الوجود والكرامة الثقافية بين سرديتين

6 أغسطس 2025 بواسطة فؤاد العمري #العدد 9 عرض في المتصفح


الأرض ليست مجرد نطاق عيش حيواني، ولا مورد اقتصادي أو مساحة للإنتاج، بل هي وعاء للذاكرة الجماعية والهوية الثقافية للشعوب.

 ربما أصبحت الحاجة ماسة لبيان ما كان يُظن أنه بدهي عند الأجيال السابقة، فالأجيال المعولمة تشكلت ثقافتها وفق حالة اللا توطين، ونزع المكان من الوعي.

لذا من الضروري أن تدرك هذه الأجيال منطقية التضحية في سبيل الوجود الكريم، فالارتباط بالأرض متصل بـالطقوس والعقائد، والرموز والأساطير المؤسسة، واللغة والمفردات المحلية، والنظم الاجتماعية والاقتصادية التقليدية، وعندما يُسلب الشعب الأصلي من أرضه، فإن الأثر لا يكون مجرد انتقال من المكان فحسب، بل هو انفصال وجودي عن الذات الجماعية، وانقطاع في الذاكرة التاريخية والروحية، وكما قال نغوغي واثيونغو: الأرض هي أساس جميع المشاعر القومية. حين تسلب أرض شعب، تمحى قاعدة كيانهم.

إن ما يستحق التضحية لأجله لا يكون إلا ثميناً، وقيمته تربو على قيمة النفس التي تبذل في سبيل ذلك، وليس النطاق المكاني للعيش وحده دون ما وراءه هو ما يعطي تفسيراً لثمن التضحية، ولكي تترسخ هذه المفاهيم وتقاوم المحو فلا بد أن تتشكل في ثقافة الجيل، فإذا كانت الثقافة نتاج تاريخ الناس، فإنها أيضاً انعكاس لذلك التاريخ، وهذا يعني أنه لا يمكننا النظر إلى ثقافة ما على أنها عمومية مجردة، أو معارف نظرية تراكم في الذهن، بل هي واقع يعاش ومعانٍ تشكل المخيلة، فنحن نعيش أسلوب حياة تعبر عنه الثقافة الخاصة بذلك المجتمع.

ولأجل فهم الفكرة بعمق يصل إلى أقاصي مدركات العقل والوجدان؛ سنعطي ترسيماً تصورياً من خلال سرديتين قصصيتين، كل واحدة تذهب في اتجاه معاكس، ومن خلال هذا التباين بينهما نتصور الفكرة على حقيقتها.

السردية الأولى:

رواية أشياء تتداعى، للروائي والمفكر النيجيري تشينوا أتشيبي

صُنّفت الرواية ضمن ما عُرِفَ بأدب ما بعد الاستعمار، وهو الأدب الذي يرصد أحوال الشعب المستعمر في أعقاب الاستعمار، الأمر الذي جعلها واحدة من الروايات البارزة والعالمية، والرواية جاءت رداً على الروايات الغربية التي تمثلها رواية جوزيف كونراد بعنوان "قلب الظلام".

ويصور تشينوا أتشيبي في الرواية إحدى القبائل في نيجيريا، تُدعى قبيلة الأيبو وتتخذ من قرية أموفيا موطنًا لها، ولها عاداتها وتقاليدها وطقوسها المقدسة في حياتها اليومية، ومن هذه القبيلة ينحدر بطل الرواية والشخصية المحورية فيها أوكونكو، الذي كان مصارعًا قويًا واستطاع أن يرفع اسم قبيلته عاليًا، لكن يتم نفيه إلى قرية أخواله بعيدًا عن قريته بعد قتله غلامًا عن غير قصد.

يُحكم على أوكونكو البقاء في منفاه مدة سبع سنوات، وخلال هذه المدة تبدأ التغيرات بالحدوث في القرية بقدوم الرجل الأبيض، الذي كان موكلًا بمهمة تبشيرية، فدعا إلى دين جديد وأسس حكومة هناك، وكان له دور كبير في قلب أحوال القرية في مختلف النواحي، وبعد انقضاء مدة نفي أوكونكو يعود على قريته ليتفاجأ بالحال الذي أصبحت عليه، وأنّ دين الرجل الأبيض هو الذي صار سائدًا وصاحب النفوذ.

يُضمر أوكونكو في داخله حقدًا على كلّ من ترك عادات القبيلة ودينها، فلم يستطع أن يغيّر مما حدث شيئًا، وتصل الأحداث إلى ذروتها عندما يقتل أوكونكو حارس المحكمة البريطاني انتقامًا من التنكيل الذي لحق به وبأبناء قريته.

وتنتهي الرواية بانتحار أوكونكو شنقًا؛ إذ علّق نفسه على غصن شجرة، كنوع من الرفض على المآل الذي وصل إليه أبناء القبيلة.

