|
|
|
«لا ينبغي الكتابة عن أحدٍ أبداً».سيوران
|
|
|
غالية الجهني
|
|
|
|
|
|
أحب قراءة السير الذاتية. الكتب التي تسرد تجربة عاشها الكاتب من حب أو فقد أو صراع مع مرض… إلخ تستهويني أكثر من الخيال. لكن الكاتب بطبيعة الحال لا يمكنه الكتابة عن ذاته دون التطرق إلى ذوات الآخرين المحيطين به ولو قليلاً؛ فهل يملك هذا الحق؟ هل يملك حق تحويل حياتهم إلى مادة أدبية؟ هنا يظهر الإشكال الذي أود تسليط المقال عليه.
|
|
|
إن أخلاقيات الكتابة الذاتية موضوع شائك، فبين حق الفرد في رواية تجربته وحق الآخر في الحفاظ على خصوصيته تقف الكتابة أمام منعطف صعب قد تتحول بعده إلى ما يشبه السرقة الأدبية أو الصحافة الصفراء.
|
|
|
عموماً، نحن نعيش في زمن اللاخصوصية، زمن تطبيقات التواصل الاجتماعي الذي جعلنا نتنافس على تعرية أنفسنا تحت تأثير الشعور المريح بالتواصل الذي يجلب معه شعوراً بلا أهمية الخصوصية كما يقول الكاتب الساخر غاري شتينغارت. أظن هذا يفسر ظاهرة الكتابة عن الواقع في السنوات الأخيرة.
|
|
|
|
|
|
«أي تشابه بين ناس في الواقع وشخصيات من هذا العمل يعود السبب فيه إلى فهم الطبيعة البشرية»:
|
|
|
إن افتتاحية رواية التعساء لديميتري فيرهولست مدخل ممتاز للحديث عن استخدام العائلة كمادة أدبية. جذبني هذا التنصل الذكي والساخر إلى قراءة الرواية لأكتشف أنه يروي فعلاً سيرة حياة عائلته. يظهر الأسلوب التهكمي منذ الإهداء، إذ أهداه إلى ذكرى جدته قائلاً أن موتها قبل انتهائه من تأليف الكتاب قد جنبها العار. عبّر ديميتري لاحقاً بعد استياء عائلته، عن ندمه على هذه المخاطرة رغم أنه يعتبرها ضرورية وجزءاً من لعبة الكتابة. يقول "بعد كل كتاب يصبح لدي أصدقاء أقل" لكنه يوضح ألا خيار آخر لديه فأسلوب كتابته يعتمد على أفكاره ومحيطه "وإلا لكانت كتابتي محض اختلاق وأنا لست كاتباً للخيال البحت".
|
|
|
«هل كان الأمر يستحق كل هذا الضجيج والمعاناة والنبذ؟»:
|
|
|
أثارت ملحمة كفاحي للكاتب كارل أوفه كناوسغارد جدلاً في المجتمع النرويجي الذي لم يعتد هذا النوع من الكشف. لك أن تتخيل حجم الفضيحة التي توزعت على مدى ست مجلدات. لعل كارل أكثر كاتب عانى من تبعات صراحته الأدبية فقد طارد الإعلام أفراد عائلته المذكورين في كتابه وتعرضت زوجته الثانيه للانهيار العصبي قبل انفصالهما إضافة إلى امتعاض بعض من ذكرهم في عمله. هذا وتصنيف العمل Autofiction أي تخييل ذاتي حيث يخلط الكاتب بين الواقع والخيال، فكيف لو كان واقعاً تاماً؟!
|
|
|
يدافع كناوسغراد عن حقه في الكتابة عن عائلته قائلاً بأنه فعل ذلك بنية صافية؛ ومثل ديمتري يعترف أنه نادم لكنه لا يستطيع الكتابة بطريقة أخرى.
|
|
|
«لم يكن عدلاً ألا يكون بمقدوره الاعتراض على ما أفعله»:
|
|
|
في اختراع العزلة يكتب بول أوستر أن غموض حياة والده كان دافعه للكتابة: "لو كنت وجدت شيئاً آخر غير الصمت، هل كنت أحسست بالحاجة إلى البوح؟". كان والده رجلاً صموتاً ولم يجد بعد وفاته سوى سرد الماضي الغير موثوق وسيلةً للقبض على شبحه؛ "فأنت لا تكف عن الجوع لحب أبيك حتى بعد أن تكبر". هذه المحاولة الواهية تقربني كثيراً من هذا العمل وتدفعني إلى محبته. يعترف أوستر مسبقاً بفشل مشروع الكتابة هذا وأنه لا يملك الحق في انتهاك خصوصية والده لكنه لا يستطيع الهرب من رغبة الفهم.
