"مرحبًا بك في العالم الجديد!"
هذا ما قلته لي أيام هذا العصر الغريب، الذي بات كل شيء فيه فاقدًا للمعنى؛ معنى الجمال في البساطة، ومعنى الكمال في القناعة، ومعنى الإخلاص كفضيلة تُربّى عليها منذ الصغر وتبقى في النفوس عند الكبر. الإخلاص كما عهدناه وتربينا عليه فضيلة ربانية حثّت الإنسان عليها في كل شؤون حياته، بدايةً من بذل كل ما يستطيع لأطفاله، وانتهاءً بعمله. إن الإخلاص بات يُنظر إليه نظرة استحقار في بيئة باتت في ذيل الأجيال البشرية؛ بيئة أصبحت فيها الأخلاق تُقنّن حتى تُحترم، والحقوق تُفرض حتى تُعطى، فالإنسان اليوم كائنٌ متوحش لا يمكن أن يُضبط ما لم يشعر بالألم، ألم أفعاله وتصرفاته. لذلك، جميعنا حريصون على تسليم تكليفاتنا ومشاريعنا في العمل حتى لا نشعر بذلك الألم، وهو ليس بألم الإخلاص، بل ألم التقصير الذي يستوجب عقوبة. أما ألم الإخلاص فلا يبتغيه أحد، فهو ألم لا يشعر به إلا فئة قليلة من الأشخاص، فئة ترى في مهمتها ما يمثّلها، وعليها أن تبذل أقصى جهدها لتحقيق أعلى درجات الإخلاص.
فالإخلاص هو درجة الاستفاضة وأعلى منازل الكمال؛ فعندما يكون مشروعك قد حقق ما يريده مديرك، وتضيف عليه أكثر ليكون أفضل، فأنت هنا مخلص ومستفيض. وعندما توفر لأبنائك أفضل الفرص المتاحة في التعليم، حتى ولو كان ذلك مكلفًا، فأنت هنا أيضًا مخلص ومستفيض. فالإخلاص مهارة يستطيع الإنسان تنميتها إذا أراد، ووجد الرغبة في ذلك.
حين يستسلم الشغف
في صباح الثاني من شهر مارس لعام 2026، دخل مدير تحرير صحيفة اسكتلندية، وكانت الأخبار تعج بأحداث الضربات الأمريكية الإسرائيلية على إيران، فطلب من الصحفي التقصي عن الأخبار الواردة من مراسلهم المتعاون في طهران، وطلب منه أيضًا التحري عن ملابسات الهجمات وتقديمها في عموده المعتاد في زاوية نهاية الأسبوع، كحصيلة للأسبوع الأكثر سخونة في تاريخ الشرق الأوسط. إلا أن هذا الصحفي كان يعلم تمامًا أن عموده هو أقل الأعمدة قراءةً في تلك الصحيفة المنسية.
وبينما كان الصحفي في رحلته الاستقصائية، ممتعضًا جدًا من فظاظة مدير التحرير معه، وجد سبقًا صحفيًا ومادة إعلامية مثيرة أرسلها له مراسلهم المتعاون، علي بهقران، من بين مجموعة واسعة من الأخبار. كانت هذه المادة الإعلامية قد تثير تساؤلات عن جدوى الحرب الدائرة حينها، لو تم التقصي عنها جيدًا، إلا أنه خاض خمس ثوانٍ كانت كفيلة بأن يتغاضى عنها.
