إيمان السقاف

بعد سنين من انقطاع التواصل استضاف الجد صديقين قديمين في منزله، تواصل أحد هذين الصديقين مع ابن هذا الجد، وأخبراه برغبتهما في اللقاء بعد سنين طويلة لم يلتقوا فيها، عندما اجتمع الثلاثة، في وجود بعض أحفادهم، كان أحد الصديقين يبدو أكبر منهما بكثير، رغم أنه أصغرهم في الواقع، بدا حديثه قليلأ، كأنه غريب! وانعزاله أكبر وانسجامه مع أحاديث صديقيه يكاد لا يلاحظ، بنيته الجسدية هزيلة، يستخدم عكازة ليمشي ويساعده ابنه على الوقوف والجلوس، بدا مرتاحاً بشكل ما، ومتعباً بشكل آخر.
"هدؤه غريب" هكذا أشار صديقيه بمزح ضمن حديثهما له، لم يكن هذا الهدوء أحد سماته الشخصية، وعلى النقيض في كل ذلك كان الصديق الآخر رغم كبر سنه، أكثر إقبالاً على الحديث عن مواضيع متنوعة، يتذكر الكثير، يجيد استخدام السوشال ميديا بطريقة محددة وفقاً لاحتياجه، يتحدث عن أمور مختلفة في الحياة، ولديه قدرة على المجاراة في أي موضوع معاصر أو قديم، أضف إلى كل ذلك، كان جسده كبيراً في السن لكن همته عالية، أتى يحمل بيده ما أحضره من الحلوى وصنف من التمر الذي يحبه ليشاركه مع صديقيه، يقول أنه قد جناه من نخلة عزيزة على قلبه! لأنه يعشق الزراعة المنزلية في حوش بيته، كان يمشي بتريث، لكنه يعتمد على عضلات جسده بشكل كامل، مهندم المظهر، ظريف، ولديه ابتسامة مشرقة.
كل هذه المقارنة لاحظها أحد أحفاد الجد المستضيف، جلس يعدد لوالده ما استغربه على ضيوف جده بعد انصراف الضيوف، لماذا يختلف الثلاثة في مظهرهم ونشاطهم وشخصياتهم بهذا الشكل؟ ما الذي يجعل البعض يبدو أكبر وأكثر إرهاقاً على عكس شخص آخر في مثل سنه وبظروف مرحلية تكاد تكون متشابهة في تاريخهما الإجتماعي والصحي؟
وهنا يطرح سؤال مهم : هل هناك مسن نفسيا؟ هل يوجد مقياس عُمُري "للحياة معنوياً"؟
زمنيا يمكن أن يكون عمرك ثابتاً، بيولوجياً يمكن أن يكون عمرك أكبر أو أصغر وفقاً لصحتك العضلية ونسبة الدهون ومعدل نبض القلب، ونفسياً وذهنياً يمكن أن تكون أكبر من عمرك إذا انطفأت مبكراً، تصير إلى التسعينات في كهولتك، وتبدو كهلاً في شبابك.

في عالم رعاية كبار السن، تُدرس هذه الظاهرة تحت مفهوم شهير يُدعى (العجز المُتعلَّم Learned Helplessness).
وما يثبتها تجربة لانغر ورودين (Langer & Rodin - 1976):
تعد هذه الدراسة إحدى أشهر الدراسات في تاريخ علم النفس وقد أجريت في دار لرعاية المسنين، حيث قسم الباحثون كبار السن إلى مجموعتين:
المجموعة الأولى (الاعتمادية/الحماية المفرطة): قيل لهم إن الموظفين سيهتمون بكل تفاصيل حياتهم، وسيقومون بنقل الغذاء، وتنسيق الغرف، وسقاية نباتاتهم نيابة عنهم.
المجموعة الثانية (الاستقلالية والمسؤولية): قيل لهم إن لديهم حرية الخيار في كيفية ترتيب غرفهم، وأُعطيت لكل واحد منهم نبتة صغيرة ليعتنوا بها بأنفسهم.
النتيجة بعد 18 شهراً: كانت المجموعة التي أُعطيت مسؤولية العناية بالنبتة وحرية الاختيار أكثر نشاطاً، وأعلى في اللياقة الذهنية والصحية، وكان معدل الوفيات بينهم نصف معدل المجموعة التي حُظيت بـ "الحماية والرعاية المفرطة"!
وفي دراسة هارفارد لتطور البالغين (Harvard Study of Adult Development) حيث تُعد هذه الدراسة أطول دراسة علمية في التاريخ (استمرت لأكثر من 80 عاماً وتتبعت مئات الأشخاص من شبابهم حتى مشيبهم) وما وجدته الدراسة أن المرض والضعف البدني في الشيخوخة ليسا حتميين بالقدر الذي نتصوره، بل إن نوعية الحياة والنشاط العقلي والنفسي تلعب دوراً حاسماً.
وفيما يتعلق بالشغف والهوايات وجدت الدراسة أن الأشخاص الذين استمروا في ممارسة اهتمامات شخصية وهوايات (كالزراعة، القراءة، الكتابة، أو الأعمال اليدوية) أو اكتشفوا هوايات جديدة بعد التقاعد، كانوا أقل عرضة للاكتئاب، وأطول عمراً، وأكثر احتفاظاً بقدراتهم الذهنية مقارنة بمن اعتمدوا كلياً على أدوارهم الوظيفية فقط ثم واجهوا الفراغ بعد التقاعد.
هذه رسالة من أجلي وأجلك، لا تتوقف عن الاستمرار فيما يجعلك شخصاً مهماً وذو فائدة؛ ابنِ ذلك من الآن خارج منظومة العمل، والدراسة، والوالدية، ومسؤوليات الحياة والتزماتها الروتينية الضيقة.

