رحلة لا تنتهي
كانت السيدة آن تسير في الصحراء، في طريقها الوحيد الذي ألفت السير فيه منذ آلاف السنين. لم يكن للطريق بداية تتذكرها، ولا نهاية تنتظرها؛ كان ممتدًا أمامها، كأن الرمال نفسها لا تعرف إلا أن تفسح لها المجال.
كانت تستعيد بقايا أيام بعيدة، ووجوه البشر الذين أحبتهم ثم رحلوا عنها، واحدًا تلو الآخر، وبقيت هي.
بقيت هي، كما لو أن البقاء قدرها الوحيد، وكأن الخلود لم يمنحها الحياة بقدر ما حرمها من نهايتها.
وكان من بين ذكرياتها راعي أغنام بابلي، اعتادت مراقبته دون أن يراها؛ تصغي إلى أهازيجه حين يعود بقطيعه، ثم تنتظر حتى يغفو تحت السماء، مستمتعةً بصوته وهو يتلاشى شيئًا فشيئًا في سكون الليل.
كانت تحبه من بعيد، كما أحبت أشياء كثيرة لم تستطع امتلاكها، وكما فقدت أشياء أكثر قبل أن تتاح لها فرصة وداعها.
وما إن يغفو، حتى تتابع سيرها.
لم تكن تعرف إلى أين تمضي، لكنها كانت تعرف أنها لا تستطيع البقاء. كان التوقف غريبًا عليها؛ كأنها لو توقفت، لخرجت عن طبيعة ألفتها طوال هذه القرون.
وبينما كانت تستعيد تلك الذكريات، شعرت بطفليها يتحركان في رحمها. كانا يرفسانها، كأنهما قد ضاقا ذرعًا بمكوثهما فيه، ويريدان الخروج إلى العالم.
كانا يريدان الحرية؛ الحرية التي لم تذقها هي يومًا.
كانت تشعر بهما، وتسمع صمتهما في داخلها، وتدرك أن وجودهما لا يشبه أي وجود عرفته من قبل. طفلان ينموان فيها دون أن يقتربا من الولادة؛ طفلان يثبتان لها، مع كل رفسة، أن شيئًا في داخلها ما زال يريد أن يولد.
وكانت، كلما تخيلت وجهيهما، رأتهما بالملامح نفسها؛ الوجنة ذاتها، والعينان ذاتهما.
فحياتها لم تعرف ولادةً ولا موتًا. لم تنم، ولم تحتج إلى طعام أو شراب، ولم تعرف في جسدها تعبًا يطلب الراحة.
لم يكن جسدها يشيخ، ولم تكن السنين تترك عليه أثرًا. كانت تمر عليها القرون كما تمر الريح على الرمال، فلا يتغير منها شيء.
أما هي، فكانت تتغير من الداخل. كانت تعرف أن البشر قد يتمنون حياة كهذه؛ حياة لا يقترب منها المرض، ولا يبلغ فيها العمر نهايته. لكنها عرفت، بعد كل هذه السنين، أن طول الحياة ليس هو المشكلة، وإنما أن تطول بك الحياة دون أن تجد أحدًا يشاركك إياها.
كانت ترى من حولها يرحلون واحدًا بعد آخر. وجوه تعرفها، وأصوات ألفتها، ومدن عاشت فيها ثم اختفت، وأجيال كاملة لم يبق منها إلا الذكرى. وكانت هي، في كل مرة، تبقى حيث هي.
لهذا لم تعد تعرف كيف تنظر إلى خلودها. أكان نعمة نجت بها من الموت، أم ابتلاء لا تعرف كيف ينتهي؟ لم تكن تملك جوابًا، وكل ما كانت تعرفه أنها، مهما طال بها العمر، لم تجد بعد من يبقى معها.

أطفالي، لا تزعجوا البشريين..
