حادثة الحافلة
في قلب الهند، وتحديدًا في مدينة ساوجور (ساغار) في ولاية ماديا براديش، كان أستاذ العلوم راجيش يهرول مسرعًا نحو محطة الحافلات، يسابق الزمن حتى لا يتأخر عن عمله، ويتلقى درسًا عن أهمية الالتزام بالمواعيد من مديرة المدرسة، السيدة ديبيكا، قبل أن يبدأ هو بإلقاء دروسه على طلابه.
استقل راجيش الحافلة التي اعتاد ركوبها يوميًا، وبينما كان يشق طريقه عبر الممر داخلها، لفت انتباهه أمر غير مألوف؛ كانت ابنته سوهانا، المراهقة البالغة من العمر ثمانية عشر عامًا، تتبادل الضحكات مع رجل في منتصف الخمسينيات من عمره، يمتلئ رأسه بالشيب، وتملأ التجاعيد يديه.
كانت سوهانا، في الأصل، تحاول ألا تذهب إلى مدرستها في التوقيت ذاته الذي يذهب فيه والدها، وكانت تعتقد أن والدها الأستاذ راجيش، الذي كان مريضًا، لن يقاوم مرضه ويذهب إلى عمله. لكن حصل ما لم يكن في الحسبان؛ فقد شاهدها الأستاذ في هذه الحالة مع رجل يكبرها بأكثر من جيل.
شعر الأستاذ حينها بالعمى؛ ارتفع ضغطه، وأصبح لا يستطيع رؤية أحد أمامه. وبينما كان في الأصل لم يشفَ من الإنفلونزا بعد، وقد قاوم مرضه بسبب مديرته السيدة ديبيكا، اتجه نحوهما لا يرى ولا يكاد يسمع امتعاض الآخرين من تجاوزه بشكل فظ.
وما هي إلا ثوانٍ حتى تبدلت ابتسامة سوهانا العريضة إلى ذهول وصدمة من منظر أبيها الغريب، الذي لم تمضِ ثوانٍ حتى سقط بينهم، مرتطمًا برأسه بحافة المقعد، محققًا نزيفًا في رأسه استوجب إيقاف الحافلة فورًا وطلب الإسعاف، ثم نقله إلى قسم الطوارئ في مستشفى بهاجيوداي تيرث تشيكيتسالاي.
غضب المديرة
دخلت السيدة ديبيكا غرفة الإدارة، وبينما كانت تنتظر قهوتها الصباحية حتى تتحضر، قررت الاطلاع على حضور الموظفين في سجل الحضور. ولاحظت أن «الأستاذ المتأخر»، كما اعتادت أن تطلق عليه بدلًا من اسمه أستاذ راجيش، لم يسجل حضوره بين الحاضرين.
وأثناء استلامها القهوة، طلبت من محضر المشروبات الاطلاع على صف الأستاذ راجيش والتأكد من حضوره. وحين ذهب، وجد الفوضى تعم الفصل الدراسي، فعاد إليها وأخبرها بما شاهده.
حينها غضبت السيدة ديبيكا، وقررت استبعاد الأستاذ وفصله من عمله بسبب كثرة إهماله لفصله وعدم اكتراثه بأي تنبيهات وُجّهت إليه سابقًا، وأوعزت إلى قسم المالية بصرف كل مستحقاته المتبقية؛ لأنها لا تريد أن ترى وجهه مرة أخرى يحوم في حرم مدرستها الخاصة.
الرجل الخمسيني
وبينما كانت سوهانا مع الرجل الخمسيني، الذي يُدعى كيجال، ينتظران في قسم الطوارئ خروج الطبيب ليطمئنهما على صحة السيد راجيش، حضر موظف الاستقبال المتعجرف يطلب منهما مبالغ دفع المستحقات.
وبينما كانت سوهانا في حالة ذهول، بسبب عدم خوضها أي تجربة سابقة في دفع أي مستحقات أو تكاليف، وجدت نفسها في حاجة إلى كيجال لدفع التكاليف العلاجية لوالدها، فقام كيجال بدفعها، رغم امتعاض الطرفين من سوء المعاملة والخدمات المقدمة من المستشفى. وعلى الرغم من ذلك، جعل هذا الموقف سوهانا ممتنة جدًا لنبل كيجال معها ومع والدها.
وبعد ساعات، استيقظ الأب من صدمته، وعندما لمح سوهانا، امتلأت عيناه بشرارة من الغضب والحزن معًا؛ شرارة الرجل الذي شعر بغدر من يثق به، وشرارة الراعي الذي يخشى من فقدان رعايته.
وبينما كان يحاول أن يتمالك أعصابه، سأل ابنته عن هذا الرجل، عن هذا الخمسيني الأرعن الذي يحاول اصطياد الفتيات الصغيرات بدلًا من أن يعيشن حياتهن في كنف شاب من جيلهن.