 الفكرة الأساسية التي حملتها الرواية هو الاستعمار الثقافي للرجال البيض، الذي رآه بطل الرواية أوكونكو بحسه الطبيعي، ورأى التداعي المتدرج للروابط بين أفراد قبيلته، فيحاول أن ينبه أبناء قبيلته من الخطر الداهم للثقافة الوافدة التي ستدمر مجتمعهم، إن تخلّوا عن أعرافهم ومعتقداتهم وعاداتهم.

يقول واصفاً بطل الرواية: "أحس أوكونكو بحزن عميق، ولم يكن مجرد حزن شخصي، بل انتابه الأسى على العشيرة التي شاهدها تتمزق وتتداعى".

وتظهر الأنفة الثقافية في إحدى مواطن حديث النفس لأوكونكو، عندما أحس برعشة باردة تسري في عروقه مما يخبئه المستقبل الرهيب، وهو يتمثل مقاماً اجتمع فيه السكان ينتظرون ما سيقدمه الأجداد من قرابين وصلوات للآلهة، بينما شباب القبيلة يُصلّون لإله الرجل الأبيض ويعتكفون في كنائسه، ويديرون وجوههم عن دين آبائهم.

يبين هذا المقام شدة الضيق الذي عاشه أوكونكو، فحديث النفس لم يكن سوى شعور الذات بالذنب عن تضييعها للإرث الثقافي الذي توارثته الأجيال.

 كما كشفت الرواية عن آليات الإخضاع والسيطرة من المستعمر، من خلال تفكيك النظام الاجتماعي بانقسام القبيلة، واختراق الكنيسة لديانة المجتمع من خلال التبشير والمؤسسات التعليمية التابعة لها، وانقسام الأسرة وتفتيتها.

 وهي الفكرة الأهم التي تبرر قيمة التضحية في سبيل المقاومة، فالرواية تُجلّي سلوك المستعمر والمحتل على الدوام، الذي يقوم على تقويض الهوية الأصلية فكراً وعقيدة ونظام عيش، وتفكيك بنية الثقافة وتدميرها، وهو ما يصدق مقولة روجيه جارودي: في ادعاء الغرب الاستعماري بامتلاك الثقافة الوحيدة الحقيقية، والدين العالمي الوحيد، ونموذج التنمية الوحيد، مع نفي أو تدمير الثقافات والديانات الأخرى.

ويظهر بالتبع مفاهيم أخرى تستدعي أولوية وعي بخصوصها؛ ومن ذلك أن الهوية الجماعية إن لم تتعزز وتتطور، تتفكك عند أول تصادم خارجي، ويظهر ذلك -لمن قرأ الروية- في انقسام القرية بين موالين للكنيسة ومعارضين، وضعف رد فعل القادة أمام هيمنة البيض، فالهوية الاجتماعية ما لم تستند إلى وعي نقدي فإنها تنهار بين نفي الاستعمار ومحاولات التقليد.

السردية الثانية:

هي قصة حقيقية تحكي شعب يواجه أفول أسلوب الحياة التي عاشها منذ قرون، وهي موضوع البحث الفلسفي والأخلاقي الوارد في كتاب الأمل المتطرف، الأخلاق في مواجهة الدمار الثقافي، إذ يرى الفيلسوف جوناثان لير أن قصة بلنتي كو تثير سؤالاً أخلاقياً عميقا يتجاوز زمنه ويتحدانا جميعا: كيف يواجه المرء إمكانية انهيار ثقافته؟

 في قصة قبيلة كرو إحدى قبائل الهنود الحمر في أمريكا؛ التي استجابت لضغوط الحكومة الأمريكية على القبائل الهندية لتسليم أراضيها والانضمام إلى المحميات، والانخراط في النظام الأمريكي، يروى بلنتي كو زعيم القبيلة قصة شعبه وهو يواجه أفول أسلوب حياته الذي عاشه منذ قرون، حينما قدم إلى جنرالات الأوروبيين بحضور أبناء شعبه، وخلع قبعته الحربية، ووضعها على الضريح الحجري بجانب عصاه، وحكى بعد ذلك فقال: "عندما ذهب الجاموس، سقطت قلوب شعبي على الأرض، ولم يتمكنوا من التقاطها مرة أخرى، ثم لم يحدث شيء".

