إيمان السقاف

صحوت ذات يوم على هاجس أن يتوقف البشر عن التفكير والتعبير!
كانت مشاعري متضاربة ، الجو في الخارج حار رطب في ذات الوقت، وصداع طفيف -لا أعلم مصدره- يحوم داخل دماغي كفكرة تهددني بنقر رأسي عما قريب، تذكرت بعدها أني قد قرأت عدة مقالات واطلعت على عدة أفكار لأيام متفرقة قبلها، كانت كلها تصب في هذا الموضوع؛ "أن يفقد البشر نعمة الكتابة والتفكير الإبداعي".
بعد أيام قليلة -على مايبدو- قام عقلي بجمع وتحليل كل ما مرعليه من أخبار وتنبؤات المختصين بشأن الذكاء الاصطناعي، كان كل ذلك يحمل توجسات وتنبؤات غير مبشرة عن مستقبل الكتابة والقراءة!
ومما مر عليّ، كان منشوراً على انستغرام، يطرح صاحبه فكرة خطورة الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، بدأ حديثه بمثال قريب، وهو : أن الإنسان بعدما صار يعتمد على المشي والحركة منذ قرون قبل اختراع الآلة صار الآن يعتمد على السيارة، بالتالي قلّت حركته، صار أضعف من ناحية التحمل، تأثرت صحته عموماً، وأصبح من الضروري أن يفكر في طريقة لإرجاع الحركة إلى حياته وإلا فقدْ حكم على جسده بالمرض والهلاك، لهذا السبب اخترع النادي ليحل هذه المشكلة وخصص له الوقت، وقد يحتاج إلى مدرب ليعلمه كيف يتمرن بطريقة سليمة، والمرادف لفكرة هذه السيارة هو الذكاء الاصطناعي، اتخذه الإنسان أداة للتفكير والنقد والتحليل نيابة عنه ، فبدأت تظهر مؤخرا مخرجات ضعيفة تنم عن تراجع قدرة الإنسان على التفكير لحل المشكلات أو للإبداع، وهذا حقيقة مؤشر خطير، مع الوقت قد يحتاج الإنسان بسببه أن يذهب لمدرب ليعلمه كيف يسترجع قدرته على التفكير و استخدام عقله!
صار كثير من المحتوى النصي مختلف في الطرح، وصار الكاتب معرض لفقدان صوته الشخصي بسبب الاعتماد على الذكاء الاصطناعي، ما يعرضه للضمور التحليلي والاعتياد على الحصول على إجابات سريعة وجاهزة، مما يضعف القدرة على "الصبر الفكري" والعصف الذهني العميق.
دراسة من معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) ولينكد إن عام (2023-2024) تناولت تأثير استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدي على جودة العمل والتفكير؛ أظهرت الدراسة أن (الاعتماد الكامل) يؤدي إلى ما يُعرف بـ "الاتكال المعرفي" (Cognitive Offloading)، حيث يتكاسل الدماغ عن معالجة المعلومات بدقة بمجرد معرفته أن الآلة قامت بالمهام الصعبة.

بالإضافة إلى أبحاث جامعة ستانفورد حول "الذكاء الاصطناعي والتعليم"؛ حيث حذرت من أن الاعتماد على الذكاء الاصطناعي لصياغة الأفكار والنصوص من الصفر يُضعف مهارات التفكير النقدي لدى الطُلاب والكتّاب، لأن الدماغ يتعلم ويرسخ المفاهيم أثناء محاولة صياغتها، وبدون هذه المحاولة يُفقد حلقة التعلم الأساسية.
كما تُشير أدبيات علم النفس المعرفي الحديثة إلى أن الاستخدام المفرط للأدوات الذكية يقلل من الاستثارة العصبية المرتبطة بحل المشكلات والإبداع الشغوف، فيما يعرف بمفهوم "عضلات التفكير الضامرة" (Atrophy of Critical Thinking Skills).
ثم استمعت إلى حلقة بودكاست عن تسخير الذكاء الاصطناعي كأداة لمعادلة سرعة العصر المعلوماتي والتقني، الوقع السريع يحتاج إلى مجاراة، لا إلى انغلاق ومطالبة باستخدام أدوات تقليدية لم تعد تصلح للعصر الحالي المتطور، وإذا فكرت في الأمر بجدية ستلاحظ أن مجرد ركن السيارة والاعتماد على أقدامنا في هذا العصر ستكون فكرة غبية وخاسرة، لا يمكن تطبيقها بدعوى الحفاظ على صحتنا، ولكن يمكن تطبيقها في مستوى معين، يمكن أن تمشي مسافات معقولة على مستوى المجاورة السكنية أو داخل الحي سكني، إلى مسجد الحي مثلاً، في مستوى آخر لا يمكن أن تلحق بموعدك عند طبيب عيادته بعيدة عنك، وأظن أن الصورة في مسألة الحركة والصحة هي أوضح من مسألة استخدام الذكاء الاصطناعي عند الفرد، إلا أن الكثيرين بدأوا يدركون الطريقة المناسبة في استخدامه بشكل موضوعي، و بطريقة تترك لهم مجالاً للتفكير والمراجعة..