ذات مرة، وبينما كانت تسير في الصحراء، رأت مجموعة من البشر يتحادثون عن الأراضي والعقارات. اقتربت منهم ووقفت بينهم، تصغي إلى حديثهم دون أن يشعر أحد بوجودها.
كانت معتادةً ألا يراها أحد. كان خفاؤها عن أعينهم جزءًا من وجودها، حتى إنها لم تعد تسأل نفسها إن كانت حاضرة حقًا، ما دام العالم لا يلحظ حضورها.
وفجأة، ذهلت حين وجدت بصر الرجل الذي أمامها معلقًا بها، كأنه رآها.
كانت نظرته ثابتة لا تتحرك.
ولأول مرة في حياتها، أفزعها أن يراها أحد. فقد عاشت بين الجن والإنس، ومشت بين الحيوانات على اختلاف أشكالها، ولم تخش أحدًا قط، ولم يلتفت إليها أحد.
أما الآن، فقد شعرت بأنها مكشوفة.
لم يكن في نظرته ما يؤذيها، ومع ذلك أحست كأن آلاف السنين التي عاشتها دون أن يراها أحد قد انهارت دفعة واحدة.
كانت تظن أنها لا تخاف شيئًا، لأنها لا تملك ما تخسره. لكن في تلك اللحظة، أدركت أنها تخاف أن تُرى؛ تخاف أن يصبح وجودها حقيقة في عين أخرى.
سألت نفسها بتوجس:
«ما هذا الشعور؟ لماذا أخاف، مع أن حياتي أبدية؟ هل هذا هو الخوف فعلًا؟ ولماذا لم أعرفه من قبل؟ هل تلاشت مني نعمة الخفاء، وأصبحت مثلهم؟
وبالأصل، لماذا أخاف من كومة لحم تمشي، لا حول لها ولا قوة؟!
وأنا التي جلست في زمن الخليفة المنصور على عرش هيروقس ملك الجن، في حضرة حاشيته وعفاريته، والتحمت النيران بجسدي، ولم يعلم أحد من صعاليكه بوجودي!
أنا القوة الخارقة الوحيدة على هذه الأرض؛ المخلوقة التي تفوق قدرات البشر والجن مجتمعين، والكائنة الاستثنائية التي لا مثيل لها.
أو هكذا كنت أقول لنفسي كلما أثقلني شعور الخذلان والوحدة.
آه، أخ، يا طفليّ، لا تزعجا البشريين.»
وما إن وضعت يديها أسفل بطنها، حتى رأت الرهبة والخوف يملآن عيني الرجل.
قال وهو ينظر إلى السماء:
«انظروا إلى هذه السحابة القادمة! إنها فظيعة ومرعبة!»
تماسكت السيدة آن، وما إن أدركت مقصده حتى شعرت كأن صخرة أزيحت عن قلبها.
لم تكن تعرف ما الذي أخافها حقا؛ أكان خوفها من أن يكون قد رآها، أم من أن تكون قد توهمت أنه رآها؟ وحين صرف الرجل بصره عنها، تنفست آن الصعداء، وعادت إلى خفائها؛ إلى ذلك الموضع الذي عاشت فيه قرونا طويلة، حتى ألفته وألفها، وصار أقرب إليها من كل ما حولها.
وما إن غادروا، حتى عادت تفكر في حديثهم عن الأراضي والعقارات: قطع من الأرض، وملكية تنتقل من يد إلى أخرى، وأسعار، ومساحات، وحدود.
قالت في نفسها:
على الرغم من سيري الطويل، واحتكاكي بالبشر منذ أزمنة بعيدة، وشهادتي على حضارات بأكملها، لم أفهم سر حبهم الشديد للتملك، واللذة التي يشعرون بها حين يقولون:
«هذا لي.» و «هذا ملكي.»