لم يكن غضبه عليها من باب أنه لا يريد لها أن تعيش حياتها؛ على العكس تمامًا، كان يتمنى اليوم الذي ستكون فيه في بيتها مع زوجها وتعيش في بيئة سعيدة تمامًا. ولكن شعوره كان شعور الأب الفطري الذي يخشى على أبنائه من أي ذئب بشري، مهما كان شكله أو منظره.
فالرجل الخمسيني ليس هو رغبة هذا الأب الذي يريد لابنته الزواج من شخص يعيش معها باقي حياتها؛ شخص يموت وهو مطمئن إلى أن ابنته لن تكون وحيدة من بعده؛ شخص يعلم أنه إذا افتقر يومًا أو طُرد من وظيفته، فلن يخشى حاجة ابنته.
لم يكن يهتم لأمر نفسه؛ فقد كان يسعى في آخر عشر سنوات من حياته لابنته فقط. استمتع من الحياة وفعل فيها ما يكفي، فالآن كل ماله لها.

الحقيقة التي بددت الغموض
انقطع حبل أفكاره بعدما طلبت منه سوهانا الإنصات إليها جيدًا، حيث قالت:
«والدي العزيز، إني لأشعر بالعار بسبب ما حصل معك في الحافلة، ولم أقصد إقامة علاقة عاطفية مع رجل دون معرفتك، وبدون مباركة الآلهة وكبار البوجاري في المعبد (الكاهن في الهندوسية)، وبدون مباركة الأعراف والتقاليد والعائلة. أنت تعرف، يا والدي العزيز، أنني لن أجلب العار إلى عائلتنا، ونحن من نسل أعظم بوجاري (كاهن هندوسي) في تاريخ ساوجور (ساغار). إن العار الذي تجلبه فتاة في هذه المدينة لا يمكن مسحه أبدًا، والقذف بالنار وأنا حية أرزق أهون عليّ من هذا العار، يا والدي».
بكى الوالد، وسكبت من عينيه دمعة تشبه في ألمها وحرارتها الأسيد وهو يسير على الجسد البشري. شعر بالحزن، ليس بسبب ما حصل، بل بسبب الموقف؛ بسبب الشعور الذي ذاقه، شعور بأن ما حافظ عليه طوال عمره قد ضاع فجأة بين أحضان وضحكات ذئب بشري في مثل عمره البيولوجي.
سألها:
«من يكون؟»
قالت:
«هو الأستاذ كيجال، تاجر الذهب في ضاحية المدينة، ويعمل قريبًا من مدرستك يا والدي. وكان يريد أن يزورك دائمًا ليتعرف عليك، لكنه كان يريدني أن أفاتحك في الموضوع قبل أن يذهب إليك».
انقطع حبل أفكار السيد راجيش، وتذكر مديرته البغيضة، السيدة ديبيكا، وحواجبها المرتفعة وهي تكلمه. كان يرتجف ويطلب هاتفه المحمول، وبعد بحث وجده في حقيبة ابنته التي، من هول الصدمة، نسيت أين وضعته.
وما إن وجدته سوهانا حتى التقطه منها، ليصعقه خبر حزين في رسالة هاتفية تقول:
«تم استبعاد الموظف صاحب الرقم التالي من وظيفته».
تنفس الصعداء، ونظر في وجه ابنته، لا يعلم كيف سيكون لها المظلة التي تحميها بعد اليوم من عواصف الحياة وتقلباتها.
وبينما كان والده قد ربّى أخاه ريهاج على الاعتماد على نفسه منذ أن بلغ السن القانونية، فلم يدفع عليه روبيلًا واحدًا، ولم يسعفه بمال في بحثه عن عمل أو في بداية حياته، كان راجيش يشعر الآن بشعور مختلف تمامًا؛ شعور الأب الذي يرى ابنته أمامه، ويشعر أن أي عجز يصيبه قد يتحول مباشرة إلى عجز عن حمايتها. وأعاده ذلك الشعور إلى أول يوم معها، حين كانت رضيعة؛ فقد كان قد فُصل أيضًا من عمله قبل ثلاثة أسابيع من ولادتها، واستقبلها يومها بشعور غريب بين فرحة تصعد به إلى سابع سماء، وخوف يسحبه إلى أسفل أرض. لم يكن يعرف ماذا سيقدم لها حينها، لكنه استطاع بعدها أن يلتحق بعمل.
أما الآن، فقد عاد الأمر نفسه، لكنه لم يعد الرجل ذاته؛ فقد صار في منتصف الخمسينيات، ولم يعد ذلك الموظف المرغوب فيه في هذه المرحلة، في ظل الظروف الصعبة والتنافسية التي يعيشها المواطن الهندي هذه الأيام.
عندما تسقط الأقنعة
وبينما كانت الساعات تمضي ببطء في هذا المستشفى، وكانت الإجراءات الإدارية تسير بالسرعة نفسها التي يسير بها السيروم المعلّق على ناصية السرير، اشتدت درجة الحرارة فجأة، وعلى الرغم من محاولة المستشفى رفع مستوى التكييف، إلا أنها لا تزال مرتفعة.
