسترى أن وراء نجاحها فلسفة عميقة تبني عليها الشركة بأكملها كافة أنشطتها. أي شركة ناجحة تقضي أغلب وقتها في صنع ثقافة داخلية خاصة بها لتساعد موظفيها وشركائها على النجاح. وتتخذ كل شركة من تلك الشركات موقفًا خاصًا بها من كل شيء. «تلك طريقتنا في فعل كذا وكذا.» «هذا ما نؤمن به وذلك موقفنا من كذا.». وراء كل شركة ناجحة عقول مفكِّرة. والتسويق أشد الأقسام احتياجًا إلى التفكير العميق والفلسفة.  لكن دعك من كلامي…

بعد أن تنهي قراءة هذا المقال، اصنع قائمة بالأشخاص الذي تتابعهم في التسويق واسأل نفسك: لماذا أتابع هذا الشخص؟ وستجد أن السبب في متابعتك لأغلب الأشخاص في القائمة أنهم يفسرون لك ما وراء «التكتيك». هل تقرأ لكوتلر لأنه يخبرك كيف تقلل تكلفة إعلانات السوشيال ميديا؟ أو تقرأ لسيث غودن لأنه يعطيك قوالب تسويق بالبريد الإلكتروني مجانًا؟ قطعًا لا.

العلاقة بين التسويق والرقم ٣

التسويق يجيب على ٣ أسئلة أساسية:

١- أين نحن الآن؟

٢- أين نريد أن نذهب؟

٣- كيف سنصل هناك؟

كما أن للتسويق ٣ مراحل رئيسية:

١- تحليل الوضع diagnosis

٢- وضع الاستراتيجية strategy

٣- اختيار التكتيك المناسب لتحقيق الاستراتيجية tactics

وهناك المزيد من الرقم ٣. لعلك لم تنسَ التقسيم segmentation والاستهداف targeting والمكانة الذهنية positioning. والتي يُشار إليها اختصارًا بال STP. تلك الثلاثية هي القلب النابض للخطة التسويقية. فعادة ما تتم مرحلتي التقسيم والاستهداف قبل الدخول في أي عمل استراتيجي. ثم تُفتتح الاستراتيجية باختيار المكانة الذهنية.

إذن، هناك الكثير من الثلاثيات في التسويق. وهذا له دلالة —وإن لم تكن يقينية— على أن التفكير التسويقي يمر ب ٣ مراحل:

١- التحليل والفهم الصحيح للواقع

٢- اختيار أفضل وجهة بناء على رؤيتنا للواقع

٣- الوصول إلى تلك الوجهة باستخدام التكتيك المناسب

والمثير للانتباه في ما ذكرته أن أول مرحلتين يتطلبان صبرًا وتفكيرًا عميقًا لتحقق منهم أفضل نتائج ممكنة. ورغم ذلك إلا أن أغلب الشركات أصبحت تبحث عمن يحقق لها رقم ٣: مزيج من التكتيك التسويقي الذي لا تربطه أي صلة برؤية الشركة —إن كان لها رؤية— ولا أهدافها ولا موقعها في السوق الذي تنافس فيه.

وبهذا يمكننا أن نقرأ ٩٠٪ من إعلانات الوظائف التسويقية بهذا الشكل:

«نبحث عن مسوق إلكتروني قادر على جذب العديد من العملاء من شتى القنوات التسويقية. أيَّ عملاء؟ حقًا لا ندري. لكن من يكترث! المهم أن تساعدنا على جذب الآلاف منهم.نحن أيضًا لا نعلم موقفنا في السوق ولا مقدار تنافسيتنا مقارنة بالآخرين. قد لا يعجبك هذا الكلام. لكن أتدري ماذا سيعجبك؟

  • أوقات عمل مرنة
  • دورة فيفا ٢٢ كل شهر
  • مرتبات تنافسية جدًّا
  • فريق عمل رائع

قدِّم الآن وشاركنا في رحلتنا إلى مكان لا نعرفه. نتمنى أن تكون الرحلة ممتعة!»