كيف يمكن لكائن أن يملك أرضًا، وهو نفسه عابر سبيل عليها؟
كيف يطمئن إلى ما يسميه ملكا، وهو يعرف أن الزمن لا يبقي على شيء؟
يا لحياة هؤلاء…
يتحدثون عن غاية سامية، ويكررونها كل يوم جمعة وأحد، ثم يمضون بقية أيامهم فيما لا يبدو لي غايةً من وجودهم.
إن كان لحياتكم معنى، فلماذا لا تلتزمون به؟
وما بالكم لو كانت حياتكم كحياتي؟
طفلان لن يولدا، وطريق لا ينتهي، وموت لا يأتي.
هل كنتم ستحتملون أن تعيشوا طويلًا إلى هذا الحد، دون أن تجدوا أحدًا يحمل معكم ثقل الأيام؟ هل كنتم ستسمّون ذلك نجاة، أم ستبحثون عن أي نهاية، مهما كانت؟
كل من عرفتهم من الإنس والجن رحلوا، وحتى الحضارات والدول تلاشت، وبقيت أنا.
بقيت، لا لأنني كنت أقوى منهم، بل لأنني لم أُمنح حق الرحيل.
لا أعرف لي ولادةً ولا والدًا، ولا متى بدأت، ولا كم مضى من عمري. كل ما أعرفه أنني ما زلت هنا، وأن في صدري من الخذلان والحزن ما يكفي لعمر لا ينتهي.
أحيانًا أتساءل إن كان الحزن، مثل الخلود، يستطيع أن يتراكم دون أن ينفد. هل يمكن للقلب أن يحمل كل هذا، ثم يظل قادرًا على الشعور؟
ومع ذلك…
كنت سعيدة ذات مرة.
سعيدة لأنني اكتشفت أن لي أثرًا.
رأيت أحدهم يرتعب من أثر قدم في الرمال، دون أن يرى صاحبه. لم ألحظه جيدًا، وربما لم أكن لأراه لولا خوفه.
لكنه كان هناك.
أثر صغير في الرمل.
وللمرة الأولى، شعرت أن وجودي لم يمر دون أن يترك شيئًا خلفه.
لم يكن الأثر عظيمًا، ولم يكن دليلًا على شيء سوى أن قدمًا مرّت من هناك. لكنه كان كافيًا ليمنحني لحظة نادرة من اليقين:
كنت هنا.
مررت من هذا المكان.
تركت شيئًا، ولو كان قابلًا لأن تمحوه الريح بعد لحظات.
ومنذ ذلك الحين، لم يعد الأثر شيئًا صغيرًا في نظري.
حتى طفلاي…
لن يولدا، ومع ذلك أشعر برفساتهما. أحيانًا تؤلمني، فأحذرهما من إزعاج أي بشري أكون بجواره، خصوصًا إن كان يقرأ أو يكتب.
ربما كنت أحذرهما لأنني أخشى أن يلفتا الانتباه إليّ. وربما كنت أفعل ذلك لأنني، في أعماقي، لا أريد أن يمرّا دون أثر كما مررت أنا.
وأنت أيضًا… لا تقلق.
لم أترك أثرًا هذه المرة.
لست بجوارك الآن.
لقد ذهبت.
لا أستطيع المكوث طويلًا. السير اللامنتهي عصب حياتي، وربما كانت تلك عقوبتي.
كلما حاولت أن أتوقف، شعرت بأن الطريق يناديني، أو بأن شيئًا في داخلي يدفعني إلى مواصلة السير. لا أعرف إن كنت أهرب من شيء، أم أُساق إليه. وربما لا فرق بين الأمرين بعد آلاف السنين.
وربما لكم، يا معشر البشر، عقوباتكم أيضًا، وإن اختلفت أشكالها.
قد تكون عقوبتكم أنكم تعرفون أنكم سترحلون، بينما عقوبتي أنني لا أعرف كيف أرحل.
كل منا يحاول أن يفعل ما كُلّف به.
سواء عرف السبب…
أم لم يعرفه.
التعليقات