شاهد فيها مديره البغيض وهو يعاتبه كل يوم.. شاهد عموده الذي لا يراه أحد سوى طاعنٍ في السن، لا يقرأ ولا يكتب، ويستمتع بالصور وسط النص، يحتسي معها الشاي الأخضر في ضاحية من ضواحي إدنبرة العريقة. وشاهد أيضًا نفسه وهو ينجح ويترقى.. ولكنه لم يأبه بأي شيء. أراد فقط أن يفعل ما يريده، إذ لا وقت له ليناقش جدوى هذا الأمر؛ لأنه يشعر أن هذا الإخلاص لن ينمو في هذه البيئة السامة القاحلة، المليئة بالجفاف المؤسسي والعشوائية في كل قراراتها. شعر بأن إخلاصه لن يُقدّر، فآثر أن يقمعه انتظارًا لفرصة أخرى في مكان آخر وزمن آخر، وقال بعدها:
" لماذا أفعل؟"
فهذا البغيض ذو البطن المدورة لن يكترث لأي شيء سوى ما يحقق له الأرباح؛ فالأهداف المدنية، والقصف العشوائي، وافتعال الحروب العبثية لا تعنيه بشيء. هو لا يريد إلا ما يحقق منفعته الشخصية من شهرة وأضواء وسمعة مهنية، ثم الأرباح فقط، مهما كان السبيل إليها.. غير هذا لن يكترث له.

على الجانب الآخر قبل أيام..
استيقظ علي بهقران في تمام الساعة العاشرة وخمس عشرة دقيقة صباحًا بتوقيت طهران، في يوم رمضاني مرهق جديد. فعلي، الشاب الثلاثيني، بعد أن استفاق، ذهب ليشحن بطارية أجهزته النقالة، هذه التي صارت اليوم العين الساهرة والحافظة للحقيقة من الاندثار. وما إن فتح هاتفه حتى انهالت عليه الاتصالات الهاتفية والرسائل النصية والمكالمات المرئية من مختلف المؤسسات الإعلامية التي كان يتعاون معها حول العالم. لم يكن يعلم السبب، ولكنه سرعان ما هرع إلى التلفاز ليرى إيران تُهزم في حرب قبل أن تبدأ، فكل خطوطها الحمراء مُسحت، وكل تهديداتها أُخفيت.
وما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى ارتدى علي بهقران ثوب الإخلاص كمخلّص، قبل أن يرتدي ثيابه، ليهرع إلى الميدان ناقلًا صوته، ماكثًا فيه أكثر من عشرين يومًا لم يعد خلالها إلى بيته. جعل من الميدان مسكنًا له، رغم ما استنزفه ذلك من طاقته، حتى مرضت ساقه من كثرة التنقل والتغطيات المستمرة.
لم تطلب من علي بهقران كل هذا أي وسيلة إعلامية، ولكن ما دفعه هو الإخلاص لمهنته، ولأمته في نقل خبرها إلى العالم. حاول علي بهقران ألا يكون بوقًا، بل أن ينقل للعالم، بلغته التي يفهمها، حقيقة ما يجري في إيران، رغم إنسانيته كإيراني لا يريد لبلده سوى رغد العيش والسلام، إلا أن مهنيته وإخلاصه جعلاه لا يتوارى عن العمل قيد أنملة.
عبق الختام..
بين الرجلين مسافة لا تُقاس بالجغرافيا وحدها، بل بموقفٍ من الإخلاص ذاته: أحدهما رآه عبئًا لا يُجزى عليه فآثر أن يقمعه، والآخر حمله على كتفه دون أن يُطلب منه ذلك، حتى مرضت ساقه من ثقله. وكلا الرجلين إنسان، لا بطل ولا شرير خالص، لكن الفارق أن أحدهما اختار أن يسمع صوت الألم فيتراجع، والآخر اختار أن يحتمله فيمضي.
وهنا نعود إلى ذلك الطاعن في السن الذي افتتحنا به: الإخلاص الذي بات كِبَرًا مريضًا يحتاج من يعتني به. فربما لا يحتاج الإخلاص اليوم إلى من يرثيه أو يكتب في ذكراه، بل إلى من يشبه عليًا بهقران أكثر: من يحمله لا مُجبرًا، ولا منتظرًا أن يموت ليستريح منه، بل عن رغبة صادقة في أن يبقى حيًا، ولو أنهكت طريقه ساقيه.
فالإخلاص، في النهاية، ليس فضيلة تُورث، بل خيارٌ يتجدد كل صباح، في كل مكتب تحرير، وفي كل ميدان.
التعليقات