وبسبب ذلك، قرر كيجال التخلص من ملابسه الشتوية التي كان يرتديها في فصل الصيف، رغم استغراب السيد راجيش منذ البداية من ارتدائه لها. إلا أن صدمته من ابنته وتصرفها كانت غالبة على أي شيء أو حدث آخر.
وهذا يدل على أن الإنسان المغيب هو إنسان عديم البصيرة، مهما رأى أمامه من تناقضات وأسئلة تحتاج إلى أجوبة.
وبعدما نزع ثيابه وبنطاله الجينز الثقيل، وكان يرتدي لباسًا آخر تحته، قام بنزع الباروكة، ثم نزع القناع الجلدي الذي كان يغطي وجهه ويغير ملامحه، وحرك شعره قليلًا وهو ينظر إلى المرآة.
ولم يلاحظ انبهار السيد راجيش به وصدمته الأخرى؛ فقد ظهر أن السيد كيجال، الخمسيني، هو في الحقيقة شاب في منتصف العشرينيات من عمره.
كان يعمل في الفترة الصباحية كتاجر في مجال الذهب في مركز والده التجاري، وفي المساء يعمل ممثلًا في مسرحية هزلية كان يؤدي فيها دور أستاذ في الخمسين من عمره. وقد ساعدته سوهانا في مراجعة النص والحوار واختيار الملابس المناسبة من ذات المتجر الذي يذهب إليه والدها في فصل الصيف.
ولكن في ذلك اليوم، اعتذر من والده؛ لأن هناك عرضًا صباحيًا كان من المفترض أن يقدمه لطلاب المدارس الخاصة تحت إشراف المديرة ديبيكا. ولكنه اعتذر من قسم الفعاليات في المدرسة بسبب حادثة الحافلة، وحينما وصلت رسالة الاعتذار من قسم الفعاليات أثناء الطابور الصباحي انزعجت المديرة وغضبت، بسبب أن هذه الفعالية كانت ستجذب أولياء الأمور لتسجيل أطفالهم في العام القادم، لما تُظهره من حرص المدرسة على رعاية الطلاب وتعزيز جوانب الترفيه في المدرسة، وحينما عادت إلى مكتبها وفحصت سجل الحضور تأكدت بأن الأستاذ راجيش لم يحضر للعمل في هذا اليوم، ازداد غضبها وقررت فصله ودفع مستحقاته المالية إليه.
علم الأستاذ راجيش كل هذه التفاصيل من كيجال وابنته سوهانا، وزملائه السابقين في حفل زفاف ابنته، حيث إنه بعد خروجه من المستشفى فاتحت سوهانا والدها بشكل رسمي بأن عائلة كيجال تريد التقدم بشكل رسمي لطلب الزواج، وهذا ما حدث فعلًا، حيث إنه خلال أشهر حصل حفل الزفاف ودخلا سوهانا وكيجال القفص الذهبي المقدس، في حفل زفافهما الذي حضره العديد من أعيان ساوجر (ساغار)، بعد فترة من استمرار زواج ابنته ذهب عن الأستاذ راجيش كل ذلك الغموض، واطمأن في الأخير على مستقبل ابنته. وعلى الرغم من استبعاده من المدرسة، لم يثنه ذلك عن البحث عن ذاته في أماكن أخرى.
الرعاية التي لا تتقاعد
وبينما كانت سوهانا تستعد لاستقبال مولودها الجديد، كان الجد قد استعاد حقه القانوني في العودة إلى العمل، وألزم المدرسة بأن تعوضه عن الفصل، ولكنه بعد فترة لم يعد يرغب أن يرى وجه المديرة ديبيكا مرة أخرى، ولا يرى أن هناك حاجة بعد زواج عزيزته سوهانا إلى الاستمرار في العمل، لذا رفع طلب التقاعد، وبالتالي استطاع أن يحصل على معاشه التقاعدي الذي يعيله لباقي حياته، وأن يفرغ وقته للعب مع حفيدته جاكي وتعليمها أثناء انشغال والدتها في الدراسة الجامعية.
ورغم اعتراضه مسبقًا على اسم الحفيدة الذي لا يشبه الثقافة الهندية بشيء، إلا أنه كان يعلم أن هذا الجيل من الهنود، إذا حافظ على عشرة في المئة من ثقافة أمته، فقد عمل ما يقع على عاتقه.
لم يغب شعور الرعاية يومًا عن السيد راجيش، بل زاد أكثر. فحينما ظن لفترة من الزمن أن زواج عزيزته سوهانا سيكون هو بداية التقاعد من الرعاية، وجد أنه كان البداية.
فرعاية الحفيدة لا تقل عن رعاية الأبناء؛ فكلاهما امتداد لأصل واحد، وما أعزَّ من الولد إلا ولدُ الولد.
وطالما أن أصل الرعاية متجذر في نفس هذا الأب، فلن يتقاعد عن الرعاية كغيره من الآباء المخلصين حتى ينزل ويحتضنه التراب، أو يتلاشى رماده في أرجاء سماء ساوجور (ساغار) الجميلة.
التعليقات