|
|
|
هناك فرق بين هذا الكتاب وبقية كتب رثاء الأب. في عام المتاحف الصغيرة مثلاً تسرد أسماء عزايزة من منظورها الشخصي معتمدة على ذكرياتها ومشاعرها بينما أوستر يضطر إلى التنبيش والتقصي في الماديات لأنه لا يملك شيئاً داخلياً يعتمد عليه وهذا هو الإشكال في حالته. غضبت عائلة أوستر من الكتاب واعتبرته فضيحة لها بل واتهموه بالكذب. لم يهتم المترجم أحمد العلي بردود الفعل هذه أثناء ترجمة الكتاب بل أشاد بشجاعة الكاتب، "شجاعة الفضح النبيل" كما يسميها.
|
|
|
أرى أن المحرك الخفي لفضح العائلة يتلخص في قول بييداد بونيت: السرد يعني الابتعاد. حُجّة مقبولة للكتابة عن كل ما يثقل كاهل الكاتب. هي «سجون نختار أن نحيا فيها» كما تقول دوريس ليسنج، فما المانع من التحرر منها ومواراتها في كتاب؟
|
|
|
أن تكون جالساً تقرأ في أمان الله ثم تجد حياتك صارت رواية كتبها شخص آخر غيرك، لهو شعور شنيع. إن استياء ذوي المؤلفين مفهوم ولا غبار عليه. لعلهم طوال حياتهم توجسوا واتقوا قلم قريبهم كما اتقى الناس قديماً الشاعر الهجّاء. كقارئة من جمهور هذا اللون الأدبي أستوعب موقف طرفي النزاع. ما لا أستوعبه هو عندما يُنشر كتاب سري شديد الخصوصية بين الكاتب وبين آخر مثلما فعلت غادة السمان، أو بينه وبين نفسه مثلما فعلت عائلة جوان ديديون مع مذكراتها بعد وفاتها. أن تكون الكاتبة مثل جوان معتادة على الكشف والبوح في كتاباتها لا يشفع استغلال غيابها للتعدي على خصوصيتها وكشف ما اختارت ستره.
|
|
|
|
|
|
يقول ريلكه "حياة العظماء طريق محفوف بالأشواك لأنهم مكرسون تماماً لفنهم. هكذا تغدو حياتهم الشخصية مثل عضو ضامر لم يعودوا بحاجة إليه". هذا الاقتباس خطيرٌ جداً، فإذا رأى الكاتب الأمر بهذا المنظور، مجرد تضحيات في طريق الفن، لن يقف شيء في وجه قلمه. لا أخلاقيات ولا غيرها.
|
|
|
دوريس ليسنج واحدة من الأدباء الذين حلوا المعادلة ونجحوا في إمساك العصا من المنتصف. احتوت كتاباتها على مقاطع من حياتها لكنها خلطتها بالخيال حتى صار صعباً تمييزه من الواقع وفصله عنه. حتى عندما كتبت سيرتها الذاتية وضعت حداً واضحاً حين تعلق الأمر بالكتابة عن حياة الآخرين ولم تكتب عن أبنائها (بعدما كبروا): «لا أريد أن أحرجهم، لا أستطيع أن أفعل ذلك بهم وبالتأكيد لا أحب أن يُفعل بي ذلك».
|
|
|
|
|
|
انتهج كثير من الأدباء العرب كتابة سيرهم الذاتية حتى بات بعضهم يُعرف بهذا الأسلوب واصطبغت به معظم كتاباته. منهم الكاتبتان المصريتان إيمان مرسال وفاطمة قنديل التي تصف نفسها قائلةً "أنا بطبيعتي شخص اعترافي". كذلك الكاتب صنع الله إبراهيم والكاتب علاء خالد. إن مزج الخاص بالعام يكاد يكون سمة عربية، كيف لا وأمتنا ترزح تحت هموم عديدة لا مفر للكاتب العربي من الكتابة عنها.
|
|
|
هناك عدة نماذج عربية أثارت الجدل، أشهرها:
|
|
|
|
|
|
كتب فيها سيرة حياته أثناء الطفولة والمراهقة وأثار غضب كثيرين من أفراد عائلته وأصدقائه بسبب الطريقة الفجة التي كتبهم بها. تم منع الرواية في المغرب وبعض البلدان العربية اعتراضاً على محتواها الخادش.