الوظيفة والدراسة والأبوة أدوار مؤقتة قد تتغير طبيعتها مع الزمن، أما الهواية والشغف الشخصي فهما مراسي لتثبيت الذات.
الإنسان الذي يبني اهتماماً خاصاً خارج نطاق التزاماته الروتينية ينشئ لنفسه "مصدراً داخلياً للمعنى"؛ هذا المصدر هو ما يجعله يستيقظ كل صباح في سن السبعين أو الثمانين بابتسامة وهدف، يحمل تمر نخلته بيَدِه، ويملك روحاً أشبَه بروح الشباب مهما انحنى الجسد، يواصل الحياة لأنه يعتقد أن الاستزادة من الخير فيها، طرف في رفعة درجة نعيم الآخرة.
عندما تجد شخصاً كبيراً حولك لا تسلبه ما يشعره بأهميته ويؤكد عجزه بحجة أنه كبير في السن مادام يريد ذلك، ومادام الأمر لا يشكل خطراً عليه، شجعه على مواصلة الحياة بدل أن ينطفئ!
هذه مجرد فكرة وبعض الأسباب لتحسين الحياة عند الكبر، ليست مضمونة ولا حتمية ولكنها تعطي الإنسان بصيصاً من التفاؤل والأمل ومواصلة دوره مادام يعيش في هذه الدنيا، ووفقاً لمنظومة قيم المرء يمكن أن يكون عمره الطويل زيادة له في الخير الوفير.
هل لديك هواية تستقطع لها من وقتك الثمين؟
أو طورت مهارات تبقيك على قيد السعادة عند الكبر؟ هل تعرف شخصاً يمكنك أن تزرع في ذهنه هذه الفكرة؟ ليبدأ الآن..
◀️📺 تلفزيون مرجع التدوين:
ترغب بظهور كتاباتك في تلفزيون المرجع؟اشترك معنا ودع الباقي علينا.
|
أبو دفعة:
🔹مدونة "مريم":
هل الخياطة مثل الكتابة؟ مهما ابتعدنا عنها، لا بد أن نعود إليها يومًا؟ 🤔 مريم تؤمن بذلك، وتحكي كيف انتقلت الخياطة في عائلتها من جيل إلى جيل، ولماذا ترى أن مكينة الخياطة تبعث الحياة في البيت 🧵🪡.
ثلاث نساء.. وقطعة قماش

🔹مدونة" كالنبتة":
"تضعف النبتة أو تموت: إذا اختل نظامها الداخلي"
ترى حصة أننا _نحن البشر_ كالنبتة، في نظامنا، وحاجاتنا، وعوامل التأثير فينا؛ لذا تكتب في مدونتها محتوى يعيننا على فهم أنفسنا، أفكار عميقة، وسرد ينجح دائمًا في الإقناع.
كالنبتة- معرفة تعينك على فهم نفسك
🔹مدونة "داليا":
كيف تعاملت داليا مع حبسة القراءة، وبعض قراءاتها، واختياراتها من البودكاست..
بصحبة ايزابيل وفاطمة وماثيو ومحمد

🔹مدونة "بيان":
إذا كنت مهتمًا بتعلّم البرمجة أو لا تزال تبحث عن المسار المناسب لك، فهذه التدوينة تستحق القراءة. تشارك بيان فيها رحلتها مع التعلّم، وأبرز ما ساعدها على فهم البرمجة، مع شرح واضح للفرق بين الواجهات الأمامية والخلفية 💻.
مالفرق بين Frontend & backend

يمكنك الاشتراك في خدمة مرجع التدوين للنشر التلقائي من خلال رابط المتجر في الأسفل.
📚🗞️مكتبة مرجع التدوين:
ماذا لو أخبرناك عن مكان واحد فيه يمكنك أن تجد تدوينات ممتعة مفيدة و تستحق القراءة عن أي موضوع يخطر ببالك؟ نقدم لكم مكتبة مرجع التدوين، حيث تضم كنز من تدوينات وكتابات مثرية لعدد كبير من المدونين المتميزين ، بنقرة زر يمكنك البحث والوصول إلى أي موضوع يهمك، وهذه الميزة تمنحك خصوصية تامة بعيداً عن الخوارزميات ومن دون أن يطلع أي أحد على بياناتك.
◀️ زرنا في متجر مرجع التدوين:
كتابة وإعداد: إيمان السقاف
إشراف عام: أحمد قربان
📩 للتواصل والإعلان:
[email protected]
التعليقات