«احترس: القالب فيه سم قاتل»

قد يشعر المسوِّق بالحاجة إلى استراتيجية واضحة. لكنه لا يعلم كيف يعمل على واحدة. فماذا يفعل إذن؟ يبحث على الإنترنت: «قالب استراتيجية تسويق مجاني» ثم يملأ القالب فخورًا بنفسه وبأنه —بخلاف بقية المسوقين— قد عمل على استراتيجية قبل أن ينفذ التكتيك.

للأسف ليس الأمر بهذه السهولة. استراتيجية التسويق ليست خانات فارغة في قالب نملأه. وإنما هي أفعال يختار المسوِّق أن تقوم بها الشركة لأنه يرى أن تلك الأفعال ستحقق للشركة النجاح والمكسب الذي تطمح فيه.

وتللك الاختيارات ليست إجابات امتحان الثانوية. ليس هناك إجابة صحيحة وأخرى خاطئة في صناعة الاستراتيجيات. لكن هناك اختيار ملائم لرؤية الشركة وهدفها وإمكانياتها. ولكي يستطيع المسوق أن يقوم بذلك عليه أن يتصف ببعض الصفات.

اختار مارك رِتسون، دكتور التسويق وواحد من كبار مؤثري التسويق في أستراليا وبريطانيا، ١٢ صفة ينبغي أن توجد في المسوق الجيد:

  1. التعاطف empathy
  2. الفضول  curiosity
  3. رؤية الصورة كاملة big picture
  4. التعامل بارتياح مع عدم وجود الدقة comfort with imprecision
  5. القدرة على توفير الوقت making time
  6. التفكير طويل الأجل thinking long-term
  7. يجني الأموال على المدى القصير short-time money maker
  8. الانتقائية choicefulness
  9. تبسيط الأشياء simplifing things
  10.  القدرة على إدارة الإبداع managing creativity
  11.  كسر القواعد rule breaking
  12.  التعلم والتأقلم learning and adapting

كل هذه الصفات تظهر في عملك على الاستراتيجية. بدءًا من تحليلك للواقع الخارجي وفهمك لظروف عملائك وشركتك؛ مرورًا باختيار الأهداف طويلة الأجل وقصيرة الأجل وتبسيط استراتيجيتك للآخرين.

أهم من الشغل…

عدد الحلول التسويقية المطروحة ومردودها يتناسبان طرديًّا مع المجهود المبذول في مرحلتي التحليل والاستراتيجية. وبالرغم من أن الحملات التسويقية هي ما يظهر للسوق إلا أن نجاحها يعتمد على المجهود المبذول قبلها.

عندما نهمل المراحل الأولى في التسويق تكون حملاتنا عبارة عن تواصل من طرف واحد. تكون الحملة التسويقية في هذه الحالة مجرد انعكاس لغرور الفريق الذي يظن أن شركته أو منتجه هي مركز الكون. حينها يمكننا أن نقول إن هذا الفريق يعمل في أي شيء إلا التسويق. فأيّ تسويق هذا الذي لا يهتم بما يشغل بال العملاء ويحاول أن يتواصل معهم برسالة تلائم أفكارهم وهمومهم؟!

أتدري ما القاعدة الأولى في التسويق؟ أنت لست العميل. إذا آمنت بهذه القاعدة وعملت بها يستحيل أن تكون بدايتك هي البحث عن أحدث تكتيك لجذب الناس وتحويلهم إلى عملاء. 

عندنا مثال في اللهجة المصرية يقول «أهم من الشغل ظبط الشغل.» ونقصد به أن المجهود المبذول في تحضير المنتج النهائي أهم من المنتج نفسه. قد يكون بالمثال بعض المبالغة، لكنه يؤكد مقصودي.

الصورة التالية توضح الخطوات الصحيحة لأي مجهود تسويقي ناجح. أول ما لاحظته عند رؤيتي لها منذ سنتين أن المراحل الأولى في الصورة قليل ما يهتم بها قسم التسويق في أي شركة عملت بها. وكذلك الحال في أغلب الشركات.