أفراد قبيلة كرو فقدوا المفاهيم التي يقيمون على أساسها سرد قصة، عندما تخلوا عن أسلوب حياتهم التقليدي في الصيد، وشعروا أنها خسارة حقيقية، لأن أي فعل إنما يكتسب هويته من خلال موقعه في عالم مفاهيمي، وهو العالم الذي انهار، فغرس العصا، وعد المآثر، وصيد الجاموس، ومحاربة قبيلة سو (القبيلة المعادية)؛  التي هي أشكال راسخة من أشكال الثبات والإصرار، لم تعد أعمالاً بطولية، لأنها لم تعد أعمالاً معقولة، فقد انهار الميدان الذي تجري فيه الأحداث، ولم تعد هناك حدود يجب أن يحموها، ولم يعد هناك معنى للحياة الكريمة التي يمكن للفرد أن يجازف بحياته من أجلها، وكذلك رقصة الشمس لم يبقَ لها أي معنى لأن شن الحرب لم يعد أمراً ممكناً، ومن ثمّ فالشجاعة التي هي الفضيلة المميزة في القبيلة لم يعد لها معنى، لأن معناها يفهم من وجهة نظر المفاهيم السائدة في القبيلة وكل ذلك قد ولي إلى غير رجعة.

  فعندما دمّرت طريقة حياة قبيلة الكرو، دمرت معها غاية تلك الحياة، ولم يعد بإمكانهم أن يعيشوا المفهوم الذي لديهم عن السعادة، فقد فقدت المفاهيم والتصورات التي كانوا يفهمون أنها تشكّل سعادتهم، تعبر عن ذلك الطبيبة الشعبية من القبيلة بقولها: "أحاول أن أعيش حياة لا أفهمها"، فزمن الدمار الثقافي هو الزمن الذي تُفقد فيه المفاهيم.  

فالمجتمعات عموماً تعيش أسلوب حياة يُعبر عنه في ثقافة ما، إذا انهار أسلوب هذه الحياة فإن الأشياء ستتوقف عن الحدوث، لأن مُثل الثقافة التقليدية لم تعد قابلة للعيش، ففي غياب الهدف السامي للحياة، لم يعد هناك تصوّر للحياة الجيدة يوفر سياقاً أكبر لأهمية النشاطات التي يقوم بها الفرد.

فمن خلال تساؤل يطرحه الكاتب: ماذا سيكون حال الأشخاص الذين ينهار أسلوب حياتهم؟

يجيب بأنهم يفقدون كل ما كان يمكن أن يكونوا عليه من ثقافة حيوية نابضة بالحياة، ومنها: الأدوار الاجتماعية الراسخة، ومعايير التميز المرتبطة بهذه الأدوار، وإمكانية تكوين الذات وفق مُثُل المجتمع.

نحن مع ذلك أمام سرديتين متضادتين تماماً كما سيتضح؛ سردية أتشيبي ومدرسة ما بعد الاستعمار، التي يعبر عنها فرانز فانون بوضوح: بأن الاستعمار لا يحتل الأرض فحسب، بل هو يحتل حياة المواطن الأصلي بكاملها، ومن ثم تصبح البلاد بكاملها، تاريخها ونبضها اليومي موضوعة على المحك، تصبح حياة خاضعة، تنكمش وتجف باستمرار، ويجري تشويهها على أمل الإبادة الحاسمة.

ولذلك فهذه المقاومة وهي تغامر بمجابهة المستعمر حدّ الموت لا تسعى فقط للمحافظة على مساحة تعيش فيها، إنهم يدركون من خلال تجربة تاريخية تكفي بأن أولئك المحتلين – كما يحكي نغوغي واثيونغو-وباسم حضارتهم المزعومة: [سيدمرون رقصاتنا ولغاتنا وأغانينا وشعرنا، وأنها لم تكن هذه حالة من الإهمال الغاشم، فقد حُضّر لها، لقد حاول الاستعمار بمنهجية؛ قتل الصورة (الإفريقية) الجمعية والفردية للذات].

إذاً معترك المقاومة الأشد هو على الصعيد الثقافي قبل المجابهة الميدانية، فالأهم أن الأحرار قبل صراعهم الدموي رفضوا أن يطلبوا من "السيد" أن يغسلهم حتى البياض؛ فقد ابتكروا أغانيهم وشعرهم ورقصاتهم وأدبهم.

وعلى الضد من ذلك نجد سردية بلنتي كو زعيم قبيلة الكرو، الذي رأى أن مقاومة الحكومة الأمريكية مصيرها الفشل والدمار، كما حدث لقبائل أخرى، ففضّل أن يعيش الكرو داخل النظام الأمريكي على أن يُبادوا، وأشد من ذلك؛ رأى أن التحالف مع الأمريكيين ضد القبائل الهندية الأخرى كان وسيلة للبقاء!!