معظمنا صار يميز نسق الذكاء الاصطناعي، يمكن أن يكتشفه الناس بسهولة، كتاباته سهلة التمييز، تكرر النمط الذي يعطيه لكل من يستخدمه، مثل الإفراط في استخدام الاستدراكات وأسلوب "ليس كذا بل كذا".
كذلك الفيديوهات المفبركة صار بالإمكان اكتشاف ضحكة طفل أو ردة فعله في فيديو مصنوع بالذكاء الاصطناعي، حتى نسق التصاميم والصور صارت واضحة أنها من صنع الذكاء الاصطناعي، هذا النمط المتكرر، قد يتطور مع الوقت ولكن برأيي يستطيع الإنسان ببشريته أن يفرض سلطته ولمسته الخاصة التي تكشف عن القالب الجامد الخاوي والممل الذي يُصنع بواسطة الذكاء الاصطناعي إذا طور في المقابل ملكاته ومهاراته البشرية و قدراته التحليلية على التفكير والإبداع، ولكن حتى ذلك الوقت، يجب أن يحافظ البشر على ملكاتهم وقدراتهم العقلية في التفكير والمنطق، وإلا فقد تخضع الأجيال القادمة إلى ضمور عقلي لم تشهد البشرية مثله بسبب الاتكال التام على الآلة والاعتماد عليها!

هل صرت تتعامل بشكل واع مع أداة الذكاء الاصطناعي في الكتابة بدل الاتكالية التامة؟
أن تستخدمها كأداة مساعدة لا أداة تسرق منك قدراتك ومواهبك.
◀️📺 تلفزيون مرجع التدوين:
ترغب بظهور كتاباتك في تلفزيون المرجع؟اشترك معنا ودع الباقي علينا.
|
أبو دفعة:
🔹مدونة "لين":
في رأي لين ما الذي قد تسرقه الأفاعي كي تجدد جلدها؟
فلسفة تستحق القراءة.
ما تسرقه الأفاعي.

🔹مدونة "بدرية":
الرأي الأيسر كم قرارًا في حياتنا كان قرارنا فعلًا؟ قصة كتبتها بدرية عن الاختيار، والخوف، والاعتياد على أن يقرر الآخرون نيابةً عنا.

🔹مدونة "يوميات معاذ":
معاذ بدأ رحلته في اتباع نظام غذائي للحمية، ويشاركنا تجربته. اقرأ قصته، فقد تلهمك لتبدأ رحلتك أنت أيضًا..
ملاحظات حول الحمية والنظام الغذائي

🔹مدونة "مريم":
تقول مريم: "تزعلك الدنيا، ويراضيك فوّال الأفراح." وأنا أتفق معها جدًا، وأظن كثيرًا منكم كذلك 😆 إذا ودكم تعرفون السبب، اقرأوا ما كتبته مريم.
وقد يكون فطوركم غدًا من فوّال الأفراح!
تزعلك الدنيا.. ويراضيك فوّال الأفراح

يمكنك الاشتراك في خدمة مرجع التدوين للنشر التلقائي من خلال رابط المتجر في الأسفل.
📚🗞️مكتبة مرجع التدوين:
ماذا لو أخبرناك عن مكان واحد فيه يمكنك أن تجد تدوينات ممتعة مفيدة و تستحق القراءة عن أي موضوع يخطر ببالك؟ نقدم لكم مكتبة مرجع التدوين، حيث تضم كنز من تدوينات وكتابات مثرية لعدد كبير من المدونين المتميزين ، بنقرة زر يمكنك البحث والوصول إلى أي موضوع يهمك، وهذه الميزة تمنحك خصوصية تامة بعيداً عن الخوارزميات ومن دون أن يطلع أي أحد على بياناتك.
◀️ زرنا في متجر مرجع التدوين:
كتابة وإعداد: إيمان السقاف
إشراف عام: أحمد قربان
📩 للتواصل والإعلان:
[email protected]
التعليقات