غاليه الجهني

«لدي فضول حول الفضول» بهذه الجملة يستفتح ألبرتو مانغويل كتابه الممتع حول تاريخ الفضول باعتباره جسراً بين الإنسان والمعرفة. يأتي إهداء الكتاب باعثاً على الفضول أيضاً:
«إلى أميليا المترعة بالفضول القابل للإشباع كما في حكاية الفيل الصّغير».
لم أتمكن من معرفة صلة قرابة هذه الأميليا بالكاتب لكن يبدو أنها طفلة صغيرة إذ أن الفيل الصغير قصة للأطفال. أعجبني تعبير (المترعة بالفضول) فهو يوحي بالامتلاء وكأن الفضول تحول من صفة إلى طاقة تفيض من هذه الطفلة وتدفعها إلى الأمام نحو إشباع تساؤلاتها. تظهر أهمية الفضول عند مانغويل من تركيزه على هذه الصفة بالذات، فبالنسبة له لا يهم أن تكون أميليا ذكية أو جميلة أو إلى آخره من الصفات، بل ممتلئة بالفضول نحو كل شيء فهذه الحالة هي ما يسمو بالإنسان ويمنحه القدرة على معرفة العالم.

إن قصة الفيل الصغير باختصار تحكي عن عالم قديم قبل أن تكون للفيلة خراطيم بل أنف أسود منتفخ يشبه الحذاء، كان هناك فيل صغير شديد الفضول لدرجة أن الحيوانات تضربه من كثرة إزعاجه لها بأسئلته، وفي ذات يوم سأل التمساح مالذي يتناوله على العشاء؟ فطلب منه الاقتراب ليهمس الجواب في أذنه ثم أطبق على أنفه قائلاً: اليوم سآكل فيلاً صغيراً. وبعد شد وجذب بينهما نجا الفيل لكن أنفه تمدد وصار ما هو عليه اليوم. ما يستفاد من القصة أن الفضول وحب الاستكشاف قد يوقعان الشخص في المشاكل لكنهما في النهاية يقودان إلى التعلم والتطور والتغيير الإيجابي، ورب ضارة نافعة. جدير بالذكر أن كاتب هذه القصة هو روديارد كيبلينج، مؤلف كتاب الأدغال.
تذكرني هذه القصة بالعبارة الشهيرة (الفضول قتل القطة). يقال أن أصل هذه العبارة كان الهم/القلق قتل القطة وليس معروفاً كيف تحولت إلى الفضول؛ لها تتمة تقول: الفضول قتل القطة لكن إرضاءه أعادها.

بالحديث عن الطفولة ، يسمي البعض هذه المرحلة العمرية مرحلة السؤال إذ ينمو مخ الأطفال بسرعة هائلة ويشكل كل اكتشاف جديد وصلات جديدة داخل أدمغتهم. لا نكاد نفرغ من مناغاتنا الأولى حتى نبدأ بالتساؤل ، كما يقول مانغويل مطلقاً على إشارة الاستفهام (؟) اسم "التمثيل المرئي لفضولنا". يدخل دماغنا في (حالة الفضول) حين نواجه فجوة بين ما نعرفه وما نريد معرفته (فجوة المعلومات Information-Gap Theory) ومن خلالها تنشأ الرغبة في البحث ثم تأتي المعرفة لإغلاق هذه الفجوة ومكافأتنا بالدوبامين مضيفةً إلى إشباع فضولنا الشعور بالسعادة.
لا غرابة إذاً أن فقدان القدرة على التساؤل والدهشة قد يدل على الدخول في حالة الاكتئاب. في مقال عن علاقة الاكتئاب بفقدان الفضول والخيال قرأت أن الحزن قد يظهر على شكل انغلاق على النفس وكأن لا شيء في الخارج يستحق أن نتساءل عنه. هناك دراسة علمية حديثة نُشرت هذا العام وجدت ارتباطاً بين انخفاض الفضول وارتفاع أعراض الاكتئاب.
كان الشاعر بودلير يفسر الشعور بالضجر على أنه ثمرة عدم الفضول؛ معتبراً الفضول استعادةً للطفولة وحالة ذهنية ترفض الركود والملل. في إحدى قصائده يقول عن نفسه: «أنا الروح الفضولية المعذبة».

بين الفضول الذي يقود إلى المعرفة وبين ذاك الذي يودي بنا نقرأ ونسمع الكثير من الحكايات والأمثال، وفي ألف ليلة وليلة أوضح مثال على ما يمنحه لنا من متعة وسحر إذ أنقذ فضول شهريار حياة شهرزاد. بالمقابل ربما يمكننا القول أننا ضحايا الفضول فهو ما طردنا من الجنة مذ أكل آدم وحواء من الشجرة المحرمة. كذلك عوليس (الاسم اللاتيني لأوديسيوس) ضحية أدبية مشهورة تسلم زمام أمرها للفضول لتمتد رحلة العودة إلى الوطن سنوات طويلة مليئة بالمغامرات والمصاعب نقرأها في الأوديسة أو نشاهدها في الفيلم. أظنني الوحيدة التي لم تشاهده بعد.
يتطلب السفر الفضول. يزخر التاريخ العربي بسير الجغرافيين والرحالة المسلمين مثل الإدريسي وابن بطوطة وغيرهم من الذين أدركوا ضرورة السفر لطلب العلم وصقل الذهن.
أجد تفسيراً لحب المغامرة هذا في مقولة جيمس ستيفنز:
«الفضول يدحر الخوف أكثر مما تفعل الشجاعة».
بالمناسبة، فضول المسافر وفضول القارئ متداخلان على نحو وثيق. فهما شكلان من الرغبة في مغادرة المألوف بحثاً عن شيء لم نعرفه بعد. السفر يضعنا أمام أماكن وعادات لم نختبرها والقراءة تضعنا أمام أفكار وحيوات لم نعشها، وكلاهما لا نعود بعده كما كنا.
يصبح الفضول سلبياً ومذموماً حين يكون موجهاً نحو تتبع عورات الآخرين والتطفل على حياتهم وقد نهانا نبينا ﷺ عن هذا النوع بقوله: «من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه». قد ينحو الفضول الاجتماعي نحو هذا الخطأ لكن الفضول بنوعيه الذهني والعاطفي إيجابيان غالباً. بينما نكتشف العالم من خلال الذهني يركز الفضول العاطفي على عالمنا الداخلي (الفضول حول الذات Self-Curiosity). إن التساؤل (لماذا أشعر؟) أجدى من سؤال (ماذا أشعر؟).

