صيف على اليخت
أنهى نايكلوس بابادوبولوس دراسته الجامعية وحصل على ماجستير تنفيذي في إدارة الأعمال من جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم عاد إلى قبرص ليبدأ العمل في شركة والده، إيفانغيلوس بابادوبولوس، المتخصصة في صناعة المنسوجات. كان نايكلوس يعرف منذ وقت مبكر أن الطريق أمامه مرسوم تقريبًا؛ شركة تنتظره، واسم عائلي يفتح له الأبواب، وعلاقة قديمة مع صوفيانا سرابيس، الفتاة التي عرفها منذ المرحلة الثانوية.
لكن العلاقات القديمة، مهما بدت مستقرة، لا تعني أنها ستبقى كذلك. في بداية عمله، كان يتردد كثيرًا على مصنع العائلة. وفي إحدى زياراته، دعته جورجينا فيسا، رئيسة المصنع، إلى جولة للتعرف إلى تفاصيل العمل. هناك، التقى كاترينا.
لم تكن كاترينا تعرف من يكون حين رأته للمرة الأولى. لم تكن تعرف اسم عائلته، ولا حجم الشركة التي يعمل فيها، ولا شيئًا عن حياته خارج المصنع. بالنسبة إليها، كان مجرد شاب اقترب منها وتحدث معها بطريقة جعلتها تشعر، لأول مرة منذ وقت طويل، أن أحدًا يراها فعلًا.
تكررت اللقاءات. ثم جاءت الدعوة إلى رحلة بحرية حول قبرص مع بعض أصدقائه في مساء أحد أيام السبت. وافقت. كانت تلك الليلة قصيرة، لكنها كانت كافية لكي تبدأ كاترينا في بناء شيء أكبر منها داخل رأسها. جلسا طويلًا يتحدثان. أخبرها عن أحلامه، وعن مستقبله، وعن أشياء لم تكن تعرف إن كان يقولها لها لأنها تعنيه حقًا، أم لأنه اعتاد أن يحصل على ما يريد بسهولة. وفي نهاية السهرة، أخبرها أنه معجب بها.
لم تكن تحتاج إلى أكثر من ذلك. كانت سعيدة. وبينما كانت تتحدث مع إحدى الفتيات، اقتربت منها امرأة وقالت بصوت خافت:
«لا تفرحي كثيرًا... أحيانًا تكون السعادة التي تأتي بسرعة أقصر مما نتوقع.»
نظرت إليها كاترينا للحظة، ثم ابتسمت، قالت في نفسها: "إنها تشعر بالغيرة". ولم تفكر في الأمر مرة أخرى. كان أغسطس يقترب، وكانت كاترينا تظن أن حياتها بدأت تاخذ اتجاهًا جديدًا. لم تكن تعرف أن بعض البدايات الجميلة لا تأتي لتستمر، بل لتترك وراءها ذكرى يصعب التخلص منها.
شيء يشبه الجذر..
في الأسابيع الأولى، كان نايكلوس حاضرًا في كل شيء. رسالة في الصباح. مكالمة في المساء. انتظار عند المقعد الذي اعتادت الجلوس عليه في المصنع. تفاصيل صغيرة جعلت كاترينا تشعر بأن وجوده أصبح جزءًا طبيعيًا من يومها.
ثم تغير كل شيء. في البداية، كان التغيير بسيطًا. رسائله أصبحت أقصر. مواعيده أقل. والأحاديث التي كانت تمتد لساعات أصبحت تنتهي دون سبب. كلما سألته، أخبرها أنه مشغول. ثم بدأ يضيق بأسئلتها. وفي إحدى المرات، سألته لماذا لم يعد كما كان. ضحك وقال:
«أنت تفكرين في الأشياء أكثر مما ينبغي.»
كانت الجملة بسيطة، لكنها بقيت في رأسها طويلًا. بدأت كاترينا تبحث عن الخطأ في نفسها. هل أصبحت كثيرة التعلق؟ هل بالغت في اهتمامها؟ هل طلبت منه أكثر مما ينبغي؟ كلما ابتعد، حاولت الاقتراب أكثر، وكلما اقتربت، ابتعد أكثر. وهكذا دخلت العلاقة دائرة لم تعد تعرف كيف تخرج منها.
لم يكن أسوأ ما فعله نايكلوس أنه تغير. الأسوأ أنه جعلها تشك في نفسها. وفي يوم لم يختلف عن الأيام السابقة، أنهى العلاقة. لم تكن هناك خيانة درامية، ولا مشهد صاخب، ولا كلمات أخيرة تستحق أن تتذكرها، فقط تخلى عنها، وكأن الأسابيع التي عاشتها معه لم تكن بالحجم نفسه الذي عاشته هي.
عبق الرحيل..
بقيت كاترينا بعد ذلك وحدها أمام سؤال لم تجد له جوابًا: كيف يمكن لشخص أن يكون كل هذا بالنسبة إليك، ثم يرحل وكأنه لم يكن شيئًا؟
كانت تعرف في أعماقها أن العلاقة لم تكن جيدة لها. ومع ذلك، كانت تشتاق إليه. وهذه كانت أكثر الأشياء التي تكرهها في نفسها. كانت تفتقد شخصًا تعرف أنه آذاها. كانت تنتظر رسالة من شخص قررت أكثر من مرة أنها لن تنتظر منه شيئًا.