قد أكون أثقلت عليك بما حاولت أن أبرز من عيوب في طريقة تطبيق التسويق حاليًا. لكن هدفي أن أريك أنه هناك فرصة. هناك فرصة أن نكون من أصحاب الخبرات في المجال حقًا. وأن يتعامل معنا العملاء بحرفية لأنهم يعلمون حجم فهمنا لصنعة التسويق. لذلك…

دعنا نتحدث عن الحلول

١- التعلم ليس رفاهية

بدأت عملي في التسويق عام ٢٠١٦. وبوابتي كانت التسويق الإلكتروني. ذلك العالم الذي لم أحتَج فيه إلا قراءة عدة مقالات عن تحسين محركات البحث لأدعي أنني مسوق ماهر.

كنا نرى حينها أن الأكاديميين ليسوا أذكياء. فها نحن ذا نعمل في المجال من دون أن نشغل بالنا بكل التعقيدات التي يكتبون عنها في كتبهم. كنا نرى إن التليفزيون سينتهي قريبًا وأن إعلانات الشارع مجرد تضييع للمال. اسمح لي أن أقول لك إن ذلك كان غباء خامًا. بيور.

طوال مدة عملي كنت أشعر أنه هناك شيئًا مفقودًا. الصورة لم تكن كاملة: لماذا يجب أن نكتب محتوى دائمًا؟ ماذا سيختلف إن لم ننشر باستمرار على السوشيال ميديا؟ ما الذي يحدد فاعلية مجهوداتنا؟ حملتني تلك الأسئلة على استكشاف عالم التسويق “التقليدي” الذي كنا نبغضه بشدة. وحينها اكتشفت أن ما كنا نفعله لم يكن تسويقًا. وأن هناك عالمًا من المسوقين شديدي الذكاء يضحكون علينا في الجهة المقابلة من الصورة السابقة. شعرت بالحرج أن الأمر استغرقني أكثر من ٣ سنوات لأفهمه. لكن أن تصل متأخرًا خيرًا من ألا تصل مطلقًا. أليس كذلك؟

إذا كنت جادًّا في العمل في التسويق عليك بتعلم التسويق في صورته التقليدية. التسويق الإلكتروني ليس إلا قناة دعايا. اقرأ لمن شئت واحضر كورسات من تحب. المهم أن تستوعب أنه بدون تعليم تسويقي قوي ستظل تدور في حلقة التسويق الإلكتروني المفرغة.

٢- انفتح على عالم التسويق بحق

قد علمت الآن أن التسويق أوسع مما كنا نظن. وهناك أشخاص مؤثرين مختلفين أيضًا عمن نتابعهم. إذا كنت تأخذ معلوماتك كلها من نيل باتِل وشركة هَب سبوت فأنت تظلم نفسك.

سأذكر لك هنا ١٠ ممن تأثرت بهم في السنوات الماضية. لكني أذكرهم كنقطة بداية لا لكي تكتفي بهم وتظن أن علم التسويق يأتي من عندهم فقط:

  1. مارك رِتسون
  2. بايرون شارب
  3. جيني رومانيك
  4. توم روش
  5. لِس بينيت
  6. جريس كايت
  7. روجر مارتن
  8. جيمس هانكنس
  9. جي بي كاسلن
  10.  كولن لويس

في نظري، أهم حل للمشاكل التسويقية التي ذكرتها في هذا المقال هو تغيير عقليتنا وتطويرها. لا خوف عليك إذا بدأت في استيعاب التسويق بالصورة الكاملة له. بل أزعم أن هذه الخطوة الأولى في طريقك لتقديم خدمات تسويقية على درجة عالية من المهنية.

Sarah azabfaddah2 أعجبهم العدد
مشاركة
مدونة محمد إبراهيم

مدونة محمد إبراهيم

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من مدونة محمد إبراهيم