حيث بذل جوناثان لير جهداً مضنياً ليحسّن هذا الخيار، منطلقاً من خلفيته البراغماتية الأمريكية ما بعد الحداثية، هذا الاتجاه الذي يتزعمه ريتشارد رورتي، والذي يرى أن الحقيقة ليست انعكاسًا للواقع، بل بناء اجتماعي لغوي، وأنه لا توجد طريقة محايدة أو علمية "نقية" للوصول للحقيقة، وشعارهم النسبوي المفرط يقوم على مقولة: "دعنا لا نسأل: هل هذا صحيح؟ بل: هل هذا مفيد؟ هل هذا يفتح أمامنا طرقًا جديدة للفهم؟"

ورغم إقرار جوناثان أن ما حدث لقبيلة الكرو هو انهيار ثقافي، لا يجعل الذاكرة الحية عن طريقة حياة شعب الكرو تدوم إلا بضع سنوات، وأن غاية حياتهم دُمّرت بتدمير حياتهم، وأنهم عانوا الألم بإرغامهم على الاعتراف بأن أسلوب حياتهم التقليدية قد انتهى، كل ذلك لم يمنع جوناثان لير أن يمضي في الاتجاه المعاكس تماماً ويفتل في الذروة والغارب ليقرر أنه بإمكان المرء أن يغير بنيته النفسية لتتغير من خلالها الآلية التي تجعله يشعر بالخزي، وليتقبل أنه عندما تنهار حضارة فإن الأفعال التي لو نفذت في العالم القديم ستصبح أفعالاً مخزية سوف لن تكون كذلك في الظروف الجديدة، وأنه من الصواب أن تختار الجماعة النجاة من الناحية البيولوجية كمجموعة اجتماعية، حتى لو تيقنت بموت الأساليب والطرق الراسخة التي تشكل انتماء أفراد القبيلة، وتعطيهم معنى الوجود الكريم.

كل ذلك من أجل "خير محتمل"!!، سينبثق من بين أنقاض الكارثة ويتجاوز قدرتهم الحالية على فهم ماهيته، أي التعلق بأمل يشبه الوهم أن تظهر سبل أخرى يكوّنون بها ذاتهم ويزدهرون، وهذا هو ما وصفه ب"الأمل المتطرف"، وأنه وسيلة نفسية فعالة لمواجهة الظروف الفظيعة، بل وصف هذا الأمل بأنه شكل من خداع الذات يتجنب به المرء رؤية أفعاله الجبانة، لأنه يرى أنه يسير نحو مستقبل مليء بأمل لن يفهمه إلا بعد حين!!

إذاً نحن أمام مسلك مغاير تماماً، لم يجد فيه صاحب "الأمل المتطرف" أي منطق لرؤية أتشيبي ومدرسة ما بعد الكولونيالية وكل الأحرار في التاريخ، ولم يستوعب وجاهة رأي إدوارد سعيد ورفاقه أن الاستعمار والهيمنة والاحتلال، لا تقتصر على السيطرة العسكرية والسياسية فقط، بل تشمل كذلك الهجوم على الذاكرة الجماعية والهوية الثقافية لشعب ما، وأن رحى الهيمنة الإحلالية تدورعلى صعيد الثقافة والقيم والمشاعر والأساليب، فالثقافة هي موقع الصراع المكثف.

ومن هنا ندرك أهمية أن يعرف الجيل الذي انحبست عقولهم في فردوس عالم الميديا، أن الذين يقاومون الإفناء والنبذ من العالم، لا يفهمون ذلك على أنه مجرد احتلال أرض، بل محاولة لطمس هوية وثقافة شعوبهم، وفرض قيم المستعمر، وأنهم يذودون عن ذاكرتهم الجماعية التي هي عنصر مركزي في بقائهم، لا يتصورونه بدونها، ومن ثم ينظرون لثقافتهم التي تتضمن الأدب، والتاريخ، واللغة، والفنون، والرواية الشعبية، على أنها الحصن المضاد لمحو هذه الذاكرة، فالثقافة والذاكرة هما الفعل المقاوم الأساسي ضد سياسة النفي والمحو الثقافي.

إن أولئك المعذبين في الأرض يعيدون إلى الوعي أبجديات الحرية والكرامة التي أصبحت تتلاشى من الوعي المعاصر، أبجديات يلقِّنونها تلقيناً؛ أن التحرّر الحقيقي لا يتم إلا حين تُستعاد العلاقة الروحية والثقافية بين الشعوب وأرضها، وأن الهدف ليس فقط استعادة الأرض، بل استعادة المعنى، والتاريخ، والكرامة الثقافية.

افتتان أحمد1 أعجبهم العدد
مشاركة
نشرة فؤاد العمري البريدية

نشرة فؤاد العمري البريدية

مدونة جعلتها مصبّاً لأوشال أفكاري وقراءاتي المنتظمة في شؤون الاجتماع والثقافة وما يتصل بها

التعليقات

جارٍ جلب التعليقات ...

المزيد من نشرة فؤاد العمري البريدية