ثم وصلها الخبر. عاد نايكلوس إلى صوفيانا. لم يمض وقت طويل حتى تزوجها. وبعد شهرين، أعلنت صوفيانا حملها. كان نايكلوس قد انتقل ببساطة إلى حياته الجديدة. مناقصة هنا، اجتماع هناك، زوجة، طفل قادم، وعائلة تستعد لاستقبال أول حفيد.
أما كاترينا، فبقيت في المكان نفسه، تحاول أن تفهم كيف استطاع شخص واحد أن يترك في داخلها كل هذا الضجيج ثم يمضي في حياته بهذا الهدوء. كان صيفًا واحدًا بالنسبة إليه، أما بالنسبة إليها، فقد أصبح شيئًا آخر، أصبح ذكرى.
أغسطس.. حين تعزف الأغنية بصوت المشاعر
مرت الأشهر، ثم مرت سنوات، ولم تعد كاترينا تنتظر عودة نايكلوس، على الأقل، هذا ما كانت تقوله لنفسها. في أحد أيام أغسطس، استيقظت باكرًا، تناولت بعض المخبوزات، ثم خرجت بدراجتها الهوائية القديمة متجهة إلى العمل. كانت الدراجة متآكلة من أطرافها، تصدر صوتًا خافتًا كلما أسرعت، لكنها كانت لا تزال قادرة على الوصول بها إلى المكان. شعرت كاترينا أن الأمر يشبهها قليلًا؛ أشياء كثيرة تتآكل فينا دون أن تتوقف حياتنا.
في منتصف الطريق، أخرجت هاتفها، وفتحت تطبيق الموسيقى. كانت تبحث عن شيء تسمعه أثناء الطريق. ثم ظهرت أمامها أغنية "August" لتايلور سويفت. توقفت لحظة. لم تكن الأغنية جديدة عليها، لكنّها كانت تعرف أن بعض الأغاني لا نستمع إليها فعلًا؛ نحن نستمع إلى أنفسنا من خلالها.
ضغطت زر التشغيل. ومع أول لحظات الأغنية، عاد الصيف. ليس كما حدث فعلًا، وإنما كما احتفظت به ذاكرتها. وجه نايكلوس. ضحكاته. اليخت. المقعد في المصنع. الرسائل الأولى. تلك السعادة الساذجة التي ظنت يومًا أنها ستدوم. ثم عاد معها كل شيء آخر؛ الانتظار.. الأسئلة.. الصمت.. الانفصال.. وصوفيانا..
أغلقت الهاتف. لكن الذكرى لم تُغلق معه. واصلت طريقها.

المقعد الفارغ
كان المصنع أمامها. دخلت من البوابة، ثم اتجهت إلى مكانها القديم. كانت تحمل بعض الأدوات التي تحتاج إليها في عملها، بينما كانت أصوات العاملات تتردد في المكان؛ ضحكات، أحاديث قصيرة، همسات، وأشياء عادية لم تعد تعني لها شيئًا.
وعندما اقتربت من مقعدها، تذكرت أنه كان ينتظرها هناك ذات يوم. لم يكن ينتظرها الآن. جلست. نظرت إلى المقعد المقابل. كان فارغًا. وللمرة الأولى، لم يؤلمها فراغه كما اعتادت. جلست تستمع إلى الأغنية في رأسها، ثم أدركت شيئًا بسيطًا:
لم تكن تشتاق إلى نايكلوس كما كانت تظن. كانت تشتاق إلى كاترينا التي كانت معه.
إلى الفتاة التي صدقت أن تلك الرحلة ستغير حياتها، وأن ذلك الحب سيبقى، وأن الأشياء الجميلة إذا بدأت بهذه القوة لا بد أن تستمر. لكن تلك الفتاة لم تعد موجودة. لقد تغيرت. لم يكن نايكلوس هو الذي أخذ منها شيئًا، بل هي التي تركت جزءًا من نفسها في ذلك الصيف، ثم مضت.
المضي قدمًا..
بعد فترة قصيرة، استقالت كاترينا من عملها. لم يكن قرارها هروبًا منه، كما ظنت في البداية، بل كان خروجًا من المكان الذي ظل يربط حاضرها بماضٍ لم يعد ملكًا لها. بدأت مشروعها الخاص.
لم يكن الطريق سهلًا، ولم تستيقظ في اليوم التالي وقد شُفيت تمامًا، فالشفاء لا يحدث بهذه السرعة. كانت بعض الأيام تعود فيها الذكرى، وأحيانًا كانت أغنية واحدة تكفي لإعادتها إلى أغسطس. لكن الفرق أنها لم تعد تحاول الهرب منها؛ كانت تسمح لها بالمرور، ثم تواصل يومها.
وهكذا، بمرور الوقت، لم يعد أغسطس شهرًا تخشاه. صار مجرد شهر. وصارت الأغنية مجرد أغنية. وصار المقعد مجرد مقعد. أما نايكلوس، فأصبح رجلًا عاش في مرحلة من حياتها، ثم انتهت تلك المرحلة.
شكراً تايلور..
لم تنسَ ما حدث، ولم تحتج إلى أن تنساه. فبعض الذكريات لا تحتاج إلى أن تُمحى حتى نتعافى منها، يكفي أن تتوقف عن التحكم بنا. وربما لا يكمن الشفاء الحقيقي في أن نتوقف عن الحنين، بل في أن يأتي الحنين يومًا، فنبتسم له، ثم نواصل طريقنا.
وضعت كاترينا هاتفها في جيبها، ونظرت للحظة إلى المقعد الفارغ. ابتسمت. ثم همست:
«شكرًا، تايلور..»
وأكملت طريقها.
التعليقات