|
|
|
|
|
|
اعتبر عملها إساءة للمجتمع السعودي بينما قالت أنها اقتبست من الواقع ولم تنقله حرفياً.
|
|
|
|
|
|
كتبت عن كل من حضر صالونها الأدبي بأسمائهم الحقيقية. حرفياً كل من حضر حتى أن بعضهم لا علاقة له بالأدب ووجد نفسه مفضوحاً بين الصفحات. المضحك في الأمر، والذي اعتبره النقاد خيانة عظمى، أنها تحفظت على اسم زوجها الحقيقي.
|
|
|
خلاصة القول، من أراد سرد حياته علناً عليه أن يراعي حدود الآخرين الذين تتقاطع حيواتهم معه، ويستخدم التورية والمجاز قدر استطاعته في المواضع التي يحتاج فيها إلى الفضفضة. دعونا لا ننسى أن آني إرنو فازت بجائزة نوبل لأنها نجحت في تحويل حياتها إلى مادة أدبية لهذا السبب بالذات، وحافظت على شعرة معاوية بين حقها في السرد وحق الآخر في الخصوصية.
|
|
|
|
◀️📺 تلفزيون مرجع التدوين:
|
|
ترغب بظهور كتاباتك في تلفزيون المرجع؟اشترك معنا ودع الباقي علينا.
|
|
|
|
أبو دفعة:
|
|
🔹مدونة "مريم عمر":
|
|
|
أفراح، وكعكة، وأنشودة… وكل ما يليق بلحظة التخرج. كانت مريم تحتفل بتخرج آخر العنقود من أبنائها، لكن صورًا ومقاطع قديمة جعلتها تشعر بشعورٍ غريب ومبكي؛ حتى لم تجد في داخلها إلا جملة واحدة ترددها: «أين صغاري؟ أريد صغاري.» 😢🎂.
|
|
|
تخرّج آخر العنقود... هل تخرّجتُ أنا أيضًا؟
|
|
🔹مدونة "كالنبتة":
|
|
|
"لماذا تستعصي بعض الكلمات على الترجمة؟"
|
|
|
هل تتوقعون السبب؟ 🤔
|
|
|
(كالنبتة) ترجمت مقالًا مدهشًا عن كلمات ترجمتها لا تصف دقة ما تعبر عنه. في المقال ستفاجؤك مفردات لا بديل لها في لغتنا حقًا ✨️.
|
|
|
عصيةٌ على الترجمة: ليس للشوق كلمة في الإنجليزية!
|
|
🔹مدونة "غصن نحو السماء":
|
|
|
تسأل داليا ما هو عنصر الثبات في حياتكم؟ 🤔
|
|
|
فربما نجده في الموجودات والأشياء حولنا.
|
|
|
بين الشجر والجبل أجد نفسي.
|
|
🔹مدونة "معاذ":
|
|
|
روايةٌ ثرية بالرموز، تمارس نقدًا للرأسمالية، وتميل في طرحها نحو الشيوعية.
|
|
|
(ميتتان لرجل واحد) لـجورج أمادو، يقدم لنا معاذ مراجعة مميزة عنها، ويدعوكم لقراءتها.
|
|
|
ميتتان لرجلٍ واحد... صراع الرأسمالية والشيوعية
|
|
|
يمكنك الاشتراك في خدمة مرجع التدوين للنشر التلقائي من خلال رابط المتجر في الأسفل.
|
|
|
|
📚🗞️مكتبة مرجع التدوين:
|
|
|
ماذا لو أخبرناك عن مكان واحد فيه يمكنك أن تجد تدوينات ممتعة مفيدة و تستحق القراءة عن أي موضوع يخطر ببالك؟ نقدم لكم مكتبة مرجع التدوين، حيث تضم كنز من تدوينات وكتابات مثرية لعدد كبير من المدونين المتميزين ، بنقرة زر يمكنك البحث والوصول إلى أي موضوع يهمك، وهذه الميزة تمنحك خصوصية تامة بعيداً عن الخوارزميات ومن دون أن يطلع أي أحد على بياناتك.
|
|
|
تصفح مكتبة مرجع التدوين 📚
|
|
◀️ زرنا في متجر مرجع التدوين:
|
|
|
متجر مرجع التدوين
|
|
|
|
|
كتابة وإعداد: غالية الجهني
|
|
|
إشراف عام: أحمد قربان
|
|
|
|
📩 للتواصل والإعلان:
|
|
|
Allarabblogs@gmail.com
|
|
التعليقات