هناك نوع مرضي وقاتم من الفضول (Morbid Curiosity). طور الباحثون مقياساً خاصاً لهذا النوع ووجدوا له أبعاداً تشمل الاهتمام بالعنف والمخاطر وانتهاك الجسد. من الشواهد الأدبية على هذا الفضول نحو ما نعرف أنه سيؤذينا ومع ذلك نصر على معرفته: صندوق باندورا. إنها أسطورة يونانية تحكي قصة امرأة تدعى باندورا دفعها فضولها إلى فتح صندوق يحتوي على كل الشرور في الدنيا من أمراض وآلام وحروب… أيضاً في استماع عوليس إلى أغنية السيرينات شاهد قوي على غواية الفضول الملقية إلى المهالك.
لنخرج من هذا الجو ونعود إلى الفضول الرائع الذي يؤدي إلى الاكتشاف والإبداع. كثير من الاختراعات المفيدة منشأها الفضول مثل الميكروويف والبنسلين. إلا أن هناك اختراعات غير عملية ولا يمكن استخدامها مع أنها تبدو مفيدة؛ وهذا النوع يسمى التشيندوجو (Chindogu). يرتبط هذا الفن الياباني بالفضول ارتباطاً وثيقاً، ويعتبر جوهر الفضول العلمي لأن المخترع يصنع الشيء لمجرد رؤية كيف سيبدو دون أي نية للربح من خلاله. يجسد المخترع هذه الأفكار العبثية لمجرد الفضول نحو حلول غير تقليدية لتفاصيل الحياة اليومية البسيطة.

يطول الحديث ويتشعب عن هذا الموضوع الثري. في الختام أوصيكم بقراءة كتاب الفضول للكاتب ألبرتو مانغويل، وأتمنى لكم فضولاً مشبعاً يقودكم نحو إنجازات كبيرة وأفراح كثيرة💖.
◀️📺 تلفزيون مرجع التدوين:
ترغب بظهور كتاباتك في تلفزيون المرجع؟اشترك معنا ودع الباقي علينا.
|
أبو دفعة:
🔹مدونة "معاذ":
أخيرًا، بعد التشتّت الذي كان يعيشه معاذ وحالة السكون التي كانت تسيطر على معظم يومه جعلته الساعة الذهبية يعيش صفاءً ذهنيًا، ونشاطًا، ونفسًا أكثر بهجة واتزانًا. اقرأ التدوينة لتكتشف ما هي ساعة معاذ الذهبية، وكيف غيّرت يومه بالكامل.
عن الساعة الذهبية أتحدث
🔹مدونة "فوزية":
أصدقائي الكتاب:
حدث وأن انطفأ وهج الكتابة لديكم، تركتم الأقلام، وأغلقتم الدفاتر؟
سترشدكم فوزية إلى طريق العودة، ومسالك البدء من جديد..
الحنين للكتابة
🔹مدونة "أحمد قربان":
أظن أننا جميعًا نمر بمرحلة الفوضى داخل عقولنا، تلك المرحلة التي تتراكم فيها الأفكار والأعمال وحتى المشاعر، ولي طريقتي في ترتيب تلك الفوضى والتعامل معها. كما أن لأحمد قولٌ في الفوضى التي عمّت عقله🙂.
فوضى في عقل أحمد
🔹مدونة "حصة":
حديث عن الجمال لطيف، تدردش به حصة من واقع سنوات من تدريس في كلية البنات💕
"ولو أعجبك حُسنهن": صَوناً لذاكرة العين ووفاءً لصِبغة الطبيعة
يمكنك الاشتراك في خدمة مرجع التدوين للنشر التلقائي من خلال رابط المتجر في الأسفل.
📚🗞️مكتبة مرجع التدوين:
ماذا لو أخبرناك عن مكان واحد فيه يمكنك أن تجد تدوينات ممتعة مفيدة و تستحق القراءة عن أي موضوع يخطر ببالك؟ نقدم لكم مكتبة مرجع التدوين، حيث تضم كنز من تدوينات وكتابات مثرية لعدد كبير من المدونين المتميزين ، بنقرة زر يمكنك البحث والوصول إلى أي موضوع يهمك، وهذه الميزة تمنحك خصوصية تامة بعيداً عن الخوارزميات ومن دون أن يطلع أي أحد على بياناتك.
◀️ زرنا في متجر مرجع التدوين:
كتابة وإعداد: غالية الجهني
إشراف عام: أحمد قربان
📩 للتواصل والإعلان:
[email protected]
التعليقات